ثقافة المقال

اليساري الذي أصبح صوفيا!

فؤاد عبد النور
 
دعاني الأستاذ إبراهيم لشرب فنجانٍ من القهوة معه، وانضم إلينا الحلاق عبد التمام، حلاق الميدان، الذي برع في شيء أخر ليست له علاقة بالحلاقة، ألا وهو الرسم السياسي والكاريكاتير.وقد تكرم علي، وأهداني بعض رسوماته المعبرة، وتدور أغليها حول عشقه لفلسطين، الفردوس السليب، والتي أدت – أي رسوماته – إلى دخوله السجن، وإلى ضغوطات شديدة من المباحث الإسرائيلية.
وجدت نفسي أفكر في صوتٍ مسموع. ما دامت روح العطاء قوية في كفر قاسم، ويأتون بأنفسهم طواعية للتبرع لأمورٍ تهم الصالح العام، فلماذا فشلوا – أي السكان – في إقامة نصبٍ أكثر أهمية من هذه اللوحة التذكارية المنصوبة عند مدخل البلدة الغربي. فكان رد إبراهيم سريعاً:
” يجب أن تتخيل كيف كان جو القرية آنذاك. الصدمة كانت شديدة وأدت إلى ذعر الجميع.
قاوم الختيارية أية محاولة لإقامة مهرجانات شعبية لتخليد الذكرى. كانوا يخشون أن تتكرر لشيء أكثر خطورةٍ منها. أرادوا أن ينسى الناس المصاب، وأن لا يقيموا أية ضجة في ذكراها. وشددت السلطات أنها قد شكلت لجنة شعبية للصلح، ودفع التعويضات. وبالتالي عفا الله عما مضى! ولكن الجيل الجديد رفض ذلك. تأسست لجنة شعبية لإحياء الذكرى، بمبادرة كل من عمر عصفور، عبد الله يدير، محمود عامر، محمود عزات، ونجحت في فرض الاحتفال السنوي بالذكرى، ثم تطور الأمر إلى إنشاء نصبٍ تذكاري، وتبرع يهوديان من اليسار، أحدهما رسام، والآخر مهندس، بوضع التصاميم والإشراف على التنفيذ، ولما أصبح الموضوع جدياً ، وأوشك على التنفيذ، تدخلت السلطة المحلية، وفرضت نفسها كمتبنية للمشروع، وكانت النتيجة هذه اللوحة الحجرية في مدخل البلدة.”
وشرح لي إبراهيم تفاصيل الاحتفال السنوي:- خطابٌ في جامع القرية القديم، ثم مسيرة إلى موقع المذبحة الرئيس عند الفلماية قرب اللوحة، ثم الانطلاق إلى المقبرة حيث دفن الشهداء، مروراً بالمقبرة القديمة التي أصبحت المدرسة العمرية الابتدائية. وتذكر إبراهيم شيئاً وهتف:
” أتعلم، يجب أن تتعرف على عمر عصفور الذي ذكرته لك قبل قليل بأنه من المبادرين لتشكيل لجنة لإحياء الذكرى. هذا من الرواد اليساريين الأوائل في البلدة، ثم أصبح صوفياً. يجب أن تقابله!”
لم أكن بحاجة إلى إلحاحٍ. يساريٌّ أصبح صوفياً، تجربة شبيهة بتجربتي الخاصة. أثار فضولي. فهتفت: – هيا بنا! خلال خمس دقائق كنا ندق عليه باب بيته.
استقبلنا عمر عصفور مرحباً في جلبابٍ أبيض فضفاض، لا ينجح في إخفاء جسمه الممتلئ. وسأل:
” أترغبون في الصعود لغرفة جلوس الضيوف- وأشار إلى الطابق الثاني – أم في غرفتي هذه؟ ” وأشار إلى غرفته حيث يمضي أغلب وقته، في غرفة منفردة في الطابق الأول. قررت بسرعة أن نجلس في غرفته، بعد أن لاحظت رفاُ كبيراً ملآن كتباً، ومكدسةٌ بعضها على الأرض.
جلسنا في تلك الغرفة المتواضعة وهي أشبه بغرفة دراسة وتأمل. سريرٌ في الجهة الغربية، “وطرحية ” مقابل السرير عند الجدار الشرقي، والمكتبة عند الجدار القبلي. ولما كنت أحب التربع على الأرض في جلسة شعبية، ولا أزال قادراً على ذلك، تربعت مثل صاحب البيت، بينما جلس إبراهيم على كرسي.
مضيفنا في الواحد وخمسين سنة. و” الحمد لله لا أشتغل “. كان له دكان بقاله، فسلمها لأولاده. وقد مرت عليه بضع سنوات، ” والحمد لله الحالة مستورة “. أشار إبراهم إلى تاريخ عمر النضالي، ودوره في تحدي الجيل القديم، وإلى صحيفته البدائية التي كانت تشبه صحيفة حائط، وذكر عن دوره في فرض لجنة إحياء المجزرة، وكلها أمورٌ لم تعد تهم صاحب البيت، ولا تثير في نفسه سوى ذكرى نشاطٍ ذهب عبثاً.
أخذ إبراهيم يلح على عمر أن يتحدث عن إنجازاته السابقة، فهذا تاريخٌ يجب أن يسجل لمصلحة الأجيال القادمة، ولكن عمر استمر في التهرب، وقد لاحظت أنه يتهرب لعدم رغبته في الحديث عن نفسه، وهي صفة تكاد تكون معدومة عند أغلب من قابلتهم في المثلث في جهدي هذا.
وجدت أن أفضل ما أقوم به هو الاستئذان بعد شرب القهوة وتناول الفاكهة، واتفقت مع عمر على جلسة أخرى في الأسابيع القادمة. وعندما سنحت لي الفرصة أن أتواجد في كفر قاسم مرة ثانية، اتصلت به، فرحب، ووجدته متربعاً على الأرض في غرفته، يتناول غذاء متواضعاً، فدعاني لمشاركته، وما كان لرحالةٍ مثلي أن يمتنع، أو يرفض، وأخذنا نتحدث بشكل عارضٍ، وليس كاستجوابٍ رسمي، ولم يعترض على تسجيل ملاحظاتي على ما دار بيننا من حديث. بدأنا بسيرته الخاصة:
” تعلمت للصف الثامن. كان أبي ضد التعليم. كان يعتبر التعليم كلفة زائدة ليس بمقدوره أن يتحملها. والناس عموماً كانت إمكانياتهم ضعيفة. عندما كان دفتري يمتلئ، وأطلب منه نقودا لشراء دفتر جديد، يأخذ في البحث في زوايا الدفتر ويشير إليها: ما زال في الدفتر متسع!”
ثم قرر أن يخرجني من المدرسة. لم أقبل. قررت الهرب إلى المنطقة العربية – الضفة – فأمسك بي راعٍ كان يعرف أبي، وأرجعني غصباً للبيت. فاهتاج أبي، وصرخ ” لازم أسلمه للشرطة! ” تدخلوا اختيارية العيلة. وسألوا : ماذا تريد؟ قلت: أن أتعلم. أضربت عن العمل ستة أشهر. ولكن والدي أصر بعناد على موقفه، فعملت كعاملٍ عادي عند أحدهم. ولكني كنت باستمرار أبحث عن كتب لأقرأها. كانت الكتب العربية قليلة أيامها. قرأت عن العقاد إنه تعلم في المدرسة للصف السابع فقط، وعلم نفسه بنفسه. أخذت أعمل ساعات إضافية. ساعات العمل القانونية أعطيها لأبي، الإضافية أشتري بها كتب.
” أخذت أحاول كتابة القصص. ما أكتبه لا يعجبني، فأمزقه. أكتب غيره. حررت جريدة بخط إيدي سميتها ” المرصد”. أكتب فيها عن أخبار كفر قاسم. هذا رزق بولد، وهذاك مات. طوشة كبيرة في البلد، مطر قوي جرف التربة. وهيك.
” رغبت ذات يوم أن أروح سينما وأشوف فيلم. سافرت دون الحصول على تصريح عسكري لتل أبيب. قطعت تذكرة للسينما، ولما هممت بالدخول، أوقفني شرطي، عرف من لباسي إني عربي، وطلب التصريح بفظاظة. قلت ما معي تصريح. نمت في السجن. قدموني لمحكمة. غرموني ثمان ليرات. إنجن أبوي. ما قدر يستوعب إنه لازم يدفع 8 ليرات. صرخ: مرة ثانية إن أمسكوك أو قتلوك في تل أبيب مش راح أسأل عنك!
” كتبت في جريدتي عن بوابة مندلباوم في القدس. هاجمت استغلال البوابة للضغط على الفلاحين للتعاون، بدلا من كونها بوابة إنسانية. كانت تستخدم لإعطاء امتيازات للذين تكون السلطة راضية عنهم.”
رأيت أن أستغل هنا استراحته من الحديث، وقلت بشكلٍ عارض:
– هذا يعني أنه نشاطك السياسي بدأ بها الجريدة. إبراهيم كان على حق لما قال إنك من رواد كفر قاسم الأوائل.
أدرك عمر أنه قد وصل إلى حياته السياسية الجدية، ولم يكن يرغب في الدخول إلى هذا. وأجاب:
– إبراهيم بالغ. كان هذا من زمن بعيد. خلاص نسيناه!
وصمت. أدركت أني قد قمت بخطوة خاطئة. كان يجب علي أن أتركه يتحدث في سلسلة أفكاره. لم يكن أمامي سوى التحدث عن حالته الحاضرة. فعدت للسؤال:
– – حسناً.. كيف تغيرت؟ ماذا دفعك للتصوف؟
اعتدل هنا في جلسته. بدت عليه الجدية. اختفت البسمة من وجهه، وظهر وجهه رزينا أمامي، وأخذت الكلمات تخرج من فيه جادة ومتمهلة:
” دعيت سنة 78 إلى مناسبة رحمة وبركة (على ميت). ودعي كذلك بعض الدراويش. كان معهم رايات، وكاس، وغير ذلك من العدة. ودعا أحد الدراويش الجميع إلى العشاء في بيته. انضممت إليهم دون قصد أو تفكير مني. ما لاقيت حالي إلا وأنا اتبعهم. قعدنا عند المغرب. قدموا القهوة والشاي. واحد من الدراويش كان قاعد جنبي وطلع بصوت عالي ” الله! ” . أخذ يلولح. ظهر عليه إنه اختلف. شعرت ببدني بهتز. صرت أبكي. لا أدري للآن لماذا بكيت. تطور الأمر إلى النشيج بقوة.
” صار عندي شوق للجماعة. صرت ألحق بهم في كل اجتماعٍ أو مناسبة. وجدت الصوفيين أناساً صادقين، وأصحاب أخلاق قبل أن يصبحوا أصحاب دين. ماشين على البركة. لا يحبوا إنهم يؤذوا أحد. ولا يحبوا أحد يؤذيهم. تعرفت على أحد المشايخ، وصرت من أـتباع الطريقة الرفاعية”.
ورفض عمر أن يخبرني باسمه. هز رأسه وقال:
“التكلم عن الشيخ يعتبر دعاية وإبرازاً له. هذا لا يصح للشيخ الصادق. كل من له عزة نفس بحب الظهور. حب النفس بدفع الإنسان لحب البروز. هذا بدفعك إنك تكبر في عينين نفسك. تصبح من الأغيار. الله سبحانه ما بحب الغيرة. لأنه هو صاحب الكبرياء. الصوفي الصادق ما بعرف هذي الأشياء. الصوفي الصادق يبدأ في المكابدات، في إطار عزلة شهر. صمت أو جوع. إخضاع للنفس عشان تنظيفها.القلب الروحاني ينصقل بها الطريقة، مثل ما تصقل المرآة.”
عجبت لهذه الطلاقة في التعبير عن تحوله الفكري, دون افتخار، أو تباهٍ. هذا ما حصل معه، يسرده كأمرٍ واقعٍ. تجربة روحية غير خاضعة للتحليل العقلي. وكأنه أدرك ما يجول في خاطري، إذ أضاف:
” الميل هذا غير خاضع للعقل. لا يعرفه إلا من ذاقه. صار عندي اهتزاز روحاني. بلغة الصوفية يسمى ” حال “. تتغير. لا يعود معارفك يعرفونك. لست عمر القديم بالنسبة لهم. يأخذون باتهامك بالجنون أو الهبل. من لديه صفاء لا يلتفت لكلام الناس. تصبح عنده نورانية شفافة. لا يعود يهتم برأي البشر. مدحوه أو ذموه. فقر أو غني. مرض أو صح. لا يعود يهتم بالأمور المادية.
” هناك رجل من مقيبلة أريد أن أحدثك عنه. عمرة تسعة وسبعين سنة. أمي. بشوف مشاهدات نورانية ما تقدر تفسرها من شخص أمي. اللي بقوله ما بقدر واحد غيره إنه يقوله.
” الصوفية تختلف عن الحركات الإسلامية اللي بتعرفها أنت وغيرك. هدول عكرتة، أتباع العكرته حكام السعودية. يركضوا وراء مصالحهم الخاصة. تاريخهم أسود. يفرضوا الدين على الناس بالقوة. الله أرسل الشرائع لتهذيب الناس، مش للانتقام منهم! الشرائع تؤدي لحب الله. مش للنفور منه.
” يهاجموننا أننا مبتدعون. زائفون. ضد الإسلام. ليس لنا دين. يكفروننا. هناك صوفي لا يحب تعظيم نفسه، ألف هذين البيتين من الشعر. أسمع، وأخذ يتغنى:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهــم شفاعة
وأكـره مـن تجـارتـه المعاصـي وإن كنا سوية في البضاعة
فيرد عليه جماعته:
تحب الصالحين وأنت منهم حماك الله من تلك البضاعة.
” المتصوف حتى ولو بدرت منه أخطاء فإنه يرتد. إنه يرجو من الله تعالى أن يرده إلى الصواب. خوفاً من أن يحجب الله نفسه عنه. الله لا يقبل معه أغياراً. إن أشركت غيره في محبتك أصبحت مشركاً في نظره. يجب أن تبقى صافياً دائما مع الله. يجب أن يكون معك شيخ قدير حتى لا تخطئ. الشيخ بإمكانه أن يساعدك حتى لا تخطئ. ” إن أردت أن تعرف مقامك.. فاعرف فيما أقامك”.
” سلسلة الشيوخ متصلة من واحد إلى واحد، إلى الرسول. نهاية مطاف جميع الشيوخ الحصول على رضا الله.
” قاعدتنا كل ما لا يمت للشرع والقرآن خارج عنا”
وحاولت محاولة أخيرة:
– حسناً لقد تغيرت. لقد اعتزلت. لقد تنكرت لنشاطاتك السابقة. مع أن الكثيرين يشيرون إلى أنك فعلت الكثير للبلدة. إنهم يشهدون لك!
هز رأسه عدة مرات، وقال”
” خلاص القديم راح. غلط نجتر الماضي. خلاص راح. صدق الشاعر حين قال:
لقاء الناس لا يفــيد شيــئاً سوى الهذيان من قيل وقال
فخفف من لقاء الناس إلا لأخذ علمٍ أو إصلاح حال

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق