ثقافة المقال

تَوَهُّمات يتبرّأ منها الشعر

محمد على عزب*

الوزن والنثر والعامية هى مادة خامة الاٍبداع ولا تنتج شعرا اٍلاّ على يد شاعر حقيقى يمتلك رؤيا وثقافة, وقدرة شاعر حقيقى على تشكيل تلك الرؤيا والتجربة عبر اللغة اللغة الشعرية, ويسمى المُنتج الشعرى الذى أنجزه الشاعرة “قصيدة”, اٍذا فالقصيدة بنية جمالية لغوية وهى تجسّد التجربة / الرؤيا الشعرية عبر اللغة الانزياحية أى اللغة التى تنزاح وتنحرف عن معيار اللغة العادية فى تركيبها, وبنائها اٍذ أنها لغة قائمة على التخييل والتصوير والمجاز والترميز والاٍيماء والاٍيحاء, فالشعر رؤيا مقاربة للحلم وتحليق بأجنحة الخيال واللغة الشعرية هى الجسد .
ومن حق كل شاعر أن ينحاز جماليا للأدوات التى يشكّل بها تجربة الشعرية ويرى أنها الأفضل بالنسبة له عن باقى الأدوات الأخرى, لأنها ارتبطت بذاته الشاعر وقامت بينهما علاقة حميمية, والتفضيل هنا يخضع لمنطق شعورى ذاتى يخصّ تجربة كل شاعر وانتقائه لأدواته وفقا لوعيه الجمالى, وللشاعر أن يدافع عن خياره الجمالى رغم اٍنه خيار ذاتى فمن المستحب أن يكون هذا الدفاع مقرونا بموضوعية الانحياز التى تمثل ف التدليل موضوعى على أن هذا الخيار الجمالى أو ذاك خيار اٍبداعى تنطبق عليه شروط الشعرية وصلاحيته فى تشكيل وتجسيد رؤيا الشاعر, وفى نفس الوقت لا يسفّه من الخيارات الجمالية الأخرى لمجرّد أنها تختلف عن خياره الذاتى أو خيار التيار الذى ينتمى اٍليه الشاعر, فيجب أن يكون حديثه عن الأشكال الأخرى موضوعيا توجد به براهين وأدلة مقنعة وليس مجرّد تَشَنُّجات ومقولات خالية من البراهين تتحوّل اٍلى تَوَهُّمات لدى البعض, وبفعل منصّات التواصل الاجتماعى ووسائل النشر المتاحة للجميع, ومن أكثر هذه الأوهام ترددا وانتشارا كما أظن هى الأوهام التالية :
1 ـ تَوَهُّم الأصالة والتغريب
وهذا المقولة تتعلق بقصيدة التفعيلة اٍذ يظن من يرددها من الشعراء أنه وريث للتراث الشعرى العربى, وأن اٍبداعه الشعرى ضارب بجذوره فى الثقافة العربية لمجرد أن أنه يكتب شعر التفعيلة بالوزن العربى, وأن التفعيلة تطورا للقصيدة العمودية فهى اٍذن قصيدة معاصرة وضاربة بجذورها فى التراث فى آن واحد, وأن قصيدة النثر نموذج شعرى غربى .
والرد على هذه المقولة أن قصيدة التفعيلة التى خرجت على عمود الشعرى وأسست لنفسها بنية فنية جديدة قد اعتمدت على السطر الشعرى, وكانت قصيدة قصيدة النثر فى بدايتها تُكتب فى صورة سطورة شعرية مكتملة ثم بعد ذلك استخدمت السطر الشعرى الخاص بالشعر الحر الذى كتبه والت وايتمان وهو الشعر القائم على اعتصار موسيقى اللغة والدمج بين التفعيلات بشكل حر تماما بعيدا عن ضرورات وقوانين أوزان العروض, أى قصيدة التفعيلة هى الأخرى استعارت هى الأخرى شكلا غربيا غير موجود فى تراثنا, وليس مهم أصل هذا الشكل أو ذاك ولكن المهم تبيئته وصبغه بالروح والثقافة العربية وهضم التراث الشعرى العربى وجَعْله رافد من روافد النص من حيث كونه زاد ثقافى قد يوظفه الشاعر فى قصيدته وبطريقته الخاصة أيّا كان نوع الشكل الذى يكتبه وقصيدة النثر الحقيقية استطاعت أن تحقق ذلك بالفعل .
2 ـ توهم الجديد والتطوّر
وأصحاب هذه المقولة يرون أن قصيدة النثر شكل كتابى جديد وأنه تطوّر لقصيدة التفعيلة التقليدية !!!
ولا أدرى كيف تكون قصيدة النثر شكلا جديدا عن قصيدة التفعيلة وهى موجودة فى شعرنا العربى منذ خمسينات القرن العشرين, أى أنها قريبة النشأة من قصيدة التفعيلة وربما يفصل بينهما من حيث ذلك عشر سنوات أو أقل, ولنراجع شعرنا الحديث ونرى المشاحنات التى تصل لدرجة الملاسنة بين نازك الملائكة شاعرة التفعيلة وجبرا اٍبراهيم جبرا شاعر قصيدة النثر على صفحات مجلة شعر اللبنانية ومجلة الآداب البيروتية سنة 1957م, أمّا أن قصيدة النثر تطوير لقصيدة التفعيلة فكيف يكون ذلك وكل قصيدة منهما جاءت من منبع مختلف تماما, فقصيدة التفعيلة خرجت على عمود الشعر وتعاملت مع أوزان العروض بشكل جديد يخصها أى أنها كتابة الشعر بالوزن, وقصيدة النثر لم تضع الوزن فى حسابها بل بحثت عن لغة شعرية فى النثر الخالى من الوزن لتحقيق شعريتها وتجسيد رؤاها للذات والعالم والآخر, اٍذا هذه من منبع وتلك من منبع آخر .
3 ـ تَوَهُّم التفعيلة .
وهذه المقولة تتعلّق بقصيدة العامية الحرة التى يكتب فى صورة سطور شعرية,
وتصنيفها على أنها المعادل العامى لقصيدة التفعيلة, وهناك خلط بين الشكل التفعيلى الذى يستخدم أوزان العروض وفقا لقوانين وضرورات محدّدة, وبين الشعر الحر القائم على حرية الشاعر فى اٍيجاد موسيقى حرة غير خاضعة لأوزان العروض, موسيقى قائمة بالأساس على التنغيم والدمج بين التفعيلات دمجا حرا واعتصار الشحنات الموسيقية لمفردات وكلمات اللغة, فليس كل ما يكتب فى صورة سطور شعرية وبه موسيقى صوتية قصيدة تفعيلة, وللتأكد من ذلك قبل اٍصدار حكم مطلق يمكن اٍجراء عملية تحليل عَروضى للقصيدة لمعرفة ما اٍذا كانت تخضع لأسس قصيدة التفعيلة من ناحية البناء العروضى أم لا .

*شاعر وناقد مصرى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق