الموقع

الإخوان المسلمون.. والصراع الأيديولوجي

بقلم: أبو محمد عبد الرحمن*

من كان يعتقد أن جماعة الإخوان المسلمون سيصلون إلى سدة السلطة، بل إلى أعلى هرم الحكم، قبل الانقلاب عليهم وحظرهم، ومن كان يتصور أن هذه الجمعية الصغيرة التي بدأت بزمرة من الغلابة، كوّنها: حسن البنا، وهو مجرد معلم في اللغة العربية. حيث عرفت هذه الجمعية القهر والحظر منذ عقود من الزمن، مروراً بحكم الملك فاروق، إلى جمال عبد الناصر، ثم أنوار السادات، إلى غاية حسني مبارك، ولولا قوة هذه الحركة الإخوانية في ثورة الـ 25 يناير الشعبية لما سقط هذا نظام الأخير.

وهذا دليل واضح على تقدم هذه الحركة الإسلامية، ليس في مصر فحسب، بل في كل دول العربية وخاصة تونس والأردن والمغرب، وباقي الدول التي تشهد حراك التيارات الإسلامية.

فلماذا هذا الضجيج من هنا وهناك حول سيطرة الإخوان على الحكم في مصر؟ ولماذا هذا التمرد على التيارات الإسلامية الحاكمة؟ وإلى أي مدى سيؤثر الانقلاب العسكري على الإخوان المسلمين ونزع السلطة منهم بالقوة، على الرغم من أنهم وصلوا إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع بانتخابات ديمقراطية نزيهة؟ وهل هذا الصراع الشعبي الحاد بين التيارات الإسلامية والتيارات العلمانية مقصودة، أم هو تأكيد لنظرية أدلجة المنطلقات العربية على حسب المنهاج الغربية؟ ألا يعتبر هذا كله فوبيا مبالغ فيها نحو الإخوان؟ أو هو خوف في محله؟

من المعلوم أن الأيديولوجيات السياسية المتطرفة في العالم والتي تقودها إسرائيل تخشى من الفكر الإسلامي، وما يحمله من رسالة عالمية ينفي فيها كل معايير التطرف من جهة، ويروج لصالح خير الإنسانية والتعايش السلمي الوسطي من جهة أخرى.

وقد تطرق الغرب في حد ذاتهم إلى هذا المفهوم، وفسروا بعض مظاهر التطرف الفكري السياسي العربي والإسلامي من زاويتهم الخاصة، حيث يرى المفكر الغربي، صمويل هنتنجتون، أن السياسة المعاصرة تتمثل اليوم في عصر حروب المسلمين، وأن هذا العصر بدأ في اللحظة التي كانت مرحلة الحرب الباردة في العالم تنزوي عن الأنظار في الثمانينيات فاندلعت الحروب طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات بين المسلمين بعضهم بعض، وبينهم وبين غير المسلمين. فالحرب الجديدة كما سماها المسؤولون الأمريكيون ليست بجديدة، إنما هي استمرار وتصعيد لأنماط سابقة من العنف الذي يتورط فيه المسلمون. وتتلخص أسباب، حروب المسلمين، المباشرة هذه حسب هنتنجتون في أربعة أسباب، أولها: ما يسميه انبعاث الوعي الإسلامي في العقود الأخيرة كرد فعل تجاه الحداثة والعولمة. أما السبب الثاني: يتم عبر العالم الإسلامي وخاصة العرب الذي يوجد لديهم إحساس قوي من الحزن، والاستياء، والعدوانية تجاه الغرب وقوته وثقافته. والسبب الثالث: يعود إلى الانقسامات القبلية والدينية والعرقية والسياسية والثقافية داخل العالم الإسلامي التي تثير العنف بين المسلمين، كما تعزز هذه الانقسامات العنف بين المسلمين وغير المسلمين، ويتلخص السبب الرابع: في تصادف الانبعاث الإسلامي مع معدلات ولادة مرتفعة في معظم الدول الإسلامية، وهو ما أدى إلى زيادة حجم وعدد شريحة الشباب وهؤلاء معظمهم عاطلون عن العمل يهاجرون للغرب وينضمون إلى منظمات وشبكات إرهابية.

وهناك طرح آخر، حلله عالم السياسة المعروف، فوكوياما، صاحب نظرية نهاية التاريخ، حيث يرى أن أزمة التطرف ليست سوى صدام يقتصر على سلسلة من المعارك الوقائية، أو الجهود الدفاعية الصادرة عن مجتمعات أصبح وجودها التقليدي مهدداً بسبب الحداثة، وقوة ذلك الرد تعكس صرامة وقسوة هذا التهديد. ويستكمل فوكوياما رؤيته مؤكداً أن عدوانية التعصب الديني تمثل حركة ارتجاعية عنيفة يائسة ضد العالم الحديث، ومن ثم فهي في رأيه ليست مجرد حرب ضد الإرهاب كما تظهرها الحكومة الأمريكية أو خلاف حول السياسة الخارجية الغربية في فلسطين أو تجاه العراق كما يطرحها الكثير من المسلمين، فالصراع الأيديولوجي الرئيسي الذي يواجهه الغرب أوسع من ذلك بكثير، فهو ليس مع مجموعة صغيرة من الإرهابيين بل مع مجموعات أكبر من الراديكاليين الإسلاميين ومن المسلمين الذين يتجاوز انتماؤهم الديني جميع القيم السياسية الأخرى، إنها الأصولية الإسلامية التي تشكل الخلفية لأوسع المظالم، وهي أعمق بكثير، وأكثر انفصالاً عن الحقيقة.

يتضح مما سبق، أن الرؤية الغربية تضع في اعتبارها أدوار نسبية، وبعض معايير الإنصاف الذاتية في تفجر خلافات المسلمين مع الأنظمة من جهة، والتيارات العلمانية الليبرالية من جهة أخرى، وهو ما أدى إلى نتائج الصراع الأيديولوجي من خلال وصول حركة الإخوان المسلمون إلى السلطة، عندما اعتقد قادة العسكر، وزعماء الغرب على حد سواء أن ما تقوم به هذه الحركة هو نفس التوجه الذي أسس عليه هذا المفهوم.

*كاتب ومؤلف جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق