ثقافة السرد

الجزء 19 من رواية المأساة الفلسطينية(حرمتان ومحرم)

للروائي صبحي فحماوي

الغول.
منذ استشهاد الطفلين؛ جعفر الأسمر ونضال شلهوب، أخذت أفكار الحداد جهاد الأسمر تتغير، فصار يشعر بالخطر المحدق يقترب منه، وكأن صدمة عقلية قد أصابته. صار يفكر بأخيه جعفر ليل نهار، ويراه يلعب أمامه، ويقفز من بين السيارات المسرعة، ويقعد على الأرض المزروعة بالنفايات، ويقترب منه وهو يضحك، ويمد يده طالباً مصروفه، فيمد جهاد يده بالنقود، فيستغرب الحضور تصرفاته، ويسأله زبون يقف لاستلام بابه الحديدي:”لمن تمد يدك بالنقود؟” فيخجل جهاد من تصرفه هذا ويعود إلى عمله.
تظل صور أخيه جعفر تلازمه في الليل والنهار، وتلحُّ عليه ليأخذ بثأره. يراه وهو يمد يده إلى جهاد مناجياً مستعطفاً: “خذ بيدي! أنقذني! احضنّي. خذني معك. أعدني إلى بيتنا!” لدرجة أنه صار يشعر بعدم توازن وهلوسة، فيقرر تخفيف أعماله المهنية، ويروح يبحث عن شباب المقاومة، فيتعرّف إلى أحدهم، ويطلب منه أن يقعد معهم.. يعرفون صدق توجهه، فينسِّبونه إلى خلية مقاومة إسلامية..وفي جلستهم الأولى يتناقشون في تطوير أساليب المقاومة، فها هم وأطفالهم يُقتَلون (عينك عينك!)، وبدم بارد، تأتيهم رصاصات مثل المزاح السمج، فيموتون مثل نكتة أو كذبة أو دعابة، الجنود الصغار المنتشرون في كل مكان يداعبونهم، يزغزغونهم، يلعبون معهم الاستغمّاية، يعصبون عيونهم، ويقولون لهم “ابحثوا عنا” ولكنهم وبعد تسويد الدنيا في عيونهم، يطلقون عليهم الرصاص الحي! لا ليست مزحة! إنها حقيقة. القتل حقيقة، بعض المعتقلين يُحشَرون في سراديب مظلمة، ثم يُصَفّون جسدياً، نعم يُقَتلون بدم بارد. والمقتولون لا يعودون إلى بيوتهم، بل يُحملون إلى المقابر! الشهداء يمرون بطريقهم إلى الجنة! الموت حقيقة، وليس حكاية للتسلية! الغول يا شاطرين يقف على باب المعسكر، ويهاجم كل يوم طفلاً صغيراً، يلتقطه، ويأخذه إلى مغارته، وهناك ينهش لحمه بنهم، ويقرمش عظامه الطرية بطريقة حضارية ديمقراطية متعددة الجنسيات. يسمع أطفال الحارة حكاية جهاد، فيخافون، ويتحسسون أجسادهم، فيتأكدون أنهم ما يزالون أحياء، فيحمدون الله على تلك النهاية الخرافية، ولكن جهاد بأم عينيه يشاهد الغول يأكل أخاه جعفراً، ونضالاً أخا خطيبته تغريد، وهو الآن تائه لا يدري كيف ينتقم لهما ولغيرهما من أطفال المعسكر. لا يمكن أن يمر هذا القتل دون انتقام! (وبشِّر القاتل بالقتل، ولو بعد حين)!
وفي اجتماعهم السري الذي يعقدونه في مكان ما، يتفقون على أن يقوموا بتدريب الحداد جهاد على صناعة متفجرات معدنية، توضع تحت المركافا، فتنفجر تحتها، فارطة عقدها، فيقع سروالها بلا مؤاخذة، وتنكشف سوأتها، فيضحك الأطفال المتجمهرون على عورتها، وتنفكّ عقد ألسنتهم، خاصة بعد استشهاد الطفلين جعفر ونضال.
يأخذ الحداد آلة لحامه وأجهزته المعدنية، ومواده الناسفة، بشاحنته الصغيرة إلى غرفة بعيدة، في مزرعة مهجورة، يخصّصونها لنشاطات المقاومة، فيصنع فيها قنابل المتفجرات الثقيلة ليلاً، وبعد أن يجهزها حسب المواصفات التي علموه إياها، ينقلها في صندوق كرتوني، أو كيس يحمله على ظهره، ويوصله إلى مغارة متفق عليها، أو يضعها تحت شجرة معينة، أو إلى جوار شيء معروف. ودون اتصال بين الرفاق – وعلى مبدأ الدومينو – يأتي أحدهم فيأخذ (البطيخة) وأحياناً يسمّونها (قلم الرصاص) أو (ضمة الخبيزة)، وينقلها إلى المكان المطلوب، فلا يعرف الواحد منهم ماذا ينقل، وممن، وإلى من، وكيف؟ ولماذا؟ وأين؟ يتم كل ذلك دون سؤال، أو انتظار جواب، فإذا ما اعتقل مقاوم، وعُذِّب ونُتِف ريشُه، فإنه حقيقة لا يعرف! وهكذا (تضيع الطاسة)! لا بد من المقاومة يا إخوان، لأننا لو لم نقاوم في صبرا وشاتيلا، لكانوا قد أجهزوا على المخيمين؛ بأطفالهما وشيوخهما ونسائهما، ولكن أهالي المخيمين المحاصرين، الذين شاهدوا القتل على كل باب، وتأكدوا أن لن يسلم منهم أحد، وأن اللعبة مستمرة، قرروا المقاومة، وهاجموا القتلة، فتوقف القتل، ونجا من أشعل روح المقاومة! المقاومة يا جماعة هي الحل الوحيد للبقاء، مجرد البقاء، نحن لا نريد ان نرميهم في البحر كما يدّعون، ولكننا لن نتركهم يستمرون في دفننا في الصحراء كما يفعلون! يخطب فيهم رجل ملتح، اسمه عبد الغفور، ثم تغلق الجلسة أمام الفضوليين أمثالى أنا العبد لله، سارد هذه الرواية، والذي لا تخفى علي خافية، (أستغفر الله لي ولكم) أغلَقوا الجلسة، فإذا بي خارج الحلبة، لا أعرف بماذا يفكرون، وماذا سيفعلون.. ولو حضرت اجتماعهم لرويت لكم بالتفصيل ما اتفقوا عليه، ولكنت فضحتهم، فأنا راوية، لا أؤتمن على سر، ولهذا يخرجونني من بينهم بلباقة، وبلا مطرود!
عند عودتها من ولايه الرمال، لا تشعر تغريد بأن جهاداً – الذي أصبح ملتحياً – متلهف لرؤيتها، كما كان سابقاً. صحيح أنه جاء وزار أهلها بمناسبة عودتها بالسلامة، وقعد معهم على مقاعد القش الخشبية القصيرة، وذكر الله كثيراً، ولكنه كان طوال الجلسة يطأطىء رأسه في الأرض، ويعدُّ بإبهامه على الخنصر والبنصر والسبابة والشاهد، ويذكر كلمات دينية، ويستغفر الله العلي العظيم، ويتوب إليه، ويندم على ما فات، ويسعى للشهادة، ويطلب الجنة.
لم يعد الرجل أمام تغريد كما عرفته ملهوفاً عليها ومتيماً بحبها، ويتمنى رؤيتها، بل يبدو مشتاقاً لله، ومتوجهاً للقاء وجه ربه، ومستبشراً بعبق ريحان الجنة، وهادئاً رزيناً وقوراً. وعندما سألته تغريد عن حاله، قال لها: “بخير من الله، ونطلب عفوه ورضاه، وننتظر بالدور لدخول الجنة.. كلنا على الطريق (يا أختي)، وما الدنيا إلا دار الممر، والآخرة دار المقر، ونحن نتأهب من ممرنا إلى مقرنا.” تدهش تغريد من قوله لها “يا أُختي!” كيف تكون أُخته، وهي مخطوبة لـه؟ صحيح أنه لم يكتب كتابه عليها، ولكن المتعارف عليه..! ويتابع جهاد قوله لها: “ما داموا يتقدمون ولا يرهبون الموت، فالأولى أن نواجههم، ولا نرهب الموت؟ الموت قادم قادم، فلماذا لا نستقبله بدل أن نستدبره ؟” وأمام صمت أفراد العائلة كلهم، وحزنهم، وتفهمهم لموقف جهاد وتغير نفسيته وسلوكه تدريجياً، ونفخ إخوته في التنظيم روح الجهاد فيه، ليكون حبيب الله، وقريب الرسول في الجنة، يتابع جهاد قوله لتغريد:” بالأمس دخلت المحددة، فصادفت فأراً في منطقة محصورة، فهاجمته بعصا المكنسة، فما كان من الفأر المُحاصَر، إلا أن اندفع باتجاهي، ودخل في رجل بنطالي، فانفعلت ونفضت رجلي، فخرج الفأر من المعركة سالماً. أقول إذا كان الفأر المحاصَر لم يستسلم، بل قرر المواجهة، فكيف لنا نحن المحاصرون أن نهرب من المواجهة!
وفي زاوية المطبخ القريب من الجلوس وهما تعدان الشاي، توشوش تغريد أمها في أذنها اليسرى بصوت خفيض جانبي: “ما الذي جرى يا أمي؟ ما هذا الشاب الملتحي المُتلَف؟ إنه ليس جهاد الذي أعرفه!؟”. فتوشوشها أمها الواقفة إلى يمينها في أذنها اليمنى قائلة بحزن: “بعد استشهاد جعفر ونضال بفترة، لم يعد جهاد هو جهاد الذي نعرفه. لقد تغير خطيبك يا تغريد، وصار رجلاً آخر، وكما تلاحظين، كان يحلق وجهه، فأطلق لحيته، وقَلّ حديثه، وصار يقضي وقته في المسجد، ولم يعد يسألنا عن كتب كتاب، ولا عن زواج، ولا عن شيء من هذا القبيل !” تطفىء تغريد شعلة الغاز لدى غليان ماء الإبريق، وتلقمه بالشاي، ثم تغطيه وتعود توشوش أمها بهمس: ” ألا يكون كَتبُ كتابنا على أبو مهيوب قد أفسد خطوبتنا، فارتفعت نفس جهاد عن الرغبة بي؟” فتضع الأم الكؤوس في صينية الشاي، وتهمس في أذن ابنتها:” ليس هذا هو الموضوع يا ابنتي، فهو يعرف أن الرجل بمثابة والد لكما، وأن الكتاب صوري، وأن الظروف تهد الحيطان، وأن “الضرورات تبيح المحظورات”!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق