ثقافة السرد

وليمة للنار

رجاء عبد الحكيم الفولى* 

جاءتني فى هذا المساء . الذي يمطِر صقيعاً . نقرتْ على الباب نقراتٍ واهنة .. قمتُ نحو الباب متكاسلة , وقد انتابني شكٌ أن هناك أحداً , وجدتها ترتعد تحت معطفِ سنواتها الستين استقبلتها بين ذراعي قالت : الليلةَ سيتزوج زوجي محمد . أنا التي اخترت له العروس .. جميلة على أول عتبات الحياة ” أشفقتُ عليها مِن وحدتها وسنوات عمرها .. جذبتها إلى الداخل كنت أتمنى نشر الدفء فى جسدها الواهن , فهي كانت دائماً جارتي الطيبة .. التفَّ صغاري الثلاثة حولها . كان جسدها يرتعد مع النهنهة الخفيفة التي تصدر منها، قال الصغار ” هندفيكى يا جدة ” جلسنا فى سقيفة البيت .. جاء أولادي بالموقد وقِطَع الخشب المتجمعة من شجرتنا العتيقة التي اجتثها زوجي؛ لأنها لا تثمر قال وهو يمزق أطرافها وينتهك جسدها ” ستنفعنا فى هذا الشتاء البارد ” أشعلَ الصغار النارَ وظلوا ينفخون فيها حتى تأججت , كان أطفالي يدفعون أيديَهم إلى النار فتلسعهم فيستغرقون فى الضحك . بينما جارتي التي تلفح النارُ وجهَها لم تكن تنظر نحوي , ولم تنتظر الرد على كلماتها .. اشتعلت الذكرياتُ فى قلبها فقالت : ” زمان ذهبنا إلى الحكيم، لم يكن مر عام على زواجنا ” . قال الحكيم ” زوجتك سليمة، المشكلة عندك أنت ” خرجنا من عند الحكيم قال ” اتبعيني ” فتبعته إلى بيتنا , ولم نفتح هذا الموضوع أبداً ” حدقتْ فى النار تحاول أن تُحصي الأيامَ والقبض على الذكريات التي تفِر من رأسها .. حلقتْ ابتسامةٌ حلوة فى سماء وجهها، بدت أنها قد انتزعتها من الماضي البعيد قالت ” كان ينام على رِجلي وهو يردد أنا ابنك وزوجك ” رجف وجهها الشاحب، بدت كأنها تحاول سد شرخ حياتها ” تسربت الأيام سريعاً , عز عليه أن يمضي بلا ولد يحمل اسمَه، ذهب إلى الحكيم الذي قال العِلم تقدَّم تستطيع أن تنجب ولكن العِلم لا يفيد مع زوجتك . استحلفني بالله أن أتركه يتزوج وكافأني بأني أنا التي سأختار له العروس .. فى بيت العروس .. جلستُ أنثر كلماتي الطيبةَ عن زوجي فى آذانهم أدغدغ أحلامَهم، أقنعهم بتزويج زوجي وأنا باسمةٌ بينما قلبي يفور من التعاسة ” غاصت عيناها فى النار أمامها .. تأرجحت المشاعر فى قلبها قالت: ” أخشى عليه فالليلة صقيع . كان يتدثر بأربعةِ جلاليبَ وكلسون وشال كشمير، وكنت أضع على صدره قطعة من الصوف ” وكأنما قمعتْ ألما عربَد فى روحها أكملتْ ” لكنه بالأمس تخفف من أثوابه .. صبغ شَعرَه وشاربَه وألقي بقطعة الصوف بعيدا ” نبتْ على شفتيها الداكنتين شبحُ ابتسامةٍ ” حقاً هل يستطيع أن يصبغ عظامه الواهنة ” كانت النار قد فرغتْ من الوليمة التي أطعمها الأولاد , تحور وجهها إلى اللون الرمادي بينما قلبها ما زال جمراً، الدفء الذي حلق فى المكان أغرى صغاري بالنوم فتساقطوا بجوار الموقد واحدا تلوَ الأخر . صَدَرت عنها تنهيدة مثقلة بالمرارة :” أول مرة أبات بعيداً عن بيتي وسريري وحضن زوجي ” كفَّتْ عن الكلمات فجأة فبدت كأنها ألقت بكل ذكرياتها فى تلك النار وتدفأت بها .. رقدتْ بجوار الموقد , وضعت يدَها تحت رأسها وكوَّرت رِجليها وزجَّتهما فى بطنها، ثم خمدت أنفاسها تماماً.

*مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق