حوارات هامة

حوار مع الباحث والروئي التونسي فتحي بن معمر

– فتحي بن معمر، كائن متعدد ويقذف حممه في كل الجهات ، سارد بارع وكتب روائيا وسمه ب ” أززلف”” نص صنعه من عجينة مرارته وشكواه وأحلامه ، وباحث في اللغة مثل منجمي استرالي واصدر على سبيل المثال ” اللغة العربية الدلالات والصيغ ” ، وحول فكرة الشر وتجلياتها بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، هو عنوان أطروحة الدكتوراه التي سيتقدم بها قريبا للمناقشة ، والأكثر منه أنه أنه عضو فعال بجمعية الألق للثقافة ، حول عوالمه السردية وأبحاثه وحراكه الجمعوي كان لنا معه هذا اللقاء لرأي اليوم :
حاوره : عبدالله المتقي

——–

– أوّلا : أنت مواليد جربة، ماهي الملامح الأولى في ذاكرتك عن هذه الجزيرة؟
– بل هل هناك ما يمكن أن يُمحى من الذّاكرة من ملامح تلك الجزيرة؟ لا شيء يُمحى طبعا. وأخفيك سرّا أنّ تلك الملامح بدقائقها تتضخّم من حين إلى آخر في الذّاكرة لتغدو حنينا يكاد ينفطر لها القلب. لذلك ستجد فيما أكتب إشارات “القمر الفهميني” في إشارة قريتي “الفاهمين” الساكنة على شاطئ بحر هادئ. قمر في صفاء الحليب يحيل ليلا الشاطئ نهارا مبهجا مصحوبا بسكون موشوش ساحر لا يكون إلاّ بين حبيبين. كنّا نقطع سكونه أحيانا بصخب نزق ونحن نتمدّد في قارب وسيقاننا تتدلّى في الماء. لم يكن إعلان العشق متاحا في قرية محافظة كتلك في ذاك الزّمان. ولكنّ حكايات القارب كانت حول “العشق الممنوع” وحول المغامرات التي يدعيها الأقران.

– ثانيا : من أين أتيت حديقة الكتابة، ومن أي باب دخلتها؟
– من ثقب باب تلك الحكايات، ومن الخيال المجنّح الذي يبرّر به الرّفاق الكذب فيما يروونه من مغامرات، ومن جلسات استمرّت لسنوات مع بعض الشّيوخ الذين أدين لهم اليوم بمعارف جمّة وبقاموس لا يتوفّر عند غيري من نادر العبارات في لغتي الأمازيغية المتراجعة في ذلك الزمن، ومن حكايات العجائز في اللّيالي المقمرة صيفا في ساحة القرية ونحن ننبطح على تراب بدّدت حرارته نعومة اللّيل، ومن تلك المطالعات التي كنت أغتنمها لمّا مللت لعب الكرة مع الرّفاق واكتشفت سحر القراءة، ومن غير كلّ هذا من الأشجان ولحظات الفرح انسسلت إلى عالم الكتابة. فكتبت، وكتبت، كتبت ما أعيه وما لا أعيه. ولا أدّعي في ذلك قصدا أو عبقريّة أو طموحا لمجد إنّما عفو الخاطر وسطوّة اللّحظة التي قد ترغمك على الإمساك بقلمك والكتابة.

– ثالثا : محمد الماغوط يكتب صباحا وظهرا وهو جائع وحتّى في الشارع، ماذا عن طقوس فتحي وهو في محراب الكتابة؟
– عفو الخاطر وسطوة اللّحظة هما الحافزان غالبا حتّى وإن لم تكن الاستجابة للكتابة فورية. تنقدح الفكرة في لحظة ما، أكاد أشبّهها بلحظة تجلٍّ صوفيّ ثمّ تظلّ تدور كفلك تائه حتى تجد مدارها أو ريقها للسّيلان حبرا على الورقة أو نقرا على الأزرار. وفي الغالب تكتمل أجنّة النّصوص خلال فترات شرود يلاحظها بعض المقربين، قد تكون في الحافلة أو الميترو أو السيّارة خاصة حتّى أني أحيانا اضطرّ إلى تسجيل بعض الفقرات بصوتي على هاتفي حتى لا أنساها. وقد كانت في سنّ الشباب المبكّر، تولد وتترعرع وأنا أجلس على الشاطئ أو في حديقة المنزل في طقس يومي مقدّس أثناء عطل الصيف لأكثر من 10 سنوات أو وأنا أسوق دابتي حين أساعد في بعض الأنشطة الفلاحية للعائلة أو أقود درّاجتي النارية متعمّدا البطء والتمهّل.،لكنّني الحقيقة لا أكتب جائعا، ولا أتذكّر أني كتبت في الشّارع أو في مكان فيه ضجيج. بل بالعكس أكتب في الهدوء التّام. وقد أقوم من النوم لأدون أو لأكتب أحيانا.

– – رابعا: هتف يسوع مرّة ( إلهي لماذا تركتني؟ )، وأنت ما الذي ستهتف به لو طلب منك الصراخ؟
– الحقيقة أنّ المسيح عليه السّلام أطلق صرخته “إيلي، إيلي لماذا شبقتني” كما ورد في إنجيل متّى 27: 46. ومعناها كما ذكرتم في سؤالكم “إلهي، إلهي لماذا تركتني” في أقصى لحظات العذاب التي افتدى بها خطايا العالمِينَ كما يعتقد المسيحيون. غير أنّ الكاتب أيّ كاتب في تقدير وإن كان يكابد عذاب الكتابة، فهو لا يفتدي العالمين بجسده وعذابه وإن دفع بعض الكتاب ثمنا غاليا لكتاباتهم. ولذلك قال الكندي عن أبي تمّام “أرى أنّه لن يعمّر كثيرا، لأنّه ينحت من كبده”. والحقيقة أنا سعيد بمعاناة الكتابة كسعادة المسيح نسفه بعذابه وهو يفتدي خطايا النّاس. لكن لو أتيحت لي فرصة الصرّاخ لقلت: “إلهي، إلهي أتني الحكمةَ وفصلَ الخطاب … ومن جنان الإبدع في الملكوت الأعلى ما يُستلذُّ ويُستطاب”

– خامسا: ما الذي بفتح شهيتك ويعيدك إلى الكتابة بعد انقطاع؟
– إذا حصل وانقطع الحبل السرّي الموصول. لا شيء يعيدني إلى نفسي إلاّ طربا يهزّ الكيان في شدّة انفعال لا أستطيع تقدير نتائجه وعظمة عصفه إلاّ إذا رأيته مرسوما على الورق نصّا أو شذرات قد يجمع شتاتها نصٌّ في يوم ما.

– ​سادسا: “أزَزْلَفْ” هو عنوان نصّك الرّوائي، بالمناسبة، من أين أتيت بهذا العنوان لتعلقه في سقف روايتك؟
– -​الحقيقة أنّ هذا العنوان هو الذي علّقني في سقف روايتي، وجعلني أعاشرها من عَلٍ وأباشرها بمباضعي كجرّاح حَذِر. غير أنّ مباضعه من جنس الأقلام والأزرار التي تُنقر فتكتب. العنوان “أَزَزْلَفْ” عبارة أمازيغيّة يستعملها أهل قرية قلالة الأمازيغية بجزيرة جربة الواقعة في الجنوب الشّرقي للجمهوريّة التونسية. والعبارة تعني ذلك الحُراقُ أو الحَرقان أو الالتهاب الذي يتمكّن من المريء فيسبّب قلقا لصاحبه. وهو ما يُعرفُ طبيّا بـ “الارتداد المريئي” وهو عنوان فرض نفسه لأني لم أجد أصدق منه تعبيرا عمّا أصاب البطل في رواية الحال. ذلك البطل الذي يندحر من ذات القرية الأمازيغية ويعيش مهمّشا قبل الثّورة فينخرط فيها ويكون فاعلا ظانّا أن مشاكله ومشاكل شعبه ستحلّ، ولكن وللأسف لا ينال منها إلاّ كما ينال الإنسان من طعام شديد الحموضة أحيانا من التهابات. وقد توقّفت أحداث الرواية في جانفي 2015 حيث تأكّد رفض حكومة الحبيب الصيد لتبدأ جولة مشاورات جديدة بينما ظلّ الشّعب يتجرّع مرارة الخيبات. ولقد وجدت ألفاظ لغتي الأم “الأمازيغية” أصدق تعبيرا في عنوان الرّواية وعناوين فصولها”

– -​سابعا: وما الهواجس الاولى لهذه الرواية، وكيف قبضت على جملتها الأولى؟
– -​الرّواية في الظاهر تتبّع سيرة فرد أو أفراد، لكنّها في حقيقة الأمر تَنشُد خلاص شعب من براثن الاستبداد والظلم والتخلّف. ولذلك كان ضمن قائمة الاختيارات في درج العناوين عندي جنبا إلى جنب مع “أزَزلف” قبل اتّخاذ القرار النّهائي صرخة الشّهيد فرحات حشّاد “أحبّك يا شعب”. فالرّواية ملاحم فردية متداخلة تحاول أن تشكّل أسطورة بداية جديدة لشعب حالم بالكرامة والحريّة والديمقراطيّة. أمّا جملتها الأولى، أعني التي قذفتها نطفة في ذهني فليست جملتها الأولى في الرّواية منشورة بل هي هذه العبارة الواردة في ثنايا الرّواية، ولا أذكر في أي صفحة الآن وهي عبارة “ابتسام” زوجة البطل “البشير” وهي تخاطبه “قتلتك محن هذا الوطن”. وقد انقذفت إلى ذهني هذه العبارة وأنا أسير متفكّرا ذات مساء قبل الثّورة في حجم المآسي التي عاشها عدد غير يسير من أبناء شعبنا من كلّ الأطياف ولذلك ففي الرّواية حضور لليساري واليميني والقومي ودعوة ضمنية لبناء تونس الجديدة.

– -​ثامنا: تكتب د أنديرا راضي ( إن وجود المرأة في أززلف قاهر وينمّ عن سطوة أسطورية، تشي بمكانتها الشامخة ) ما تعليقك ؟
– -​الدّكتورة أنديرا راضي لا تجانب الصواب. لقد كان حضور المرأة في الرّواية حضورا فاعلا وإن بدا للبعض ثانويّا. فهي التي كانت ممثلة في “سلمونة” زوجة “الهادي” أو “ابتسام” أو والدتها وراء نجاح الرّجال. فهي التي صنعت ملاحم بصبرها. فكانت في الرّواية كما في الواقع موجّهة للأحداث بالحبّ والرّفق والمرافقة حينا وبالحزم والعزم في آحايين كثيرة وإن تزيّى بلبوس الودّ والإثارة.

– -​تاسعا : أنت باحث في اللّغة العربية وفي اللّغة الأمازيغية، فأين تبني خيمتك اللّغوية وتستريح؟
– -​وهل يستريح من يعاشر اللّغة ويعرف أنّها لاعوب دعوب مثيرة! إذا جاز لي أن أقول أنّي أستريح حين أؤوب إلى خيمة اللّغة مغازلا أو مثيرا، فإنّي أستريح في خيمة اللّغة التي تعطيني القدر الأكبر للتّعبير عن حبّى للحياة، وعن حبّي للإنسان، وعن حبّي للفعل والعمل لأنّ في ذلك كلّه إغناء للنّفس وحب للّه. ولذلك فراحتي ليست مطلقة في خيمة هذه أو تلك وأنا رجل قد تجاوز النّصاب الشّرعي في التعدّد اللّغوي (أتكلم وأكتب خمس لغات). فالراحة إذن في الخيمة اللغوية يتغيّر من مقام إلى مقام ومن سياق إلى سياق. وقديما قالت العرب “لكلّ مقام مقال” وأعتقد أن ذلك ينسحب على اللّغة وعلى الشّكل والأسلوب كما ينطبق على المعنى تماما.

– -​عاشرا: وماذا عن القصيدة والكتابات السرديّة الأمازيغية في تونس؟ ومتى نقرأ لك رواية أو ديوانا أمازيغيا؟
– -​لا أعتبر نفسي شاعرا، ولكن كأغلب الناس لديّ بعض الخربشات سميّتها برقيات شعرية قد كُتبت في أزمنة مختلفة منها ما يعود إلى أكثر من عشرين سنة. والطّريف أنّ بعضها بالأمازيغة. وقد تصدر قريبا في ديوان مزدوج أو في ديوانين مختلفين. بالأمازيغة نشرت إلى حدّ الآن بعض النصوص الشعرية على النتّ ونُشِرَ لي نصّ قصصي ضمن مجموعة قصصية مشتركة لكتاب أمازيغ من المغرب والجزائر وتونس وليبيا، نصّ كان بعنوان “تِفيدَلاَّسْ” أي “الخطاف” قصّة لشاب يُجبر على السّفر إلى فرنسا للعمل ليعود بعد عشرات السّنين في جثّة في صندوق. وقريبا تقرأون الجزء الأوّل لحكايات أمازيغية من جزيرة جربة في كتاب مزوج اللغة “أمازيغي – عربي” وهناك مشروع مجموعة قصصية ورواية تقريبا جاهزان. أمّا فيما يخصّ الأدب الأمازيغي في تونس عموما أعيد ما صرّحت به سابقا “من السابق لأوانه الحديث الآن عن أدب أمازيغي في تونس” وما نراه اليوم هي إرهاصات واعدة لأدب ينضج على مهل.

– -​احدى عشر: ما مصير النّسخة الثانية من مسابقة توفيق بكّار للرّواية؟ ولم اختيار الراحل توفيق اسما للمسابقة؟
– -​أبدأ بالنّصف الثّاني من السؤال: توفيق بكّار علم من أعلام السّرديات في تونس على يديه تتلمذ التونسيون وكثير من العرب. رجل يشكّل مدرسة في النّقد. رأينا أنّ أفضل طريقة لتكريمه هو بعث جائزة سنوية في الّرواية تحمل اسمه. وقد بعثت “جمعية ألق الثقافية” التي أرأسها جائزة توفيق بكّار للرّوية سنة 2018. وقد أعلنت نتائج دورتها الأولى في 13 جانفي (يناير) 2019 فيما كان من المفترض أن يقع الإعلان عن نتائج الدورة الثّانية وفتح باب الترّشح للدّورة الثالثة يوم 28 ماررس 2020 لكنّ هجوم الكرونا جعلنا نؤجّل إلى أجل آخر سيعلن عنه لاحقا. مع العلم أنّ الرّوايات الخمسة الفائزة هي قيد الطّبع.

– -​ثاني عشر: ما حكاية هذا الاختيار لمالك بن نبي بين الوهن والعفن والانبعاث؟
– -​مالك بن نبي يتحدّث عن الضّعف الحضاري وينظّر لهبّة حضاريّة للعالم الإسلامي. وفي نفس الوقت مذكّراته كانت بعنوان “العفن”. ثمّ يتحدّث عن الوهن الحضاري ويؤمن بالانبعاث الحضاري للأمّة. وهو كتاب أقدّم فيه قراءة لبعض مؤلّفاته.

– -​ثالث عشر: هل من نميمة بيضاء حول أصل فكرة الشّر وتجلّياتها في اليهودية والمسيحية والإسلام التي تناولتها بالدّراسة اطروحتك لنيل شهادة الدّكتوراه؟
– -​النّميمة أيضا حتّى وإن كانت بيضاء مصنّفة في الدّيانات الثلاثة في خانة الشّر. والبحث في أصل فكرة الشّر ممتع والأكثر إمتاعا فيه محاولة الكشف عن مدى التّرابط بين تمثّل كلّ ديانة لأصل فكرة الشّر وما تتميّز به منظومتها الأخلاقيّة وترسانتها التّشريعية.

– -​رابع عشر: ما جديد الندوة الوطنية للقصّة القصيرة التي تنظّمها سنويّا جمعية ألق الثقافية؟
– -​تبلغ الندوة هذه السنة دورتها الخامسة وقد اختارت اللجنة أن يكون موضوع الندّوة “من القصّة القصيرة إلى القصّة القصيرة جدّا: مسار التأسيس وتحوّلات التّجريب”. كان من المفترض أن تنعقد النّدوة بين 19 و20 جوان 2020 لكن بحكم الكرونا سوف تتأجل إلى سبتمبر أو أكتوبر 2020. أمّا بخصوص المداخلات التي قُدّمت وتُقدّم في كلّ النّدوات، تزمع الجمعيّة طباعتها ونشرها في أقرب الآجال خاصة وأنّ النّدوة تلقى نجاحا من دورة إلى أخرى وتحوّلت منذ الدّورة الرابعة إلى ندوة دوليّة بمشاركات من بلدان مختلفة. أمّا الدّورة الخامسة فستشهد مشاركات كثيرة من بلدان عربية مختلفة.

– لك الكلمة الأخيرة :
– ليس في مقدورنا أن نكون مثاليين طبعا. ولكن في مقدورنا أن نصل إلى شرف أن نكون “إنسانا” ولن يكون الإنسان إنسانا ما لم يكن قارئا شرسا نهما ومبدعا مثيرا في أيّ مجال حتّى وإن لم ينتبه إليه النّاس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق