ثقافة المقال

رينييه ديكارت أبو الفلسفة الحديثة ومنهج التفكير المنظم

 حاتم السروي.

” إن كلمة فلسفة تعني دراسة الحكمة، ولسنا نقصد بالحكمة مجرد الفطنة في الأعمال، بل معرفة كاملة بكل ما في وسع الإنسان معرفته، بالإضافة إلى تدبير حياته وصيانة صحته واستكشاف الفنون؛ ولكي تكون هذه المعرفة كما وصفنا؛ فمن الضروري أن تكون مستنبطة من العلل الأولى”.

بهذه الكلمات الواضحة المحددة عرَّفَ لنا أبو الفلسفة الحديثة “رينييه ديكارت” الفلسفة، وهي المجال العلمي الذي يحار الكثيرون في وصفه وتعريفه وتحديد ماهيته؛ بل إن البعض لا يدرون ما هي الفلسفة، وقد يتداولونها على سبيل الذم فتكون عندهم بمعنى التكلف والسفسطة والكلام الضائع غير محدد المعنى أو الذي لا ينفع العلم فيه كما لا يضر الجهل به، مع أن الفلسفة تعطينا القدرة على التفكير السليم وتكوين وجهات نظر عميقة، وهي وجهات نظر إن لم تكن صوابًا فهي تقترب من الصواب ونلمح فيها العقل والتماسك والدقة والإحاطة وحسن الترتيب والتسلسل.

إذن يعرف لنا ديكارت الفلسفة بهذه الكلمات الحاسمة؛ فهي معرفة كاملة، وتدبير للحياة، واستكشاف للفنون، ثم يقسمها على هذا النحو: “إن قسمها الأول: الميتافيزيقا، وهي تشتمل على مبادئ المعرفة التي منها تفسير أهم صفات الله، وروحانية نفوسنا، وجميع المعاني الواضحة المتميزة الموجودة فينا.. والقسم الثاني: العلم الطبيعي، وفيه – بعد أن نكون وجدنا المبادئ الحقة للماديات – نفحص عن تركيب العالم على العموم، ثم على الخصوص عن طبيعة هذه الأرض وجميع الأجسام، وبالأخص عن طبيعة الإنسان؛ حتى يتسنى لنا استكشاف سائر العلوم النافعة له”.

وبذلك تكون الفلسفة عند ديكارت بمثابة شجرة، جذورها الميتافيزيقا، وجذعها العلم الطبيعي، وأغصانها باقي العلوم، وهذه العلوم تعود جميعًا في أصلها إلى ثلاثةٍ كبرى، هي: (الطب والميكانيكا والأخلاق) والأخلاق هنا بمعنى أعلى وأكمل الأخلاق التي تفترض معرفةً تامة بالعلوم الأخرى، والتي هي آخر درجات الحكمة، بمعنى أوضح: لابد للوصول إلى أعلى الأخلاق – والتي هي خلاصة الحكمة – من معرفة العلوم الأخرى؛ وبذلك لا يصل الإنسان إلى الحكمة الكاملة إلا بالعلم والثقافة.

وكما أنه لا يكون الثمر من جذر الشجرة ولا حتى من جذعها بل من الأغصان؛ فكذلك لا تكون منفعة الحكمة إلا بدراسة أقسامها، وهي: الميتافيزيقا والعلوم الإلهية، والفيزيقا أي: العلوم الطبيعية، وكذلك معرفة النفس والاجتماع، وبهذا يرتقي الإنسان في مدارج الكمال.

ومن هذا جميعه ندرك أن الفلسفة عند ديكارت هي العلم الكلي، تمامًا كما كانت عند القدماء؛ وذلك أنها علم المبادئ العلمية، بمعنى أعلى ما في العلوم من حقائق، وهي نظرية وعملية في الوقت نفسه، والنظر فيها يوفر للعمل مبادئه؛ غير أن العمل عند فيلسوفنا هو المقصد الأعلى والغاية الأسمى، كما أن العقل هو أهم ما في الإنسان، والحكمة هي خيره الأكبر، والغرض من العلم في النهاية هو ضمان سعادتنا وتحقيق رفاهية الشعوب بالسيطرة على قوى الطبيعة وتطويعها لمنفعتنا.

ثم يوضح لنا ديكارت أن منهج الفلسفة هو ما يسميه: ” حدس المبادئ البسيطة ” بمعنى أوضح نقول: أن ديكارت يعتمد على استنباط قضايا جديدة من المبادئ العامة حتى تصبح الفلسفة جملةً واحدة، أما الاستقراء والمشاهدة والتجريب، كل هذا وإن وصل إلى شيء من المعرفة فهي معرفة غير مكتملة أو هي معارف متفرقة إن جمعناها مع بعضها رأينا علمًا مهلهلاً، لا رابط بين أجزائه ولا يصل بنا إلى يقين من أي نوع.. وما اليقين عند الفيلسوف؟ اليقين يكون بوضح المعاني وتسلسلها على ما نرى في الرياضيات التي تمضي بنا منطلقةً من البسيط الواضح إلى المركب الغامض بنظامٍ في غاية الإحكام.

وهذا المنهج عند “رينييه” هو الوحيد المشروع؛ لأن العقل واحد، ويسير على نحوٍ محدد في كل الموضوعات، ثم يشكل علمًا واحدًا، وهو الذي نتكلم عنه ونسميه العلم الكلي أو “الفلسفة” فمنهج الفيلسوف عند “رينييه” هو الاستنباط العقلي، وتوليد القضايا من الموضوعات والموضوعات من المبادئ، واستعمال الذهن في بناء التصورات من خلال المبادئ الكلية الواضحة، والعلوم لا تتمايز فيما بينها بموضوعاتها ومناهجها بقدر ما هي وجهات مختلفة لعقلٍ واحد يطبق منهجًا محددا.

وهذا المنهج ليس نظرية “القياس” التي أوجدها أرسطو؛ إذ لا خير فيها ولا ترجى منها منفعة، هكذا يعتقد رينييه ديكارت، ولكن المنهج هو سلسلة من الحدسيات ذات الحركة المتصلة من حدٍ إلى آخر؛ وبهذا يربط العقل بين حدود لم تكن في البداية ذات علاقات واضحة مع بعضها، حتى إذا ما أدرك الغاية من الاستنباط استطاع أن يرد المجهول إلى المعلوم، والمركب إلى البسيط، والذي استغلق عليه فهمه إلى ما كان واضحًا بالنسبة له.

ومما سبق يتين أن المنهج في مبدأه ومنتهاه هو الحدس؛ فإن الفيلسوف يبدأ من حدس، وبالعقل وحركته يصل إلى حدسٍ أيضا، وهذا موضع اختلاف الماديين مع ديكارت، غير أن اهتمام ديكارت بالعلم التجريبي أمرٌ لا يصح إنكاره أو تناسيه في المقابل، وهو يلجأ للاستقراء أحيانًا ليؤكد صحة ما وصل إليه بالاستنباط، وحول هذا الموضوع سوف نتكلم في مقالةٍ لاحقة نرجو أن تكون قريبا.

وهذا المنهج الفلسفي لا يسير خبط عشواء؛ بل إن له أربع قواعد عملية؛ فينبغي أولاً: ألا نسلم إلا بما نعلم أنه حق، والحق هنا كما يرى ديكارت هو الإدراك بالحدس مباشرًا كان أم غير مباشر أو بالاستنباط، وبهذا يخرج من دائرة العلم جميع الوقائع التاريخية، وأيضًا كل معنى يستلزمه تفسير الظواهر الطبيعية ولا نستطيع تخيله، ولهذا يستبعد ديكارت معنى ” القوة ” وهو المعنى الذي ندرك أهميته في تفسير التغير والحركة.

وهذه القاعدة ” ألا نسلم إلا بما نعلم أنه حق ” أصبحت فيما بعد وسيلة عند البعض لنبذ الدين؛ وذلك بالنظر إلى تعويله على أحداث تاريخية كما هو في الكتاب المقدس عند اليهود والطوائف المسيحية، وأيضًا بالنظر إلى ما في الدين من عقائد لا يدركها العقل كما يزعمون.

وثانية القواعد: هي أن نقسم كل مشكلة تواجهنا قدر المستطاع حتى يمكن حلها، وذلك أن المشكلة حتى تكون واضحة ومعلومة توجب علينا أن نذهب من المركب إلى البسيط، ومن الكل إلى الأجزاء، ومما هو تابع لغيره إلى ما هو قائم بذاته؛ فتكون القاعدة الثانية هي ” التحليل ” والتحليل يصل بنا إلى الحدس الذي هو المعرفة الحقة.

أما القاعدة الثالثة فهي: النظام في عملية التفكير؛ فنبدأ بالموضوعات السهلة ونتدرج إلى معرفة أكثر الموضوعات تركيبًا، وهذه القاعدة لها اسمٌ آخر غير النظام وهو: ” التركيب ” وتنقسم إلى: التدرج من المبادئ إلى النتائج، أو افتراض النظام حين لا يتبين ثم استخراج النتيجة، والنظام هنا يقصد به ” السببية ” فبموجبها نعرف شيئًا ما من شيءٍ سابقٍ عليه بحيث تكون المعرفة لازمة على وجه الضرورة؛ فلولا السابق ما كان اللاحق، وافتراض النظام حين لا يوجد يعني تدخل العقل؛ إذ لا علم بغير نظام.

والقاعدة الأخيرة هي: الإحصاء الشامل لكل عناصر المشكلة الفكرية التي نبحث فيها ولكل مظاهرها، والتحقق من عدم إغفال شيء من ذلك، وهذه القاعدة ترمي إلى استيعاب كل ما يتصل بالمسألة التي يناقشها الفيلسوف، وهي مفيدة في التحقق من صدق النتائج، وتنبني عليها القاعدة الثالثة وهي ” النظام والتركيب “ونحن إذا رتبنا حدود المسألة وانتقلنا فيما بينها بنظام أمكن الوصول إلى الحق في غير عسرٍ ولا تعقيد.

وهذا الإحصاء ليس هو الاستقراء الذي عهدناه عند أرسطو؛ بل هو عملية يكون الغرض منها الوصول إلى حدود تتصل بذاتها مع بعضها البعض.

ونخلص مما سبق إلى أن المنهج الديكارتي بقواعده الأربع يبين لنا ما يجب اتباعه للوصول إلى العلم الكلي، ولكنه لا يحلل أفعال العقل ولا يقومها؛ فهو لا يذكر مدى صحتها أو موضع الخطأ فيها كما يفعل المنطق؛ فإن هذا لا فائدة منه عند رينييه ديكارت، وهو يعتقد أن المنطق الطبيعي يغني عن المنطق الصوري الذي اصطنعه أرسطو، وبينما نجد المنطق علمًا وفنًا في آنٍ معا؛ نرى المنهج الديكارتي عند صاحبه فنًا فقط، والخلاصة أن العلم عند هذا الفيلسوف يقوم البحث فيه على الاستنباط؛ بحيث نضع أمامنا المبادئ البسيطة الواضحة ونتدرج منها إلى النتائج في حركة عقلية مرنة وانسيابية ومترابطة.

وختامًا أقول أنه لا يمكن قبول ما عليه بعض المتصدرين للكلام والكتابة في ساحتنا الثقافية العربية؛ فهم يكتبون أكثر مما يقرأون، ويعتقدون أن المثقف أو من يقول عن نفسه أنه كذلك يمكنه الاستغناء عن قراءة الفلسفة! ونحن لا ندرس مذاهب الفلاسفة حتى نقلدهم فيما ذهبوا إليه وإنما لأن الفلسفة تعين الراغبين في الثقافة على تكوين وجهات نظر متماسكة وعميقة وتبتعد بنا عن المراهقة الفكرية واضطراب الذهن والمشاعر وتعيننا بلا شك على فهم الحياة، والأديب المتميز هو في الأصل دارس متقن لمذاهب المفكرين والفلاسفة، ويكفي أن نعرف أثر الفلسفة الواضح على تكوين شخصية عظماء الشعر والأدب والفنون، ونحن في حاجة إلى عظماء ولا عظمة بغير العقل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق