قراءات ودراسات

قراءة في رواية جورج أوريل 1984

عفيف قاووق

رواية جورج أوريل 1984 ولا أدري إذا كان يصح ان نسميها رواية بل أني أميل الى تسميتها برؤية جورج أوريل النقدية لما أصطلح عليه بتسمية الحزب الواحد او النظام الشمولي حيث تنبأ من خلالها بمصير العالم الذي ستحكمه وتتقاسمه قوى كبيرة من خلال جمهوريات ونظم سياسية على غرار جمهورية ” الأخ الأكبر” الذي يراقب كل شيء ويعرف كل شيء، إنها سطوة الأحزاب السلطوية والشمولية على الناس والشعوب ليكونوا مجرد أرقام هامشية في الحياة بلا مشاعر ولا عواطف وليس لديهم طموحات أو آمال “.
تشعر وأنت تتصفح هذه الرواية وكأنك أحـد شخوصها وان أحداثها محتملة الحدوث –إن لم تكن مؤكدة – في مجتمعنا بدءا من شاشات الرصد او إختزال التاريخ وربط بداية كتابته مع نشأة ” الحزب ” مروراَ بما يحدث للغة من إختزال وحصرها بمفردات جديدة وصولا الى فرض ممارسة ما يعرف بطقس ” دقيقتي الكراهية ” .
وإذا اردنا إسقاط هذا الطقس ” دقيقتي الكراهية ” على واقعنا نجد اننا غير بعيدين عنه فمع كل مساء نتسمر أمام شاشاتنا لنمارس – أو نشارك بالمشاهدة- بأكثر من دقيقتي كراهية بل ربما ساعات من الكراهية ونحن نشاهد ونتنقل من برنامج حواري الى آخر ومن سماع تصريح لهذا المسوؤل أو ذاك.
وإمعانا في نشر ثقافة الكراهية نجد – وعلى غرار ما تشير إليه الرواية – ان لكل فئة من مجتمعنا سواء تمثلت بحزب او تيار او طائفة او مذهب قد أوجدت لنفسها ما أطلق عليه الكاتب صفة “الأخ الكبير” والذي يتفق جميع أعضاء الحزب ( أي حزب ) بأن ” الأخ الكبير ” قادر على كل شيء، وإن الحزب معصومً عن الخطأ . وإذا أردت ان تقول لهم ان واقع الأمر يشير إلى أن ذلك ليس ممكنا وأن الحزب ليس معصوماَ عن الخطأ، تبرز منهم مراوغة دائمة في مقاربة الحقائق ، أما التوصيف المناسب لهذه المراوغة فهي ما يعرف ب ” بياض السواد “
وفي مقابل حصانة ورصانة وعصمة الأخ الكبير- وعلى طريقة جورج أوريل في روايته- نجحت أيضا كل فئة في إختلاق خصما لها فكان لكل منها ” غولدشتاين ” الخاص بها – وهو الشخص الذي إنقلب على الحزب (الطائفة أو المذهب )- وتعبئة جمهورها على ممارسة الكراهية والحقد تجاهه ونعته بما يقدر لها من اوصاف وتهم من الانهزامية الى الخيانة العظمى وما بينها من نعوت العمالة والخيانة وغيرها.

نقطة أخرى مهمة يسلط الكاتب الضؤ عليها وهي ان الحزب ومهما إدعى انه ينشد المساواة والعدالة ورفع الحرمان إلا ان الحقيقة تبقى غير ذلك حيث انه يرى ان علة بقاء الحزب مهيمنا وممسكا بقاعدته هي في وجود طبقية معينة حتى ضمن أعضاء الحزب ومناصريه وربطهم بمراكز تقديم الخدمات تبعا لدرجة ولاءاتهم. فالكاتب يرى انه “إذا حظي جميع أفراد المجتمع (الحزب ) على السواء بالأمن والرفاه فإن العدد الأكبر من الذين يخدرهم الفقر سيغدون مثقفين وسيتعلمون أن يفكروا لذواتهم ، وعندما يتم لهم ذلك فإنهم إن عاجلا أو آجلاَ سيفطنون إلى أنه لا فائدة ترجى من الأقلية صاحبة الإمتيازات وسيعملون على إزاحتها عن سدة السلطة . وبالتالي فإن المجتمع الطبقي لا يمكن أن يستمر إلا مع الفقر والجهل.”
وعن رأيه بالحروب والنزاعات الداخلية يرى الكاتب ان “الهدف الاساسي من الحروب هو انزال الدمار بنتاج العمل الانساني من اجل تبديد الثروات ، حتى لا تستخدم بما ينفع الجماهير وان لا ترتد عليهم بالخير كي لا يصبحوا على المدى الطويل أكثر وعيا” وادراكا” للأمور من حولهم..
جورج أوريل بروايتك هـذه أصبتَ فينـا مقتلاً.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق