ثقافة السرد

طائر لا يغرد

بسام شمس الدين

يظن معظم كبار السن في قريتنا بأن الفتاة الصغيرة مثل العجينة اللينة، التي يمكن تشكيلها بواسطة قوالب حلوى، أما إذا كبرت وتصلب عودها فليس من اليسير إصلاح اعوجاجه. وما زال الزواج من الصغيرات إحدى العادات الشائعة في بلادنا، لا سيما في الأرياف، حيث طغت عادة انتقاء الفتيات اللواتي لم يبلغن سن الحلم. ومرشد، مثل غيره من المغفلين، انخدع بمثل هذه المقولات. وها هو يكتشف أنه وقع ضحية أقوال هؤلاء الحكماء الفاشلين، وها هو وعلى نحو مفاجئ يحس بفتور علاقته وزوجه منذ أن ارتبطا قبل عشرين عاماً بوثيقة زواج أبدي، وهي مدة ليست قصيرة تندثر معها معظم الأحلام والآمال. آنذاك كانت شفيقة في الثانية عشرة من عمرها، وهو في الثلاثين، وقد دخل عليها مثل ثور هائج، مستعرضاً رجولته وقوته أكثر مما يجب، بحيث بدا طاغياً عليها بجسد ضخم تفوح منه رائحة الشبق والعافية، بينما تبدو هي مندهشة بما يفعل، ولا تستجيب لاندفاعاته العنيفة، ولا تحس بشيء خلا الألم المبرح الذي يحدثه في جسدها الصغير، ويملأ بكاؤها روحه بالبهجة والثقة، فيثار ويحس بالزهو حين تتوسل أن يكف عن حفر أرضها الصلبة بمعوله الحاد، لكنه لا يمنحها أي فرصة للسكينة أو الراحة. وكان يظن أن ألمها وعويلها الحاد يأتي بفعل اللذة التي يمنحها إياها، وطالما يسمع عن نساء يذرفن الدموع أثناء النشوة، ومن سوء الحظ أنها كانت لا تبدي أي تبرم مما يفعل بها، لأنها اعتقدت أن على المرأة الصمت والخجل في هذا الجانب، وربما أوصتها أمها أن تخضع لزوجها ولا ترفض له طلباً، وربما كان رفضها سيجعله يتوقف عن ذلك الفعل العقيم.
أما اليوم، فقد انقلبت الأدوار، وأصبح هو الطريدة، وهي المفترس الخطير، لقد باتت فلاحة قوية الجسد، عظيمة الأوراك والعجز، وتنتظر منه في الليل الشيء الكثير. وفي الوقت الذي يتوقف فيه عن مواصلة الفعل، ترغب هي أن يستمر، وتظل منبطحة مثل جذع عملاق، ولا تكف عن الالتحام بجسده المتعب، وتحاول مراراً أن تخلق من ضعفه قوة، فتثيره بوسائل شتى حتى تظن أن جبلاً سيتحرك لو أثير على ذلك النحو. ولكن تذهب جهودها سدى، وما يرعبه

“كانت شفيقة في الثانية عشرة من عمرها، وهو في الثلاثين، وقد دخل عليها مثل ثور هائج، مستعرضاً رجولته وقوته أكثر مما يجب”

هو أنه لا يستطيع التعايش مع هذا الوضع، فبات يخشى قدوم المساء، ويرتجف قلبه كلما اقتربت الساعة التي ينبغي عليهما أن يأويا فيها إلى الفراش، حتى أصبحت حياته معها جحيماً بفعل الخزي الذي يشعر به، ولم يعد يحتمل صراخها وشجارها على أتفه الأشياء، وكلما انفردا في المساء يظل محاصراً بثورة رغبتها التي لا تنتهي، وحين تمشي تفوح من جسدها رائحة الشبق إلى بعيد، وليس صعباً على الشخص الخبير أن يكتشف بأنها لا تحظى بالإشباع الجسدي، يفضحها شكلها، كلامها، وتلك الهالة التواقة في ملامحها ونظراتها الجائعة. لقد دخلت في السنوات الظامئة التي تبلغ المرأة فيها أوج قوتها ونشاطها، بينما بلغ هو العمر الذي يذبل فيه أي مخلوق، لقد أمسى ممتصاً خاوياً مثل إسفنجة جافة، ومن سوء الحظ أنها لم ترزق بأطفال تنشغل بهم عنه، كما لم تناقش معه بوضوح مثل هذه الأمور، فهي ريفية لا تجرؤ على البوح بما ينتابها.. وقد صار يأسف لحالها، ولكنه لا يجرؤ أن يتحدث أمامها عن ذلك الموضوع الشائك، وماذا يمكن أن يقول وهو المذنب؟ ولكن هل بيده حيلة في هذا؟.. لم يعد هناك سبيل آخر سوى الصمت والصبر.. فأمسى يخفض لها جناح الذل، ويضع لها كل الصلاحيات في المنزل لتتعزى بها على ما فاتها، وكان رجاؤه أن يكمل معها مشوار الحياة دون فضائح، ولكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه.. ففي يوم غالبه السهر، وتأججت حمم جسدها على جسده أكثر، وتحول فراشهما إلى ميدان عراك عنيف، استخدمت فيه الأيدي والدموع والأنين، وخرجا منه خاسرين مقهورين، وخلال هذه الليلة لم يغمض له جفن..
كان منهاراً، ويشعر بألم مبرح في رأسه وروحه، وأراد أن يسمع شيئاً منها، أن تثور وتنفجر فوق رأسه مثل قنبلة، أن تتحدث عن اليوم المشؤوم الذي تزوجها به، وذلك خير من الحروب الباردة المسعورة التي لا طرف لها، وقال بتحفظ متحاشياً النظر في عينيها:
ـ يا لها من ليلة عبوس، لم أذق فيها طعم النوم..
ـ تبدو فرحاناً في نفسك، إنك كالدجاج التي تحب إثارة الرماد على رأسها..
ـ ماذا جرى لك في المساء؟ هل جن جنونك يا امرأة؟ تكلمي…
ـ لا يدخل الملعب إلا لاعب ماهر.. وما يتزوج بنات الناس إلا شخص كفؤ..
ـ ماذا؟ كيف كنت في ما مضى؟ فحل وأي فحل، لقد كنتِ في بكاء دائم بسبب رجولتي..
ـ عندك حق في ذلك.. لم تجعلني في يوم من الأيام أضحك.. خير لك أن ترحل في هذه اللحظة، حتى لا يسمعنا الجيران..
وخرج فرحاً بنجاته، لقد ربح الرهان، لأنه استطاع أن يثيرها، حيث بدت مجنونة حقاً، وكان من المتوقع أن تحذفه بفردة حذاء، أو تضربه بأي شيء قد تطاله يدها، وفي طريقه وجد طفلاً من أبناء الجيران يهم بالذهاب إلى المدرسة، فقال مازحاً:
ـ حاذر بني أن تتزوج بفتاة أصغر منك بيوم واحد..
ولكنه في صميمه لم يكن سعيداً، أو راضياً عن نفسه، أو عن أي شيء حوله، ولكنه ما زال يحاول كبت مشاعره الحقيقية كما يفعل دائماً، وفي المنزل الصغير المجاور لمنزله رأى الجارة الشابة محاسن تنشر مناشف الاستحمام على السطح، وتظهر منتشية بادية الأسارير، إلى جانبها زوجها خالد الذي يبدو في مثل عمرها، تأملهما بشيء من الحسد، كانا يتناجيان ويختلقان شجاراً كاذباً، ثم انطلقا يجريان وراء بعضهما في ضحك عارم، بينما مالت محاسن إلى الأمام بغنج فأمسكها من الخلف، ورفعها للأعلى فغدت تمد ذراعيها في الهواء مثل طائر يرفرف ويغرد في الوقت نفسه، وتصيح بخفر عروس:
ـ ابتعد عني يا مجنون.. ابتعد…
قال لنفسه بغيظ: “كيف لو رأت شفيقة هذا المشهد؟ ستقتلني على السرير..”.
ووجد نفسه يصيح بلا شعور:
ـ هيه.. خالد.. خالد. ماذا تفعل بني؟
وضع الشاب امرأته جانباً، ثم ضربها على ردفها، وصاح ولم تختف أمارات مرحه:
ـ هذه العفريتة تجعلني أجن.. إنها تغويني وتسلبني رشادي..
ـ يمكنك أن تقطعها إرباً في الأسفل بعيداً عن عيون المتطفلين، أنت تعرف أننا لا نفعل ذلك في العلن أو السر.. أنتم جيل مجنون لا تتمسكون بالتقاليد..
ـ إننا نتشاجر إن كان هذا يرضيك..
ـ يا لكما من جارين خبيثين..
ومضى يشتم الحياة المليئة بالفضائح. هل يسمعان كل ما يدو بينهما من شجارات؟ للجدران آذان كما يقال، وليس من العسير سماع صوت شفيقة المدوي. يا ترى ماذا يعرفان عن السر الذي على الأرجح لم يعد سراً؟ إنهما زوجان شابان حديثا الزواج، ويظن أنهما يفعلان ذلك من أجل إغاظته، ومنذ حلا إلى جواره لا يمر يوم دون أن يسمع أو يرى شيئاً ينم عن علاقتهما الوطيدة، وعلى نحو مفاجئ خطر في ذهنه إمام المسجد، وهو رجل يكبره بخمسة أعوام، وعلى الرغم من ذلك يبدو أصغر منه في السن، ما زالت سوالفه سوداء وجسده طري صحيح، في عصمته ثلاث نساء، والأخيرة فتاة صغيرة لم تبلغ الحلم، وقد تكون في عمر شفيقة يوم اقترن بها، ومع هذا لم يسمع ما يشي إلى خلافات في ذلك المنزل المكتظ بالنساء والأطفال، أيكون هو الوحيد الذي يعاني من داء العجز؟ وطالما يسمع الإمام يقول إنه يخلو في كل ليلة بواحدة،

“في طريقه وجد طفلاً من أبناء الجيران يهم بالذهاب إلى المدرسة، فقال مازحاً: ـ حاذر بني أن تتزوج بفتاة أصغر منك بيوم واحد..”

متقيداً بتعليمات الشريعة الإسلامية؟ فيبدو كالديك الذي يقفز من دجاج إلى أخرى دون أن تفتر همته، ولكن هل يعقل أن يفي الإمام بحاجة ثلاث نساء مجتمعات؟.. بينما هو يضيق ذرعاً بواحدة، لا شك إنه يملي فراغهن بالابتهالات التي يحفظها وبالآيات والأذكار، وبمثل هذا يخدعهن، بحيث لا يبغين منه سوى الرضا، وما تيسر من اللذة، ومعظم مواعظه التي يلقيها تدور حول طاعة المرأة لزوجها، وعدم جواز تمردها على قراراته، وعليها الصبر والاحتساب والقبول بقسمتها التي وهبها الله إياها، وبهذا يصرف تفكيرهن إلى ما هو أسمى حسب ظنه، وطالما يُحذِّر من التفكير بنزوات الجسد، ويظل يقدح في المرأة، إنها فتنة، إنها أداة الشيطان التي ينفذ منها إلى الخطيئة، أكثرهن في النار.. ورغم ذلك يستسلمن ويخضعن.. لم تتبرم أي من نسائه.. أو تفصح عن غيرتها من الضرتين اللتين في بيته.. بل يعشن تحت سقف واحد في تعاون وسلام.. يا له من رجل محظوظ.. يتبجح كونه يملك ثلاث نساء في عقر داره، ويحسده الرجال في القرية، وتظن النساء أنه جامح.. أراهن على قطع يدي على أنه لا يفعل شيئاً ذا بال، وسره المكنون هو أنه واعظ ومفوه حباه الله قسطاً من الحيلة، ناهيك عن وجود نساء قرويات يعتبرن الحياة الدنيا مثل جناح بعوضة، ولا يستقبلن الرجل إلا من قبيل الواجب الحتمي، إنهن يؤدين الخدمة الإجبارية في مؤسسة الزواج، وبعد ذلك سينطلقن إلى حياة أجمل وألذ.. يا له من ثعلب مكار، وليت شفيقة تقبل أن تستمع إلى مواعظه، ولكنها لسوء الحظ تحب العزلة والانطواء، بل لا تبدو مؤمنة بما جاء في وعود الله، لا تريد شيئاً سوى إيلاج الميل….
وكان ينبغي أن تأخذ بعض الدروس عن واجبات المرأة المسلمة، وليس هناك من يقدر على ترويضها سوى مولانا الإمام.. وابتهجت ملامح مرشد بنور الحقيقة الوضّاحة، ومال في طريقه باتجاه منزل إمام المسجد، وهو مغتاظ ومضطرب، وليس في ذهنه شيء محدد، وانتظر حتى أذن له ودخل. كانت الأستار السوداء تعتم نوافذ الدار، وكلمة “الله.. الله” تخرج كانفجار من فم رب المنزل لتحذير النساء من وجود زائر، ورأى انفضاض جمع الحريم وفرارهن، وكن يحملن المصاحف وهن مغلفات بالجلابيب السوداء في عز الصيف، واستغرب أن يكون مخيفاً إلى ذلك الحد، وسرَّه أن يبدو رجلاً تفر منه النساء؟ واستقبله الإمام بما يليق بشخص يعرفه، وقال بوقار:
ـ تبدو شاحباً يا مرشد.. عافاك الله..
ـ أعاني مؤخراً من السهر، أرجو أن يكون حديثنا صريحاً لا يسمع به أحد..
وصاح الإمام بصوت واثق لا مجال فيه للتهاون:
ـ لا أحد يقترب من مجلسنا رحمكن الله..
وهمد كل شيء.. وبعد وهلة تردد وصمت..
ـ لا أدري من أين أبدأ.. لديك ثلاث نساء… هل تطمع بالمزيد؟
شهق الإمام بفعل المفاجأة، ثم قال ضاحكاً:
ـ ومن هذا المجنون الذي يشبع من النساء؟..
ثم صمت حينما شعر أنه سيخرج عن وقاره المألوف، وقال مرشد:
ـ صف لي نساء الجنة…
ـ أعفني من ذلك، أتوسل إليك.. إنهن فوق الوصف.. يكفي أن تظهر إحداهن على الدنيا،
فتحترق الأرض بفعل نور جبينها.. ندعو الله أن يمتعنا بالحوريات في الدنيا والآخرة..
واستشاط مرشد غضباً وغيرة، وصاح:
ـ ولكني لا أريد أي حورية.. لست مثلك مخادعاً يظن نفسه فحلاً غبياً.. يكفي ما أعانيه من شفيقة.. كنت أود أن تمنحها بعض المواعظ التي تنزع من جسدها النزوات الشيطانية.. ولكنك مغفل كبير تصدق أنك بالفعل تشبع ثلاث نساء..انظر إلى الشيب الذي في رأسك.. لم يعد عصفورك يغرد..
انتفض الإمام غاضباً وحاول أن يكبح انفعاله:
ـ مرشد.. اتق الله واخفض صوتك.. ما هذا الكلام الفاضح؟ الحريم سوف تسمع.
ـ أنتم أحجار.. أنتم واهمون.. أنتم مرضى وتجدون ما تكذبون به على أنفسكم.. اتركوني وشأني…
ـ مهلاً.. انتظر عافاك الله.. ماذا جرى لك؟
وصعد مرشد نحو التل، ومكث هناك ليتفكر في كل ما حدث له.. كان محيطه خالياً هادئاً، وانتبه في خضم استرخائه إلى جمال العصافير، ورآها تتقافز وتزقزق من حوله بحرية وفرح، ولمح عصفورين يتسافدان على ربوة قريبة، فقال بحنق: “حتى العصافير تناكدني”…
وخطرت في رأسه فكرة لم يفكر فيها مطلقاً، لماذا لا يفك أسر شفيقة؟ إن كان يحب أن تظل في عصمته، ينبغي أن يفعل ذلك.. لقد شاخ ولم يعد لوجوده أي معنى، ولعل هناك عصفوراً آخر مغرداً يحط في عشها.. أما هو فقد استنفد كامل طاقته، ولم يعد يستطيع أن يحتمل آلام العيش إلى جوارها.. ونظر حوله متفحصاً، حيث لا يوجد آدمي ينظر إليه، إنه وحيد مثل طائر فارقه السرب، وليس بوسع أحد أن يسخر منه أو يغيظه بعد اليوم.. وأغمض عينيه مفتوناً بفكرة التحليق، واقترب ببطء نحو الهاوية فارداً ذراعيه..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق