الموقع

القبطان القتال

 تشارلز ديكنز ترجمة عبدالناجي آيت الحاج

إذا كنا جميعا نعرف عقولنا (بمعنى أوسع من المعنى المبتذل لتلك العبارة) ، فأظن أننا سنكتشف أن مربيات الأطفال لدينا مسؤولة عن معظم الزوايا المظلمة التي أجبرنا على الخروج منها ، ضد إرادتنا.
أول شخصية شيطانية تم تقديمها إلى طفولتي الآمنة كانت شخصية القبطان القتال. لا بد أن هذا الشخص كان من سلالة عائلة ذو اللحية الزرقاء ، على الرغم من أنه في ذلك الوقت لم يكن لدي أدنى شك عن صلة القرابة هاته. على ما يبدو، لم يثر لدي اسمه الموحي أي حكم مسبق ضده، حيث تم قبوله من قبل الطبقة الراقية وكان يمتلك ثروة هائلة. كان هم القبطان القتال هو الزواج و ذلك لإشباع شهيته للحوم البشر من زوجاته الفاتنات.
في يوم زفافه، تم تزيين جانبا الطريق المؤدي إلى الكنيسة بزهور غريبة. وعندما سألته العروس: “عزيزي القبطان القتال، لم أر قط زهورا مثل هذه… ماذا يطلقون عليها؟” أجابها: “إنها تدعى ضمادات الحملان” ، وانفجر في ضحك بشع ، فملأ رفاق العروس بالقلق بإظهاره لأول مرة أسنانه البيضاء الحادة. كانت جميع خيول القبطان القتال بيضاء كاللبن، مع وجود بقعة حمراء على الخاصرة كان يحاول إخفاءها باللجام.
لقد ظهرت البقعة على الخيول على الرغم من أنها كانت كلها بيضاء كاللبن عندما اشتراها القبطان القتال. وكانت البقعة من دماء العروس الشابة (من هذه الجزئية المرعبة، كانت أول تجربة شخصية لي مع الرعشات و حبات العرق الصقيعي على جبهتي)
بعد الإنتهاء من حفل الزفاف وتوديع ضيوفه النبلاء ، يبقي القبطان القتال وحده مع زوجته. في اليوم التالي، كان متعودًا على إخراج لوح من الفضة للعجن ولفافة من الذهب من خزانة. من الضروري توضيح أن القبطان القتال ، خلال فترة خطوبته ، كان يسأل دائمًا عما إذا كانت زوجته المستقبلية تعرف كيفية صنع كعكة ؛ وإذا كانت من الطبيعة أو من التربية تجهل هذا الفن ، فعليها أن تتعلمه.
حسنًا، عندما رأت الزوجة القبطان القتال يخرج اللوح الفضي واللفافة الذهبية ، تذكرت تلك التفاصيل ولفت أكمام فستان الدانتيل لصنع كعكة. بعد ذلك ، أخرج القبطان حاوية ضخمة من الفضة والطحين والزبدة والبيض وكل ما ستحتاج إليه باستثناء حشوة الكعكة. سألت الزوجة الجميلة، “عزيزي القبطان القتال، مما ستكون الكعكة؟” فأجابها: “من اللحم”. أصرت الزوجة: “لا أرى اللحم في أي مكان”. ورد القبطان مازحا:
“أنظري في المرآة”. نظرت في المرآة ، لكنها استمرت في عدم رؤية اللحم ، ثم انفجر القبطان ضاحكا بصوت عال. وعلى حين غرة ، عبس وجهه و تجهم وأمر زوجته بعجن الدقيق بالمكونات الأخرى. لذلك كانت تعجن الدقيق والدموع تتساقط عليها بسبب العمل الشاق. عندما تم تحضير العجينة و تم وضعها في الحاوية الفضية قال القبطان: “أنا أرى اللحم في المرآة”. ثم عادت الزوجة لتنظر في المرآة، في الوقت الذي رأت فيه كيف قطع القبطان رأسها بسيفه. ثم قام بتقطيع جسد زوجته إلى قطع، ثم تبلها بالملح والفلفل، وملأ الكعكة بها، وطبخها في الفرن، وأكلها بالكامل.
و هكذا كان القبطان القاتل قد أكل العديد من النساء ، عندما وجد نفسه في حالة اختيار زوجة بين شقيقتين توأمتين. في البداية لم يكن يعلم أيهما يختار، لأنه على الرغم من أن إحداهما كانت شقراء والأخرى سمراء ، إلا أن كلتيهما كانتا جميلتين. لكن الشقراء أحبته، في حين كرهته السمراء، لذلك اختار الشقراء. كانت السمراء ترغب في منع الزفاف لو كان بمقدورها ذلك، لكن لم يكن هناك ما يمكنها فعله؛
ومع ذلك ، في الليلة التي سبقت الزفاف، غمرتها الشكوك اتجاه القبطان القتال ، فدخلت حديقة منزل القبطان متسلقة الجدار وتجسست عليه من خلال شق بمصراع النافذة. ومن هناك شاهدت القبطان القتال يشحذ أسنانه. بعد يومين ، كالعادة ، طلب القبطان من زوجته الشقراء أن تعجن الدقيق والمكونات الأخرى ، وعندما كانت العجينة جاهزة ، قطع رأس المرأة المسكينة ، قطعها و قام بتتبيلها بالملح والفلفل وخلطها بتلك العجينة ، ثم جعلها تطبخ في الفرن وأكلها كلها.
لما علمت الأخت السمراء أن أختها ماتت، حزرت الحقيقة وقررت الانتقام. لذلك ذهبت إلى منزل القبطان القتال ونادته من الباب. وعندما خرج القبطان قالت له:
“عزيزي القبطان القتال، الآن بعد أن ماتت أختي، أود أن أتزوجك. لطالما أحببتك، لكنني كنت أشعر بالغيرة من أختي”.
شعر القبطان بالسعادة وتم ترتيب حفل الزفاف بسرعة. في اليوم السابق للحفل، عادت الأخت السمراء إلى حديقة منزل القبطان وتجسست عليه من خلال النافذة مرة أخرى، فشاهدته يشحذ أسنانه. من هذا المشهد، أطلقت الفتاة ضحكة رهيبة. قام القبطان ، في دهشة ، بفتح النافذة وحدق في الظلام ، محاولاً اكتشاف مصدر تلك الضحكة الغريبة. لكنه لم ير أحداً.
ولكن قبل البدء في عجن الدقيق ، كانت الأخت السمراء قد تجرعت سمًا له تأثيرات مروعة ، مقطر من عيون الضفادع وأرجل العناكب. وما كاد القبطان القتال يبتلع اللقمة الأخيرة حتى بدأ ينتفخ وازرورق لون بشرته فأخذ يصرخ. استمر في الانتفاخ والازرقاق والصراخ بشدة حتى بلغ جسده من الأرض إلى السقف ومن الجدار إلى الجدار. ثم انفجرت على الساعة الواحدة صباحا انفجارا مذهلا.
لسماع ذوي الانفجار ، كل الخيول البيضاء كالحليب التي كانت في الاسطبلات، جن جنونها فجأة ، وكسرت أغلالها و أخذت تركض فدهست جميع أولئك الذين كانت لهم علاقة بالقبطان القتال (بدءًا بعائلة الحداد الذي كان يشحذ أسنانه) ، حتى ماتوا جميعًا. ثم هربت راكضة.

المؤلف : ولد تشارلز ديكنز سنة 1812 في بورتسموث ، هو الثاني من ثمانية أطفال لمسؤول بحري. في الثانية عشر من عمره ، سجن الأب بسبب الديون ، فاضطر إلى العمل في مصنع. كان تعليمه غير منتظم ، وعمل في مكتب محامٍ ، وأخيراً كان مراسلًا برلمانيًا لإحدى الصحف ، فحققت مقالاته ، التي تم جمعها في اسكتشات بوز (1836-1837) ، نجاحًا كبيرًا .
كتب في شتى المجالات ، من رواياته نذكر : أوليفر تويست (1837) ودومبي وابنه (1846-1848) وديفيد كوبرفيلد (1849-1850) المنزل المقفر (1852-1853) و دورت الصغيرة (1855-1857) وتاريخ مدينتين (1859) و آمال كبيرة (1860-1861)
في سنة 1850 أسس مجلته الخاصة ، على مدار السنة ، والتي نشر فيها رواياته و روايات كتاب آخرين. و قد توفي في لندن سنة 1870.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق