ثقافة السرد

يوميّات عبّاد الشمس

رجاء بكريّة *

“في مركز بوخارست تعلّقتُ بذراعِكَ، مشيتُ بجوارك، أو هكذا خيّل إلي. وبدأتُ أحدّثك في طريقنا المتخيّل إلى المقهى حكايا ألف ليلة وليلة في عز النّهار.”

 

1

كتبتُ إليكَ من زاويةٍ صَغيرةٍ في صالةِ القهوة. كانت تطلّ على حقلٍ واسعٍ من زَهرِ عبّادِ الشمس الساحر. كلّما رّسَمْتُ كَلِمة استدار عَنُقُ الزهرة. وفقَ إيقَاعِ الاستدارة تَسَارَعَ ضربُ أَنَامِلِي وتلوّنت أضوَاءُ وَجهِي.

لاحظ النادل ابتسامتي ترقُصُ، وتَضرِبُ وَجهَ الشاشة كَضربِ آلمطرِ زُجَاجَ آلوَاجِهةِ، فسبقتهُ شُكوكهُ إليّ. ذهِلَ كرزُ فوطتهِ البيضاء، وذابت لهفتهُ في عينيه. لم يرَ غيرَ سُطورٍ مُبهَمَةٍ تضيءُ وَجهَ الشاشة، وأناملَ امرأة تقفزُ كعصافير لَهِفَةٍ على عُنُقِ رجُلٍ لا يراهُ سِوَاهَا!

 

2

أحاولكُ في شوارع عاطلة عن الفرح. اعتزلتْ رقصةَ القلبِ، خربشةَ الزينة، وَقُبلةَ دفئِها أعشاشاً لغزوِ الحمام واحتلال المطر.. تكتبُ وجهَكَ بأصابعَ من فحمٍ وجمرٍ ورملٍ عَلَى وَتَر!

اشتقت إليك! أهكذا يكتبون الحب؟ مدينة محنّاة بنقش خلخال على دعسةِ خَفَرْ! أهكذا يكتبونكَ، قرط يستديرُ سحراً كُلّماَ هاجَمَهُ المحار بياضا، غزلا، فقداً حضوراً، قطيع قوطٍ في أجمل مواسمِ الحفر بالرماد عَلى شاهِدَةِ وجع!

باش،بوخارست،15 أغسطس،013

3

عواصِمُ الدول لا تكفي شوارِعَ وحيدَةٍ تمشي مُزدحمةً فِي بَدَنِي. تثرثرُ خُطُوطُهَا بِكَ وعَنكَ، ولَك!

براشوف، بوخارست، 18 أغسطس،013

4

استدرجني زقاقٌ ضيّقٌ يقود إلى مقهى صغير دافىء مُتفرِّع من بييتسي فكتوريي. أفرح حين أعثر بين كومة أشياء على منطقتي الّتي أحب،في مركزها أنت! دائماً كُنتَ منطقتي المحظورة على ما عداك، أنانيّة جداً في احتكاري لحدودها. ممنوع على سيّارات المدينة، وخيولها أن تعبر منها بدون أن تُقِلّ بعضّ ابتسامتك، بعض عصبيّتك، بعض زعلك وفرحك، بعضُ شغبكَ، حيرتكَ، احتجاجك، وضمّتك.. تذكّرتُ اخر جملة سجّلْتَهَا عَلَى بَدنِي قبل أن ألتحق بقطار الثّانية والنّصف فجرا، “قُبلة على رقبتك”، ولم أوفّرك! أجبتك بسخرية مُرّة، “يا غشيم، رقبة تصلح للتغزّل بجسد دجاجة وليس جسد امرأة!”، وكعادتك مسحتَ سمّي بعسل قلبك النّادر، وعقّبت، عليك أن تعتاد قهوة فجر بالغة المرارة مع امرأة مثلي تصاحبُ صِياح الديكة في كلّ مُناسِبة! على شقرقرقاتك أغلقتُ بيت ياسميني وتناثرت.

في مركز بوخارست تعلّقتُ بذراعِكَ، مشيتُ بجوارك،أو هكذا خيّل إلي. وبدأتُ أحدّثك في طريقنا المتخيّل إلى المقهى حكايا ألف ليلة وليلة في عز النّهار. بدأتُ أحرّضُ ذراعيك على الطيران، من هناك يمكننا اجتياز السّور والتسلل إلى المتحف القومي، لن يدعوننا ندخل بسبب أعمال الصيانة، إذن نتسلّل! كنتَ تتسلّى بأفكاري، ومخطّطاتي المُشَاغِبة على نحو يدعو للدّهشة. كانت تروح وتجىء، مثل قطع معدنيّة داخل قجّه. ترنّ دائما في القاع. تُصْغِي حتّى آخرِ كَلِمة، ثمّ تنسف برامِجِي بِفكزةِ إصبعْ!

آه ما أبعدَ صوتك وأنا وحيدة، أستعيض عنك بآلواجهات الزّجاجيّة، وبمعارض من كلّ لون. بالرّجال، والكتب، وحقائب الغيّ. جميع المعروضات ساحرة، وتنجح لحد ما أن تأخذني منك! فيها دائما عثرتُ على رجال يتقرّبون من عِطري! ودائما تخابثتُ مع قلبي، وأنا أراهم يرافقون ملاحظاتي حول التّصميمات الحديثة لساعات ديور وكالفن كلاين.

خذلتني متاحف المدينة، مغلقة حتّى إشعارٍ آخر، همستُ لك وأنا أتقدّم قابضة على عنق كفِّكَ. “كنتُ سأكتشِفُ قانُونَ الألوانِ من جديد، كأنّ أحدا لم يكتشفها قبلي. ” كُنتُ سأسجّلُ سبقا جديدا في اكتشاف اللّون”، أضفتُ بشيء من الخسارة. ضغطتَ على أصبعِي، وحلّقتَ في باطنِ يدي، همستَ دون أن تنظر في عينيّ، “تحلّقين قبل أن تتحقّقي، كان يجب أن تعرفي أنّه الثّلاثاء الّذي لا تعمل فيه المتاحف” احتججت، “إنَّهُ الأربعاء الّذي تعمل به الأماكن!”تصدّيتُ لك. لكنّك محقٌّ ، فأن يستيقظ المرء باكرا يعني أن يكسب ساعات طويلة من العمل، وساعاتٍ أطولَ من الأمل! ويبدو أنّ معادلة كسب الوقت هي كذلك فعلا.

عدتُ بذاكِرَتِي إلى الخلف، إلى الأحد عشر يوماً الّتي قضيتها برفقة المجموعة، ولساعات الصّباح الباكر الّتي كنّا نبدأ منها يومنا. رأيتُ الصّباح ينثر دفئهُ على هضابِ القرى الوادعة، والمساء يحفن النّجوم وينعفها بُكَلاً في مفرق وهجِهِ. تذكّرتُ القصور والقلاع والأسواق والمقابر، الكنائس وآلرّهبان والأديرة. كنتُ أحُوشُ السّاعات، كمن يحوشُ عناقيدَ آللّوبياء فجرا كي يحافظ على طزاجتها ما أمكن. أدّخر السّاعات، ولا أفهم تماما كيف أنفقها. حتّى التّاسعة كنا نُبْقِي على سحر الأمكنة في عيوننا. عندَ اليوم الأخير انفصلتُ عن المجموعة كي أستوعب جمال المدينة على مهل. وأسرقَ من قهوتها وكسل أرصفتها. بقيتُ أحتفي لأيّام بالحَمَامِ الّذي يُحلّقُ في كلّ زاوية، حتّى أدركنا أنا وحَمَامَات الأرصفة شتاء عنيفا مفاجئا، ولذنا، أنا وهي، بالصّمت وبسقيفة منسيّة على مقربة من تمثال الملك كارل. كنّا نتأمّله مسحورين بالبريق الّذي ترسله عينيه كلّما تعبّأ بهما المطر. بقينا نهدل مأخوذتين بسحر اللمعان الّذي غسل واجهات المقاهي والحوانيت الزّجاجية، كأنّها تذكّرتْ منذ متى لم يداعب ريشها المطر، ولم يشاكس حَبَّهُ قلبي. تذكّرتك!

لم تكن ممسكا بيدي هذه المرّة. بقيت يدي فارغة من أصابعك، وسقط القرط الفضيِّ من أذني على بلاط الرّصيف باحثا عن رائحة صوتك. كان اختفاؤك ضربا من شعوذة لا يمكن تصديقُها. سمعتك من جديد حين عدت إلى فندقي متدثّرة بسحج المطر. أحسستُ كفّك الواسعة تشدّ على أصابعي الخمسة، بين فسحاتها سقطت ضحكتك المعاتبة الّتي أحب! رجع الشّتاء باكرا يضرب المظلّات. غمر الفقع الملوّن فضاءات المدينة ما عدا شعري بقي فالتا، مشعّثا رطبا، ويرفض ملاذا عند أحد سوى عينيك! يتساقط حبُّ المطرِ كحبِّ الرمّانِ الّذي تمنّيتُهُ قبل السّفر، ومعهُ يتناثرُ قلبي على وجهك البعيد. أحضره وأنفيه بمسحة إصبع على مصباح علاء الدّين، أَبعادُ محارة في عُمقِ بَحر! قلنا سنسعى لقنصِ لمعانها ذات صيد.

يا للصّباحات العجيبة الّتي يحرّرها علاء الدّين على باب صباحاتي يدقّها وقع المطر. كأنّ المطر أنت، تقول، جئتُكِ أملأُ جُيُوبِي ضوءً، وكسٍراتِ غمر! إستيقظي، ومن لؤلؤ السّماءِ أشُكُّ خرزا في خيطِ شَوْقِي لأزيّنَ شعرَكِ الّذي يَطُولُ ليلُهُ كلَّمَا أخذَكِ الحُلُم. وأنّا أصدّقُ صَوتَكَ، ولؤلؤ جيوبِكَ، كأنّهُ علاء ُ الدّينِ خرج من عمقِ المغارة محمّلا بسبائك الّلّهب. ينوِّرُ ثوبُ المدينةِ في شَعري. أضربُ الوسائِدَ بِخِزانَةِ الملابس، وأجرِي إلى أُكرَةِ البابِ أشدُّهَا فيتوهُ لوزُ عينيَّ بفضاءاتِ كذبة كبيرة مالحة، وكدمعِ الأطفالِ السّاخنِ في مسلسلات الأطفالِ الكرتونيّة أتحسّس كذبة كبيرة مالحة وساخنة، لكن ضاحكة جداً تَشكُوكَ لقلبي لأوّل مرّة، لأنّكَ لم تأتِ هذه المرّةِ أيضا. كم أحبّك وأنا أُزرّرُ فمكَ بالكذب!

تطولُ نهارات المقهى بموسيقى جميلة دافئة، وتقصُرُ تأمّلاتي فيكَ. أنتظر أن أرى ابتسامتك تكرج ككرة ثلج على درجِ رغبتي، وتشربني مع القهوة هالا أو صمتا، كلّ صمت يحرق القلب إذا لم يحتضِنُهُ صَوت!

بوخارست، 24.08.013

*كاتبة من فلسطين

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق