ثقافة المقال

مدينة الطيرة في المثلث (1)

من كتاب ” المثلث .. الأرض والإنسان “. فؤاد عبد النور. 1993

( موضوع طيرة بني صعب كبير. أنا مضطر لتقسيمه، ولا أدري من الآن كم قسما سيأخذ ذلك. على كلٍّ، سأرقمه من ( 1 ) إلى أن ننتهي منه. ولا يُستغرب هذا على واحدة من أكبر مدن المثلث الجنوبي. في المثلث الشمالي تكون ” أم الفحم.” ومثلما كتبت عن بقية القرى التي سلمها النظام الأردني إلى إسرائيل في اتفاقية رودس، رأسا بعد أن انفرد بالقضية الفلسطينية بانسحاب القوة العراقية، وبضم الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية. وكان فعلاً حظي جيدٌ جداً أني لما قمت بهذا البحث الميداني كان الأشخاص المتنفذين لا يزالون أحياء وقت أن تنازل الملك عبد الله عن قراهم لإسرائيل، وكأنها ملكٌ خاص له. ولمَ نستغرب ذلك، فحفيده تنازل عن القسم الباقي من الضفة ليحافظ على ملكٍ مقلصٍ في الضفة الشرقية بعد مرور ثمانية عشر عام.
أركز في هذه المقالات المتسلسلة عن الطيرة والطيبة وأتوسع في تحليل نشاطات المؤسسات الأهلية في فلسطين الداخل وأكشف الغطاء عنها، وأدرس مدى أهليتها للقيام بما تعد به، أم هي قامت أساسا كوسيلة لتمديد قناة الدعم لها، وعندما يتوقف الدعم تجف هذه القناة، ويتوقف النشاط كله!
العمل التطوعي حاجة مجتمعية. يجب أن يكون المجتمع المحلي هو الداعم والمستفيد. كل دعمٍ فوقي لا ينجح، وإن أبهر الجميع في البداية! فؤاد. )

مثال على النفاق الصحفي!
أشكر سكرتير المجلس المحلي السيد كامل سمارة لدماثة خلقه، وحسن استقباله للغرباء، وتقديره للثقافة والمثـقـفين، الساعين إلى توثيق تاريخ شعبهم، ورفع معنوياته. لقد خفف استقباله الحسن لي من الصدمة التي حصلت من وقع اللقاء الجاف والمستخف لرئيس المجلس المحلي طارق عبد الحي، الذي كان عليه أن يدخل دورة في ” العلاقات العامة ” قبل أن يتقدم بذلك الطلب إلى وزارة الداخلية كي تصبح الطيرة مدينةً، وبالتالي يصبح هو رئيس بلدية، وليس رئيس مجلسٍ محليٍّ صغير!
آمل أن يشكل هذا سقف ارتفاعه. إذ أنه، كما قلت، يستقبل زائري المجلس في جفاء، وعدم اكتراث. ولما قدمني إليه سكرتير المجلس، وحاول أن يزكيني له بأني قمت بعملٍ قيمٍ عن الجليل، وأني أعمل على تجميع كتابٍ آخر عن قرى المثلث وبلداته، ومن ضمنها الطيرة، نظر إلي في لا مبالاة، وقال، لا فض فوه: مين ما بعرف الطيرة؟ عندنا خمسة آلاف عامل من الضفة بشتغلوا فيها!!
استأذنت. لم أرغب في سماع المزيد. ولم أرغب في إسماع المزيد! وشكوت هذا الاستقبال لأصدقاء لي في الطيرة، وما جاورها، ومن ضمنهم الأستاذ كنعان سلامة من قلنسوة، فقال: ” هذا إنسان ما يشجع المبادرات الفردية بالمرة! ” كان بالإمكان تناسي ذلك الاستقبال الجاف، والتعزي بحسن المعاملة التي حظيت بها من أصدقاء كثيرين تعرفت عليهم في الطيرة، إلا أنه أثناء صياغتي لموضوع الطيرة ، وتدقيقي في عباراتي وتنقيحها، وقع بين يدي عدد من صحيفة الاتحاد 19 \ 5 \ الشيوعية 1991، وانتبهت فيها إلى تقريرٍ من نسيم أبو خيط بعنوان ” الطيرة مدينة ” فتوقفت عنده، وأخذت في قراءته بتأنٍ، واستفزني المقال بشدة. كله نفاق وتزلّف لرئيس المجلس بالطبع. ” إدارة ناجحة ومذهلة “. ما الأمر؟ أليس هو نفس الشخص الذي لم تكن صحيفة الاتحاد إياها توفر أية مناسبة إلا وتشتمه فيها؟! ماذا غير الوضع؟ هل تغير قط لأن رئيس هذا المجلس طارق عبد الحي قد انضم للجبهة الديمقراطية؟ هل تعمّد وتطهَّر بذلك الانضمام؟ هل غيّر جلده؟ هل رُش عليه ماءٌ مقدسٌ؟ أليس هو نفس الرئيس الذي كتبت عنه الاتحاد نفسها في 31 \ 3 \ 1976 بمناسبة الاحتفال بيوم الأرض ما يلي:
” الطيرة. – لازم حرس الحدود قبل أسبوع من الإضراب البلدة. وزع الطلاب مناشير الدعوة للإضراب في 28 \ 3 \ 1976، فاعتقل البوليس عدداً منهم، ونقلهم إلى مركز كفار سابا حيث ضربوا ضرباً مبرحاً.
” في 29 \ 3 استدعى طارق عبد الحي مدراء المجالس وأمرهم بالتصدي للإضراب. وعندما شمل الإضراب أكثرية البلدة أخذ رئيس المجلس بالتجول بسيارته يهدد أصحاب الحوانيت. ثم اتصل بأولياء الطلاب، طالباً منهم إرسال أولادهم للمدارس.
” وتصدى رئيس المجلس للمظاهرة الكبرى التي اخترقت شوارع البلدة، ووصلت بناية المجلس المحلي، وأخذ يشتم الناس، ثم استدعى الشرطة وحرس الحدود، فاعتدت على الناس بالهراوات، وفتحت النار على الطلاب, وطاردتهم في الشوارع والحقول وداخل البيوت”..
ومثل هذا المقال كثير.
لم أجد شيئاً مذهلاً في الطيرة، دون أي تحاملٍ أو مبالغة. هناك تحسن في مشاريع البناء الفردية، خاصة في الشارع الرئيس المؤدي إلى كفار سابا. وفيه الكثير من التقليد لمباني كفار سابا البيضاء المميزة. لا بأس. هنالك تحسين في ديكورات المحلات التجارية. توسّع في حوانيت البقالة. ولكن لا توجد نظافة. لا توجد أرصفة للمشاة. لا إضاءة جيدة للشوارع. لا أرقام للبيوت. لا مركز بريد ” زي الناس “. عيادة مرضى واحدة لبلدة كبيرة. وفي مكانٍ ناءٍ. مكتبة عامة لا يوجد!
ولكن، هناك ميدان للمشاة ( ممنوع دخول السيارات إليه). ميدان وسوق جميلٌ للمشاة. هندسة جميلة مكلفة بالتأكيد. ولكنه ميت.. لا حياة فيه! لا يمكن مقارنته إطلاقاً بسوق كفر قاسم الذي تصطخب فيه الحياة.. ويموج بالبشر إلى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل.
——
ولكني دفعت ثمن ما كتبت بثلاثة أسابيع من القلق والتوتّر، لم يُرحني منها إلا تدخل العناية الإلهية (هكذا عندي استعداد للاعتقاد)، ويبدو أن ساعتي لم تكن قد حانت بعد على يد طارق عبد الحي!)
أنقل هنا ما كتبته عن هذه التجربة في كتاب سيرة حياتي الذي نشرته دار الفارابي لي في السنة 2014 بعنوان ” عشنا وهرمتا وشفنا أخيرا “:
” لم يكن المثلث بعيداً عن رام الله. ساعة في السيارة. خطتي كانت أن أسعى في بيع نسخٍ ، والتعرف على الناس حتى الساعة الواحدة أو الثانية بعد الظهر، ثم أقضي بقية اليوم وحتى ساعة متأخرة من الليل في المقابلات، وجمع المواد. إن دعاني أحدهم إلى الغداء أو العشاء، لا أتظاهر بالتمنع، بل أقبل مع الشكر. إن تأخر الوقت، وأشفق علي من الرجوع في ساعة متأخرة من الليل إلى رام الله، ودعاني للنوم عنده، أقبل شاكراً كذلك. وهكذا أمضيت سنتين إضافيتين في أحضان شعبٍ ودودٍ بغالبيته العظمى إلا في حالةٍ واحدةٍ، وكانت مع رئيس المجلس البلدي للطيرة – طارق عبد الحي.
وما دمت قد ذكرته فعليّ أن أُكمل قصتي معه. قد يقتنع القارئ أني أتمتع بحماية عليا، ترغب في استمراري في هذا النهج، حتى أستر نفسي، وأستطيع القيام بواجباتي الأسرية.
كما قلت استخف طارق عبد الحي بمهمتي، وبي شخصياً. قال لا حاجة بالطيرة لكتابٍ يُعرِّف أهل الضفة وغيرهم بها، وأضاف: ” عندنا خمسة آلاف عامل يشتغلون فيها من الضفة!” يفتخر بأننا أصبحنا عمالا للنظافة وغير ذلك في مدينته!
كنت أعرف الكثير عن طارق عبد الحي. وكنت أعلم أن والده تعاون مع الصهاينة، وآزر الحكم العسكري الذي فُرض على قرى المثلث. وقد ورث طارق خيانة شعبه من والده. ثم أصبح بقدرة قادرٍ وطنياً غيوراً من قيادة الجبهة الديمقراطية الشيوعية الاتجاه في إسرائيل. صُدمت من صلفه. وافتتحت موضوع الطيرة في كتابي ” المثلث.. الأرض والإنسان ” بشرح قصتي معه، وتباهيه أن عمال الضفة الغربية يعملون في بلدته. وتساءلت: كيف أصبح دفعةً واحدة وطنياً؟ هل رُش عليه ماءً مقدساً مثلما يجري عند الكاثوليك؟ ووجدت من( يحبه! هناك) فزودني بمقالات نشرت مقتطفٍ منها في هذا الكتاب.
وعندما صدر كتابي عن المثلث، لم نكن نستطيع دخول إسرائيل بسياراتنا بعد مغامرة صدام بقصف إسرائيل ببعض الصواريخ، فأرسلت مجموعة من الكتب لصديقٍ لي في الطيرة حتى يُوزعها هناك. وبالطبع أُرسلت نسخة لطارق على يد أحدهم. فأخذ هاتف بيتي يرن مع إنذارٍ ملحٍ: ” علي القدوم للطيرة، والاعتذار على الملأ لما كتبته، وإلا !!”
وصل الخبر لأصدقائي في الطيرة فأشفــقوا علي. حذّروني من الاستهتار بطارق بالمرة. فهو مشهودٌ له بالإجرام الفعلي. قيل عنه أنه قد قتل شهودا . على ما أعلم القتل تم ضد شاهد كان من المفروض أن يشهد ضده أمام محاكم إسرائيلية حتى يُبطل قضيةً مرفوعة ضده. وأنه في الواقع مشمولٌ بحماية أوساطٍ عليا في الأمن الإسرائيلي- مافيا. لاحظت زوجتي قلقي. فـقـلـقت أكثر مني. وأخذت تردد في استمرار:” هكذا أنت دائما تُورط نفسك”.
وأنا محتارٌ لا أدري ماذا يتوجب علي فعله بالضبط. لم يكن لدي استعدادٌ للزحف إليه معتذراً. ما كتبته نُقل عن صحفٍ منشورة. ولكن كيف الخلاص من هذه المشكلة؟ بعد أسبوعين أو ثلاثة حـُـلّت. ” أخذ الله بوداعته! أصابته جلطةً أودت به، فاستراح. وأراح الطيرة. وأراحني أنا! “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق