ثقافة المقال

ماذا تعرف عن مكتبة خدا بخش: أعجوبة الدنيا الثامنة

بقلم صبغة الله الهدوي*

” إنه من الجدير أن نضيف أعجوبة أخرى في قائمة عجائب الدنيا التي أبهرت الأمم وأعيت الأيام على هزيمتها” هكذا اختتم كلام الشاعر الأردي شميم كاكوري وهو يتحدث عن مكتبة خدا بخش التي ضمت في جوانحها ملايين الكتب وآلاف المخطوطات النادرة التي استقطبت كل عشاق الآثار العلمية واستوقفتهم ماضيا وحاضرا، فقصة خدا بخش ليست هي حكايات عن مكتبة احترست الكتب ورابطت على ثغور الآثار العلمية واكتفت بحمايتها ورعايتها بل هي تمتد إلى ظاهرة لا تتكرر، إنه العلامة خدا بخش خان، عاشق الفنون والعلوم الذي أفنى شبابه واستثمر صحته وطاقته في تحقيق هذه المهمة الصعبة التي لا يحلم بها الكثير، فإنها حكايات من المخاطرة ، وحياة على متن التضحية والتفاني في سبيل خدمة العلم والأقلام وحفاظة التراث من غبار الأيام.
مكتبة خدا بخش : حقائق تدهشك
“أكثر من 282904 مطبوعات،2136 مخطوطات نادرة قيمة، مجلات أكاديمية لا تحصى، وجرائد تتكدس، وتسجيلات صوتية تدهش، ودمغات تاريخية نادرة، ونقوش جذابة ورسوم تنبض، وخرئط جغرافية كثيرة، ومقتنيات ثمينة تنتمي إلى العائلات المالكة” هذه هي صور تختزل عن مكتبة علمية ربما لم تصل إلى آذان الكثير، لتكون أعجب عجائب الدنيا وعنوان قائمتها الواضح، فمكتبة خدا بخش تقع في عاصمة ولاية بيهار الهندية، كمنارة تطل على الأزمان، تحكي الأجيال عن المجد الذي مر بها وتتحدث عن والد كريم وولد بار حاملة ذكرياتهما في كنفها الظليل.
خدا بخش خان رجل بمكتبة
ولد العلامة خدا بخش خان عام 1842 م في أسرة تتمتع بأريحية العلم وحب العلماء، ووالده المولوي محمد بخش ، هو الذي أرشده إلى هذه المهمة الصعبة وأوصاه للحفاظ على تركته العلمية، وأسرته كانت من الطبقة المخملية التي تقلدت أعلى المناصب في قصور ملوك المغول، وكانت لديهم مناصب الديوان والرسائل كما يؤكد بأن والده كان من ضمن 25 عالما الذين وكلوا إليهم إعداد الفتاوى العالمغيرية التي اشتهرت في أرجاء العالم بالفتاوى الهندية، ومحمد بخش خلف ثروة هائلة من المكتوبات والمخطوطات التي يبلغ تعدادها إلى 1400 مخطوطة ورسائل، فلما أصابه المرض واشتد به دعا ولده خدا بخش خان عام 1876 وأوصاه لبناء مكتبة تحافظ على كتبه وثروته، وقدم كل نفائسه لهذه الخدمة الكبيرة التي ستكون أثرا ناطقا بحب أب وابن للدوات التي أسيلت وللأقلام التي أجريت وللكراسات التي طرزت وزركشت.
أكمل خدا بخش دارسته الابتدائية في باتنا عاصمة بيهار وواصل في كلكتا عاصمة ولاية بنغال ثم تابع السير على خطى أبيه ليكون محاميا محنكا يعرف نبض القضايا، وذاع صيته في آفاق الهند بعد إنجازات كبيرة جققها في سبيل المحاماة حتى منح له وسام شرف “خان بهادور” الذي تقلده الحكومة للنخبة النشطاء الذين يتفاعلون مع قضايا المجتمع اجتماعيا وسياسيا، وحصد خدا بخش عدة أوسمة ونياشين من شتى الجهات حتى عين قاضي القضاة في محكة حيدر آباد عاصمة الدولة الآصفية.
وإبان تلك الفترة خرج خدا بخش يجوب الهند بحثا عن الركائز الثمينة، وتحقيقا لأحلام أبيه المحروم ولتنفيذ وصيته التي أخذها على عاتقه أخذ ولد بار وفي، حتى أسس أول مبنى مكون من طابقين عام 1888 م ونقل إليه أكثر من أربعة آلاف كتاب، وتم افتتاحه عام 1891 بشكل رسمي، وفتح بابه للشعب أجمع، وضمت المكتبة كلا من المخطوطات الأردية والعربية والفارسية والتركية، ودعما لها أسست هيئة استئمانية من قبل حكومة بنغال للإشراف عليها وعمارتها، وخلال الزلزال الذي حدث عام 1937 م سقط الطابق العلوي مما أصبح صعبا للمكتبة وزورها، وحينها قامت حكومة بيهار ببناء مبنى جديد في نفس المكان.
وفي البداية كان اسم المكتبة مكتبة العام الشرقي لكن الناس بعد أن لمسوا جهد بانيها خدا بخش أضافوا على الاسم خدا بخش حتى اشتهرت المكتبة بعد بمكتبة خدا بخش، فمما يدل على عمق التضحية التي قام بها العلامة أنه قهرته الديون بعد أن ضحى بماله وما له في تحقيق هذا الحلم الكبير حتى أدركته الحكومة الهندية ومنحت له بمنحة 8000 روبية وأعطت له وظيفة في نفس المكتبة.
فبعد أن تحققت هذه المكتبة أصبحت محط أنظار الكثير من الاستشراقيين حتى أقبلوا يساومونه في آخر حياته، وعرضوا عليه عروضا فاخرة لشراءها إلا أنه أبى ولم يستسلم لهذه العروض المغرية رغم أنه كان في حالة تختنق وفي مضيق فقر مرهق لكنه قال في وجههم ” هذه نتيجة جهودي المضنية التي بذلتها من أجل والدي المرحوم، وسأتركها على هذه الأرض من أجل عشاق العلوم”، وهذه المكتبة ليست هي مجرد مكتبة تكتظ بالزائرين والسياحيين بل هي قطب الندوات والمؤتمرات العلمية التي تقدم فيها بحوث ودراسات علمية.
فمن أهم الكنوز العلمية التي احتفظت في هذه المكتبة ديوان الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي، والنسخة الوحيدة المتوفرة في العالم لكتاب حشائش الطب الذي ألف في اللغة اليونانية في القرن الواحد ثم ترجم إلى اللغة العربية في القرن السادس إلى جانب مؤلفات كثيرة في العلوم المختلفة من الجغرافيا والطب والحساب والتاريخ والكيمياء والفلسفة والمنطق والأشعار، وعدة مصاحف نادرة بما فيها ما كتب الخطاط العربي المشهور ياقوت المعتصم المعروف ب”قبلة الكتاب”، وكذلك كتاب مسند أبي عوانة وغنية الحساب لأحمد بن ثابت المختوم بختام ملك غولغاندا، والنسخة النادرة لكتاب القرطاس في المنطق للعلامة شمس الدين محمد السمرقندي وكتاب اللطائف لابن رجب الحنبلي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي وخريطة عمر الخيام الذي اشتهر في الحساب والفلسفة، ومن نوادرها تعليقات العلامة شاه ولي الله الدهلوي على صحيح البخاري والتي نسخها تلميذه وعليها خطه.
فلما زار جوهر لال نهرو أول رئيس وزراء الهند بزيارة هذه المكتبة كتب في تقريره ” لا بد من تطوير هذه المكتبة حسب إمكانيات التقنية الحديثة لتنتشر رسالتها وتعم فائدتها في أرجاء العالم”، فتلبية لنداءه الذي كان مجرد أمنية بحتة في تلك الفترة التي كانت الهند تحبو وتتعثر تطورت المكتبة تدريجيا وتغير وجهها المترهل، فمن ثم تم ترقيتها إلى المكتبة الوطنية، وتعرضت لعدة ترميمات واسعة مما جعلتها قبلة الباحثين وميقات الأكاديميين لحد أنها توفر السكن وتسهيلات أخرى لمدة أربعة أشهر لمن يريد البحث والاكتشاف عنها بالإضافة إنها توفر خدمة الاطلاع على المخطوطات من جهاز قارئ للميكروفيلم، وآلية للبحث عن المخطوطات من خلال موقعها الرسمي على الإنترنت (http://kblibrary.bih.nic.in/).
وهناك فريق اختصاصي مكون من أربعين موظف لكل الخدمات المكتبية من فهرسة وتغليف وتنظيف والاستنساغ والتصوير وطباعة، وتصدر من هناك مجلة علمية محكمة فصلية تحتوي الدراسات الأكاديمية المبتكرة، والنقاشات العلمية، ولسهولة الزائرين جمعت بيانات الكتب المتوفرة في العربية والفارسية والأردو مما تزود للباحثين والعلماء مزيدا من المعلومات الكافية عن المكتبة وخدمتها، وبموجب قانون من البرلمان الهندي عام 1969م تم تعيين هيئة مستقلة للمكتبة تحت وزارة السياحة والثقافة الهندية، ومنذ عام تقريبا تجري محاولات جبارة لرفع مخطوطات المكتبة على الإنترنت، ووصل عدد المخطوطات التي تم رفعها حوالي ألف مخطوط وما زال العمل جاريا.
وللأسف الشديد لم تجد هذه المكتبة رغم خدمتها النبيلة على مدى عشرات السنين في رعاية التراث ونشرها وحفاظتها على النمط الأصيل عناية كافية من حملة الضاد والتراث، فلم تختطف أضواء القنوات العربية، فلا بد من تكثيف جهودنا لإبراز مكانة هذه المكتبة وقدرها أمام العالم.
المراجع
محاضرة ” مكتبة خدا بخش ونوادرها” للدكتور عتيق الرحمن القاسمي رئيس قسم المخطوطات بالمكتبة
الموقع الرسمي لمكتبة “خدا بخش”
عدة مقالات نشرت في اللغات الهندية (أردو، مليالم)
مجلة النهضة التي تصدر من كيرالا الهندية، 2018م
https://www.alukah.net/library/0/22790/
http://www.nidaulhind.com/2017/06/kuda-baksh.html

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق