ثقافة المقال

رحلة مي زيادة إلى السويس..

دكتور السيد إبراهيم أحمد

أكان عجبا أن أذكر رحلة الأديبة النابغة ودرة زمانها وفريدة العصر وملكة دولة الإلهام “مي زيادة” إلى “السويس” تلك المدينة التي جاست خلالها الجيوش، ومر بأرضها الحُجَاج العرب من المسيحيين والمسلمين إلى بيت المقدس، والكعبة المشرفة ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعاش فيها الزعيم جمال عبد الناصر مع والده الذي عمل بها وكيلا لمكتب بريد الأربعين لمدة عامين، مثلما عاش قبله الكاتب الكبير محمد فريد وجدي مع والده الذي عمل وكيلا لمحافظة السويس، والشاعر أحمد زكي أبي شادي الذي عمل فيها وأبدع، ومن مرَّ بها كالعقاد في طريقه لزيارة السعودية أيام مصر الملكية، ومن كانت منفى له كشاعر الكرنك أحمد فتحي، ومن كانت طريقا لمنفاه وأشهرهما الزعيم أحمد عرابي والشيخ جمال الدين الأفغاني؟!

ليس عجبا بل استحقاقًا لها، وله ـ عندي ـ العديد من الأسباب التي تؤيده؛ فكلهم مروا ولم يكتبوا عن السويس مثلما كتبت مي في محاضرتها التي ألقتها في السادس والعشرين من نوفمبر عام 1928م في قاعة الجمعية الجغرافية بالقاهرة، ونشرتها جريدة الأهرام القاهرية في اليوم التالي من إلقائها، والتي لم يتسنَ جمعها في الأعمال الكاملة التي اجتهدت في جمعها الأديبة السورية سلمى الحفَّار الكزبري، ولا تلك الأعمال التي اكتشفها وأضافها الكاتب والشاعر اللبناني أنطوان محسن القوَّال في أوائل التسعينات من القرن العشرين، ولا تلك المجموعات التي اكتشفها جوزيف زيدان أستاذ الأدب العربي بجامعة ولاية أوهايو، وإنما ظهرت في كتاب ضخم بعنوان: “كتابات منسية” للباحثة الألمانيِّة المتخصصة في الدراسات الشرقية المعاصرة “أنتيا زيغلر” التي جمعت وحققت فيه مائة وسبعين عملا منسيا للأديبة مي زيادة من مختلف الدوريات والكتب، وباللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وكان من ضمنها هذا المقال أو المحاضرة القيمة إعدادا وبناءً، ومحبة للسويس.

جاء بناء المحاضرة مُحكما جغرافيا وتاريخيا؛ فقد بدأت مع مصر وريادتها وأستاذيتها للعالم القديم وتتلمُذ اليونان وعلمائها وفلاسفتها عليها، استقراءً من الأديبة مي لأول مسلة عرفها التاريخ في عهد سيزوستريس الأول ملك الأسرة الثانية عشر في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وذلك عبر استعراضها للطريق الذي يقطع بين مصر والقلزم وما شهده من تواريخ ارتبطت بمصر في أزمنة مختلفة، وهو الطريق الذي كان يقطعه المقريزي في ثلاثة أيام بينما قطعته مَي في أقل من ثلاث ساعات: (رحلتي أيها السادة والسيّدات لم تستغرق إلَّا يومين اثنين وستقولون إنَّ هذه الساعات الوجيزة لا تكفي لدرس خطير كتاريخ مدينة السويس والطرق المؤدية إليها).

غير أن مي تؤكد لهم أن قوة التأثر والشعور والتخيل تستطيع أن تفهمنا في دقائق ما لا نستطيع تحصيله من الكتب في أعوام، ثم تنقل الجالسين فجأة إلى وصف مدينة السويس كما عانقتها بعينيها لأول مرة:
(وبينا الشمس تنحدر وراءنا في أوشحتها القرمزية تراءت لنا في الأفق القريب مدينة بيضاء محاطة بهالة زرقاء فحيَّانا مشهدها ليس فقط لأنها جميلة ولأننا قادمون للوقوف على بعض جمالها وتاريخها ونشاطها، بل لأنَّ فيها من ينتظروننا. فهم أصدقاؤنا لأنَّ أعمالهم المحكمة المفيدة وهمتهم الموحية الرجاء والثقة تجعلهم أصدق الأصدقاء للجميع).

تتناول مي زيادة السويس وصفا تاريخيا جغرافيا رائعا رائقا يتجلى في سلاسة الانتقال عبر الأعصر التاريخية، مصوغ في لغة أدبية لا تعرف التكلف ويشع من كلماتها صدقٌ وافر بالمحبة للمدينة التي كانت مشوقة بمعرفتها فاستعدت لها قراءة وإحاطة قبل اللقاء: (لبعض البلدان كما لبعض الأشخاص مغناطيس قوي. وقد خُصَّتِ السويس بقسط وافر من المغناطيس المصري العام نظرا لموقعها وسيطرتها على طريق المشرقين والدور المهم الذي تمثله في حركة التجارة والصناعة والحضارة في العالم).

وقد تجلى وعيها بمكانة المدينة في التاريخ، وموقعها في جغرافيا الكرة الأرضية، وما تمثله من أهمية في اقتصاد العالم أن جاءت المحاضرة تليق بالسويس وبجمعية الجغرافيا من حيث المجهود المبذول من مي في الرجوع إلى المصادر التاريخية والجغرافية في العربية وغيرها من اللغات التي كانت تجيد مي تسع لغات منها والكفيلة بتوثيق كل جزئياتها، وهو ما لا يبعدها عن أن تظهر شخصيتها الفكرية في ما تبديه من تعليق وملاحظة جدية هامة، خاصة حين تتناول اسم السويس وتطوره حتى استقر على ما هو عليه بين الناس.

راحت مي تنتقل إلى الميناء وتسير بين اليابسة والماء لتصعد الباخرة “أكسبريس” وهنا نعلم سر الرحلة ومن دعا لها أنه الاقتصادي المصري المعروف طلعت باشا حرب الذي أسس شركة مصر لمصايد الأسماك عام 1927م برأسمال قدره عشرون ألف جنيه والتي هي واحدة من الشركات التابعة لبنك مصر، ثم تحكي مي كيف قابلت طلعت باشا حرب الذي رجاها ألا تذكر اسمه ومن معه من الاقتصاديين ورجال الأعمال الوطنيين الذين ينكرون دورهم من أجل مصر، لكنها لم تعده بذلك، وتجول بناظريها لتلمح وجود بواخر مماثلة لتلك الباخرة في عرض البحر مرفوعة عليها الأعلام المصرية، لتدور الأحاديث حول السويس ونهضتها والقناة ومشاكلها، والبحر الأحمر وجماله وأسماكه.

لقد انسلَّت مي بفكرها من بين الحاضرين نحو آفاق لن يصلوا فيه معها بخيالهم مثلها، لتتساءل: (علامَّ سُميَ هذا البحر بهذا الاسم الذي عرف به منذ القدم؟ وعلامَّ يُنعتْ بالأحمر؟ ألوفرة الفيضانات البركانية في جباله التي ما زالت جزيرة الطير تقدم منها إلى اليوم مثالا ملتهبا؟ أم لأنه واقع في المنطقة الحارة التي تدعى كذلك المنطقة المحروقة؟ أم لأن أكثر جزره مرجانية والمرجان في جوفه أغزر وأنقى وأبهى منه في أي مكان آخر؟ أم لأن قاطني سواحله الأقدمين كانوا حمر البشرة؟ ليس من يبتَّ في هذا الأمر ولكنَّ طريفًا يقول: إن هذا البحر نُعِت بالأحمر لأنه شديد الزرقة).

تنتقل الأديبة مي زيادة في غد اليوم الثاني لها بالسويس لترى معامل ومصانع صيد الأسماك التي تقوم بتعليبها وبيعها، غير أن أهم ما يلفت الانتباه تلك العلاقة التي أقامتها بوعيها الأدبي وحسها الاقتصادي بالموازاة بين المال، والشركات، والعمال، والمساهمين وبين قصائد الشعراء، وهو ما يأتي منها في إشارة ذكية إلى أن الأمم في وقت النهضة ربما احتاجت إلى الأقوال أكثر من الأفعال، وأن الشاعر الحقيقي هو الذي ينتج واقعا لا ألفاظا أو أبياتا، كما نعلم من كلماتها أن من كان يرافقها من الشعراء شاعر القطرين خليل مطران: (المال، أيها السادة والسيدات، كاللغة تتداوله أيدي الجميع. ولكن كما أن الشاعر والناثر يستخرجان من الألفاظ المألوفة قصيدة خالدة أو تحفة “فنية” شائقة كذلك يعرف المالي البارع أن يستخرج من مالية البلاد المتناثرة أعمالا نافعة مجدية).

جاءت محاضرتها في النهاية داعية لنهضة الأمم بالتكاتف بين السواعد، والتكامل بين المعارف، لتعود في نهاية رحلتها وهي في طريقها للقاهرة راضية عمَّا رأته، وسمعته: (والآن إذ نعود إلى القاهرة في طريق الصحراء فنحن في حالة نفسية أخرى. رأينا في القفار جمالا جديدا هو جمال الثقة والنشاط والعمل الذي سيكون فعالا في إحياء مدينة السويس وتعزيز مركزها الخطير. ولم نبحث عن السراب، لأننا رأينا كيف يكون السراب حقيقة، ولم تثره حولنا عجاجات التاريخ، لأننا رأينا حقيقة جديدة من تاريخ جديد، ليس هو تاريخ الحروب والفتك والشقاء ولكنه تاريخ العمل والنهوض والرجاء).

ويبقى السبب الأخير في اهتمامي برحلة المصرية اللبنانية السورية الفلسطينية والأديبة العربية مي زيادة في طزاجة كلماتها، وسخونة مشاعرها بما رأته من نهضة تدب في مدينة السويس وكأنها عائدة منها للتو، وكأنني رأيتُ مي وصافحتها واستقبلتها على الباخرة وتناولتُ على نفس طاولتها أسماك البحر الأحمر التي تعشقني وأعشقها، ورأيتُ كم كانت سعادتها حين أتت السويس، وكم كانت سعادة السويس حين التقتها واستقبلتها حتى صارت رحلتها تاريخا يُضم لتاريخ السويس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق