قراءات ودراسات

من فصول انحطاطنا الثقافي والأكاديمي

محمد ياقين مترجما إدغار موران))

عبد الكريم البوزيدي
 

يشتكي البعض من التردي الذي بات يعرفه مشهدنا الثقافي، والذي صار ظاهرا في ما تنشره بعض الصحف والمجلات من مقالات، وفي ما تبثه بعض القنوات التلفزية والمحطات الإذاعية من برامج، إضافة إلى ما يصدر عن بعض المواقع الإلكترونية. ويشتكي البعض الآخر، كذلك، مما بات يلاحظه عند كثير من التلاميذ والطلبة، من نقص مهول في تكوينهم، إن على المستوى المعرفي أو على مستوى التمكن من اللغات الأجنبية. إنه فعلا وضع محزن ومفزع، ولا سبيل إلى تجاوزه إلا بالتعويل على التعليم في جميع أسلاكه قصد إصلاح كل هذه الأعطاب.
لكن أن يمتد هذا التردي ليصل إلى التعليم العالي نفسه، المعول عليه في الإصلاح، فهذه نكبة ما وراءها نكبة! طامة وبلاء لا نرى لهما من راٍد ولا رافعٍ !
لقد استولى على التدريس بالجامعة المغربية بعض الأساتذة الذين لا هم يفقهون أساسيات اللغة العربية، ولا هم يستطيعون إنشاء فقرة سليمة باللغة الأجنبية، ومع ذلك يهرولون نحو الكتابة والتأليف، بل منهم من يتطاول على النقل من لغة أجنبية إلى اللغة العربية، سندهم في ذلك محرك البحث «غوغل» أو، في أحسن الأحوال، قاموس فرنسي عربي مثل «المنهل»، مستغلين المستوى المتدني الذي بات يعانيه الطلبة فيما يخص تمكنهم من اللغات الأجنبية. فعوض أن يصرف هؤلاء جهودهم إلى تمتين تكوينهم وتعميق معرفتهم باللغات الأجنبية وتوجيه الطلبة صوب ذلك قصد الاحتكاك بالنصوص العلمية في مظانها، يقومون بإغراقهم بمقالات مهلهلة وبترجمات بائسة، لا بركاكتها وقلق عباراتها فحسب، بل بأخطائها البشعة وتصحيفاتها الشنيعة أيضا، وذلك مقابل دُريهمات تمنحها بعض المؤسسات الخليجية، دُريهمات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكنها في الوقت ذاته تحدث آثارا مدمرة على كثير من قراء العربية الذين يتوقون إلى الاطلاع على ما يُكتب باللغات الأجنبية، في حقل العلوم الإنسانية، منقولا إلى لغتهم الوطنية.
وكمثال على هذا النزق في الترجمة، استحضر ترجمة أنجزها الأستاذ محمد ياقين، مدرس علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، لنص لإدغار موران يحمل عنوان La complexité sphinx. وقد نُشرت هذه الترجمة في موقع مؤسسة «مؤمنون بلا حدود»
. لكن، من المضحك المبكي، في الآن نفسه، أنها نُشرت ضمن ما يسمى ظلما وبهتانا «أبحاث محكمة»؛ وسنرى أين هو التحكيم؟ وهل فعلا هناك من قرأ النص وتحقق من صحة الترجمة قبل نشرها؟
لن نقف عند الركاكة الشديدة التي شابت هذه الترجمة في مجموعها، والتي تدل على أن الأستاذ المترجم غير متمكن حتى من اللغة العربية، بل سنقتصر هنا فقط على إبراز بعض تصحيفاته وأخطائه في الفهم والتركيب والنحو؛ فمثلا، يقوم المترجم بنصب المبتدأ بغير وجه حق، كما هو الحال في الصفحة 9، إذ كتب: «فهذين الحوارين المعقدين والمتداخلين»، كترجمة لقول إدغار موران:
Ce sont ces deux dialogiques complexes et interférentes… )p. 6(
بدل أن يكتب: « فهاتان الحواريتان المعقدتان والمتداخلتان»
أما تصحيفاته في كتابة أسماء الأعلام، فهي دليل على أن الأستاذ المحترم محدود الاطلاع؛ فهل يُقبل من أستاذ جامعي ومُدرس للسوسيولوجيا أن يجهل كيفية ضبط اسم الفيلسوف الفرنسي ميشال سير Michel Serres، فيكتبه: «ميشال سيريس»؟ (ص. 8)، وأن يفعل الشيء نفسه باسم الشاعر اللبناني صلاح ستيتية، فينقله كما ينطق في الفرنسية Salah Stétiéهكذا: «صلاح ستيتياي»؟ (ص. 12.)؛ وكذلك الحال مع اسم الإثنولوجي الفرنسي روبير جولان الذي يكتبه: «جولاه»؟ (ص. 10)
ومن المصائب الكبرى التي لا يمكن قبولها هي أن يعتمد هذا الأكاديمي في ترجمته على محرك البحث غوغل؛ وإلا فلا شيء يبرر ترجمته لعبارة موران التالية:
C’est un principe d’arraisonnement, selon le mot de Heidegger (p. 5)
بما يلي: «يتعلق الأمر بمبدأ الصعود، تبعا لهايدغر». ص. 8.
لقد ذهلت عندما قرأت هذه العبارة، وتساءلت من أين أتى المترجم بكلمة «صعود» كمقابل لمفهوم arraisonnement المعروف عند هايدغر؟ فجربت وضع الكلمة الفرنسية على محرك غوغل للترجمة، فأعطاني «صعود»، فتبين لي أن الأستاذ لا عهد له بالترجمة وغوغل هو سنده فيما ما أنجز.
فقراء هيدغر يعلمون جيدا أن جل مترجميه الفرنسيين وقع اختيارهم على كلمة arraisonnement كمقابل للكلمة الألمانية Gestell والتي تنطوي على معنى الضبط أو التحكم (التقني في الطبيعة)، ولا علاقة لها لا من قريب ولا بعيد بالصعود أو الهبوط.
كما يترجم العبارة التالية:
L’incomplétude de la logique devenue instrument et non plus souveraine de la pensée (p. 10)
بما يلي: «وعدم اكتمال المنطق، الذي أصبح أداة ولم تعد أداة تفكير ذات سيادة». (ص. 12)؛ وهي، مع الأسف، الترجمة الحرفية التي يقدمها غوغل، بينما المقصود هو: «وعدم اكتمال المنطق الذي أصبح أداةً ولم يعد أبدا حاكما على الفكر».
ويظهر أن صاحبنا لم يفهم كلمة Vase الواردة في قول إدغار موران:
A la place des fondements perdus, il n’y a pas le vide mais une vase, une mer de boue sémantique (p. 10)
فيترجمها بـ «المزهرية» عوض الوحل أو القاع الموحل، هكذا، وبدون خجل:
«وبدلا من الأسس المفقودة، لا يوجد فراغ، بل مزهرية، “بحر من الطين السيمونطيقي”…» (ص. 12)
بينما المقصود هو التالي:
«لا يوجد مكان الأسس المفقودة فراغ، بل يوجد وحل، “بحر من الطين الدلالي”…»
ومن أكبر فضائح هذه الترجمة أن صاحبها يخلط بشكل معيب بين حروف الجر والضمائر والأزمنة ولا يعرف التفريق بين الفاعل والمفعول به، ولا بين المصدر والاسم؛ إنه يجهل أبسط قواعد اللغة الفرنسية، وبذلك يُضيّع المعنى ويُضيّع معه القارئ الذي هو في الغالب طالب لا يملك القدرة على قراءة النص باللغة الفرنسية. وأقدم بعض الأمثلة من هذه الفضائح:
لقد ترجم الأستاذ محمد ياقين:
mais on sait que l’esprit grec a fini par vaincre culturellement son barbare vainqueur (p. 6)
بما يلي: «ولكن من المعروف أن العقل اليوناني هزم، في النهاية، المنتصر عليه، البربري ثقافيا» ص.9.
ولم يفهم أن اليونانيين القدماء انهزموا عسكريا أمام خصومهم الرومان، ولكنهم في المقابل انتصروا عليهم ثقافيا.
فكان عليه أن يترجم العبارة على النحو التالي:
«لكننا نعرف أن العقل اليوناني انتهى به الأمر أن هزم ثقافيا خصمه البربري».
كما أنه ترجم قول موران:
clair/obscur (p. 11)
بــ: «الوضوح / الغموض» )ص. 13(.
بدل: «الواضح/ الغامض»
وترجم:
Il y a une association antinomique (p .3)
ب: «هناك علاقة عكسية» )ص. 4(.
والصواب: «هناك جمع متناقض»
وترجم أو نقل عن غوغل ترجمته قول موران:
le problème où cette logique est défiée (p. 9)
بما يلي: «المشاكل التي تتسبب في تحدي هذا المنطق». (ص. 11)
عوض: «المشكلة التي يواجه فيها هذا المنطق ضروب التحدي»
وورد في نص إدغار موران ما يلي:
Incapable d’envisager le contexte et le complexe planétaire, l’intelligence aveugle rend inconscient et irresponsable (p. 4)
فترجمها باحثنا كما يلي:
«وباعتباره غير قادر على تصور السياق والمركب الكوكبي، يغدو الذكاء الأعمى فاقدا للوعي وغير مسؤول» (ص. 7)
لم يتبين المترجم أن الذكاء الأعمى هو الذي يجعل الناس غير واعين وغير مسؤولين وليس هو الذي يصير فاقدا للوعي وغير مسؤول.
أما صواب الترجمة، فهو:
«لما كان الذكاء الأعمى عاجزا عن النظر في السياق وفي المركب الكوني، فإنه يجعل الناس غير واعين وغير مسؤولين»
وترجم العبارة التالية:
Mais le barrage a retenu une partie des limons qui fertilisaient la basse vallée et une partie des poissons qui nourrissaient les riverains (p. 3)
بما يلي: «لكن السد احتفظ ببعض الطمي الذي قام بتخصيب الوادي السفلي وبعض الأسماك التي تغذي ساكنة الضفاف» )ص. 6(
وهو بهذه الترجمة قلب المعنى كلية، فجعل الوضع الذي كان سائدا قبل بناء سد أسوان، سائدا بعد بنائه، إضافة إلى أنه لم يفهم بعض الكلمات، فترجمها ترجمة حرفية شوشت على المعنى المراد، ولعمري إن بعض تلاميذ الثانوي لا يمكنهم أن يقعوا في مثل هذا !
فالمقصود بعبارة موران هو:
“لكن السدَّ حَبس جزءا من الطمي الذي كان يُخصب الدلتا، وكمية من الأسماك التي كانت تغذي سكان الضفتين”
وترجم العبارة التالية:
On est même arrivé au paradoxe structuraliste, qui liquide la notion d’homme et bien entendu celle de sujet (p. 7)
ب: «بل إننا انتهينا إلى المفارقة البنيوية، التي تشتغل على مفهوم الإنسان وبالطبع على فكرة الذات» (ص. 9)
بغض النظر عن التمكن من اللغة الفرنسية، فإن من له معرفة أولية بالبنيوية يعرف جيدا أن هذا الكلام لا يستقيم، بل عكسه هو الصحيح، وهذا مع كامل الأسف يطرح أسئلة على ماذا يدرس هذا الأستاذ لطلبته. إنه لم يدرك أن الترجمة السليمة هي:
«بل تَمَّ الوصول إلى المفارقة البنيوية التي تلغي مفهوم الإنسان وبطبيعة الحال مفهوم الذات».
أما عبارة موران التالية:
C’est après que l’Europe ait cessé d’être le centre hégémonique de la planète )p. 8(
فقد فهم منها العكس تماما، حيث ترجمها على النحو التالي:
«وبعد أن أصبحت أوروبا مركز الهيمنة على الكوكب» (ص. 10)
بينما المقصود هو: أن أوروبا توقفت عن كونها المركز المهيمن ولم تصبح كذلك كما فهم المترجم
فالصواب هو أن تُترجم العبارة بما يلي:
«فإنه بعد أن كَفَّتْ أوروبا عن كونها المركز المهيمن على الكوكب»
وترجم العبارة التالية:
Enfin, la connaissance scientifique, qui se croyait dans une tour d’ivoire supra-sociale, est devenue un objet pour l’histoire et la sociologie (p. 9)
بما يلي: «وأخيرا، أصبحت المعرفة العلمية، التي كانت تعتقد بوجود برج عاجي متعالي عن الاجتماعي، موضوعا للتاريخ والسوسيولوجيا» (ص. 11)
لم يفهم المترجم أن إدغار موران يقصد من عبارته أن المعرفة العلمية، بعدما كانت تظن نفسها في برج عاجي، صارت هي نفسها موضوعا للتاريخ والسوسيولوجيا.
وبالتالي تُترجم العبارة كالتالي:
«وأخيرا فالمعرفة العلمية، التي كانت تظن نفسها في برج عاجي يعلو على المجتمع، صارت موضوعا للتاريخ والسوسيولوجيا»
ترجم الأستاذ عبارة موران التالية:
et nous oblige même à revoir nos évidences y compris le temps et espace )p. 11(
بما يلي:
«كما أننا ملزمون بمراجعة بداهاتنا، بما في ذلك الزمن والمجال» (ص. 13)
عوض أن يترجمها ب:
«ويلزمنا حتى بمراجعة بداهاتنا ومن ضمنها الزمان والمكان»
ثم ترجم قول موران:
Comment maintenir la logique tout en la transgressant? Comment intégrer l’indécidable? (p. 14)
بما يلي: « كيف يتم دعم المنطق بينما يتم تجاوزه؟ كيف يتم دمج ما لم يخضع للبرهنة؟» ص. 15

بينما المقصود هو: « كيف نبقي على المنطق مع خرقه في الوقت نفسه؟ وكيف نضع في الحسبان ما لا يقبل البت؟»
وترجم ما يلي:
La complication est comme un écheveau qui pourrait être démêlé si l’opérateur dispose d’assez de finesse dans ses moyens d’observation et d’analyse (p. 14)
بـ «فالتعقد يشبه خصلة شعر يمكن فكها إذا كان العامل يتوفر على وسائل ملاحظة وتحليل تتسم بدقة كافية» (ص. 15)
عوض أن يترجمها كالتالي:
«فالتعقد مثل كومة خيوط يُمكنها ان تُفك إذا كان من يقوم بذلك يتوفر على ما يكفي من الدقة في وسائل ملاحظته وتحليله».
إذ نلاحظ أن المترجم لم يتبين معنى écheveau فترجمها بخصلة شعر عوض كومة خيوط، كما لم يفهم كلمة opérateur، فترجمها بالعامل دون أن يدرك أن المقصود هو من يقوم بفك كومة الخيوط.
وقبل ذلك كله، ترجم عنوان مقال إدغار مورانComplexité sphinx بــ “التعقيد المتعاظم”! في حين أن معنى كلمةsphinx في نصوص المؤلف هو الممعن في الغموض أو المحير أو الملبس…إلخ. فلا علاقة للكلمة هنا بأبعاد أبي الهول الهندسية.
هذه فقط عيِّنات من هذه الترجمة الفضيحة التي تسيء، في المقام الأول، إلى صاحبها، وتسيء، في المقام الثاني، إلى المؤسسة التي نشرتها ضمن أبحاثها المحكمة، وتسيء، في المقام الثالث، إلى من يقبل بنفسه أن يكون ضمن لجنة التحكيم دون أن يقوم بعمله على الوجه الأتم. كما تطرح أسئلة محرجة على جدية المشهد الثقافي العربي الذي تسمح منابره بنشر مثل هذه الترجمات، وتسائل أيضا نظامنا التعليمي الجامعي وتربك حسابات كل الداعين إلى التعريب.
إن من شأن مثل هذه السلوكات أن تجعل القارئ يفقد الثقة في جميع الترجمات العربية، وفي كل المجلّات التي تقول عن نفسها إنها مجلات محكمة، فاتقوا الله، أيها المترجمون والناشرون، لعلكم ترحمون.

*مفتش وطالب باحث من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

5 آراء على “من فصول انحطاطنا الثقافي والأكاديمي”

  1. هل صاحب هذه الفضائح جامعي؟؟؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. يجب تطهير الجامعة الجزائرية من هؤلاء الأغبياء—

  2. ياللهول ! هل هذا مستوى أستاذ في الجامعة؟ فعلا علينا أن ندق ناقوس الخطر ونخاف على أبنائنا من مثل هؤلاء. رحم الله الجامعة العمومية إن ابتليت بمثل هكذا أسااتذة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على إفلاس التعليم العمومي.

  3. الفضايح ما فيها استثناء. شحال من عمايم فوق رووس البهايم كما يقول المثل عندنا

  4. سأستعير من دولوز صفة البهامة لأنها بالفعل أضحت تسم عصرنا الحالي الذي يؤسف للوضع الذي آل إليه ، فتترجمة نصوص الفلسفة المعاصرة خاصة أو بالأحرى جعل الفلسفة تتكلم اللغة العربية ليس بالأمر الهين و يحتاج إلى عصامية نادرة وجهد ذاتي وإلى إلمام واسع بتاريخ الفلسفة لأنه لا توجد فلسفة تبدأ من الصفر بل إن كل فلسفة تقوم على أنقاض فلسفات أخرى وهذا حال الفلسفة المعاصرة فهي فلسفة فوقية ترجع إلى فلسفات سابقة ومهمة المترجم تستدعي الانتباه لهذه الشروط والا نتباه أكثر إلى اللغة وإلا فإن الترجمة في غياب هذه الشروط تظل مبتورة المعنى.بل خيانة للنص الأصلي .

  5. غالبا أن هناك تصفية حساب لا أكثر, كفى من التعالم الفارغ, كل واحد يمكن أن يرتكب الأخطاء,,حتى أنت يا (عبدالكريم البوزيدي) ارتكبت أخطاء فاضحة في تعبيرك وترجمتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق