قراءات ودراسات

محمد الصالح باوية الشهيد الذي لا قبر له.. رحلة بكتاب

"محمد الصالح باوية الشاعر الطبيب والمجاهد الشهيد"

كتب : غزال مراد

قال الشاعر وصاحب المؤلف الدكتور صلاح الدين باوية

“يافارس الحرف إن قتلناك …ما أهنأ الدنيا وأشقاك “

بهذا البيت من قصيدته “ياشاعر الثورة وفارسها ” الذي يعتبر مدخلا عميقا صدر الكاتب ابن مدينة المغير والذي تربطه علاقة عائلية بالشاعر الجزائري الكبير محمد الصالح باوية كتابه الصادر عن دار الماهر سنة 2019 تحت عنوان “محمد الصالح باوية .الشاعر الطبيب والمجاهد الشهيد ” كتاب من 210 صفحة .

يستهل كتابه بتقديم يرسمه الشيخ عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الحالي يذكر فيه بعض مناقب الشاعر الطبيب ويُذكر ببعض مرافقيه بمدينة المغير إبان دراسته .وكذا إسهاماته الأدبية وعنون مقدمته تلك ب” دمعة وفاء على أديب الأطباء” وكأنه يعزف نفس نوتة الغصة التي استثارت كاتبنا “صلاح الدين باوية ” ليخط كتابه .

قُسم الكتاب إلى سبع فصول إستهلها ب

_”لمحة عن المغير مكان الميلاد والنشأة ” .

يسوح بنا الكاتب بمسقط رأس الأديب محمد الصالح باوية فيمر بنا عبر تاريخها وأهم محطاتها المفصلية وكذا البعثات الطلابية لشبابها أواخر الثلاثينات حتى الخمسينات من القرن الماض والنشاط الثقافي آنذاك .مارا بنا على بعض شهداءها خاتما هذا الفصل بعنوان جميل “مدينة المغير بعيون بعض الشعراء ” لتتعطر تلك المدينة التي يحتضنها الجنوب الشرقي والمزهرة بآلاف النخيل من أبيات منتقاة من ذائقة شاعر وتليق بتاريخها المضئ .فنجد بيتا لشاعر الثورة مفدي زكرياء يقول فيه

“وتُذكي المغير غيرتها …فتنصبُ نحو صراع طويل “

كما خصها “محمد الصالح باوية ” بقصيدة عنوانها “الرحلة نحو الموت ” واصفا فيها الفيضانات الطوفانية التي ضربت المغير سنة 1969(عام النكبة ” كما يصفها ساكنتها) .والتي قال بتقديمها (الفيضانات الطوفانية في واحة المغير بالجنوب الجزائري أتت بالأخضر واليابس لكن الذي حدث بعد الكارثة طوفان أشد وأقسى من الكارثة )

والذي يقول في مطلعها

“مُذ نتأت في الشيءِ

في الإنسان ،

أعراف الصفات

يمتد ،

يمتد ذراع النخلة السمراءِ،

يطوي غُلتي ،

يشربني آهة ليل ،

في بخر الظلمات .

إلى آخر القصيدة .وكذا وضعنا أمام العديد ممن تغنوا بهذه المدينة الجميلة.

-ثانيا “محمد الصالح باوية الإنسان ” .

يمكث بنا الكاتب بهذا الفصل عند نسب ومولد وحياة الشاعر الكبير محمد الصالح باوية .وكذا شخصيته وأخلاقه مطعما كلامه بوصف شيخ المؤرخين ابو القاسم سعد الله عن شاعرنا الكبير ” كان باوية دمث الأخلاق متواضعا أديبا بالطبع ،إنساني المشاعر جميل الدعابة …”

وكذا بعثته للكويت وتخرجه طبيبا من بلغراد ومشاركته عند العودة لمدينته لإحياء وبعث بعض النشاطات الثقافية ليحط بنا عن أهم نشاطاته والتي يقول فيها الدكتور عبد الملك مرتاض “كانت تربطني به صلات حميمية ،فقد سافرنا معا إلى يوغسلافيا سنة 1971حين حضرنا مهرجان الشعر العالمي الذي يعقد في مدينة _ستروقا_الرائعة الجمال .على ضفاف بحيرتها العجيبة كل عام وكان الوفد الجزائري مكونا من بلقاسم خمار ،محمد الصالح باوية ،حمري بحري ،وكاتب هذه الأسطر هو ضيف الشرف لذاك العام .فكنا محل حفاوة وتقديم خاصيين في تلك المدينة التي يقطنها الكثير من المسلمين .وكان الذي يسهل تعاملنا اليومي مع السكان إتقان باوية للغة المحلية.

_ثالثا “محمد الصالح باوية الشاعر ” .

يسوح بنا المؤلف بين طيات 30 وريقة متخمة بالكلام عن محمد الصالح باوية وديوانه “أغنيات نضالية ” المطبوع سنة 1971 (الشركة الوطنية للنشر والتوزيع )والذي أعيد طبعه سنة 2008 والذي قال فيه الشاعر الطبيب “أفيد بالطب أكثر مما أفيد بالشعر ” مشيرا أن شاعرنا ربما يملك أشعارا أخرى بعيدا عن “أغنيات نضالية ” وذلك من بعض الإشعار المنثورة ببعض الصحف .

يضعنا الكاتب أولا مع الشاعر الطبيب وقضايا عصره ،وقضية وطنه التي كان يهيم بها ألا وهي قضية وطنه فهو الشاعر المجاهد بقلمه ورؤاه .

فيقول بقصيدته “إنسان الطريق”

دمدم الرعد وهزتنا الرياح

حطمي الأغلال وأمضي للسلاح

حطميها …وأهتفي ملئ الأثير

يا طغاة أشهدو اليوم الأخير .

وكذا القضية الفلسطينية التي قال بقصيدته “الصدى” والتي جاء في مدخلها والذي هو عبارة عن إهداء إلى طفلة فلسطينية .

….وتمضي السنون

وإني أحس

أحس الأسى وحبيس الألم

تدفق نورا ودمعا ودم .

مارا بمعركة القناة فالوحدة المصرية السورية التي أطرب فيها شعرا أيضا .

ولم يشأ المؤلف أن يغادر فصل “الشاعر الطبيب ” ليلامس برفق وشاعرية “المرأة في شعره ” حيث يقول بقصيدته “فدائية من المدينة “

مجهولة

تطوي البحار وتلال

لا تقتني غير طرود وسلال

تهديك أثقال السلال

تهدي الصبايا كل أصناف الغلال

ثم ينزل بنا عند ” محمد الصالح باوية الشاعر بعيون النقاد ” فيعيب أن الشاعر لم يأخذ حقه حيا ولا ميتا .

حيث يقول الباحث “محمد مصايف ” مبديا رأيه ب “ديوان أغنيان نضالية ” من أحسن مانثر في الشعر الجزائري الحديث وإن قراءة هذا الديوان تمد صاحبها بتجربة جزائرية جديدة تستأهل الإشادة والتقدير “.

أما الباحث والشاعر ” محمد ناصر ” فيقول منوها ببعض خصائص الصورة الفنية عن الشاعر الطبيب :”ونحسب أن أهم شاعر جزائري من شعراء الإتجاه الجديد إستطاع أن يوظف المعادل الموضوعي في صور هو الشاعر محمد الصالح باوية ” .

أما ب”مكانته في حركة الشعر الحر ” .

فيقول الباحث “محمد ناصر “عن تجربة شاعرنا في التجديد الشعري “…و باوية يعد من أبرز رواد الشعر الحر الجزائري الحديث ومن أجود الشعراء الجزائريين تعبيرا وتصويرا “

ثم يدنو بنا المؤلف إلى “وقفات من شعره ” ليظهر إشتغال الشاعر بالصنعة اللفظية ولغته البسيطة الماتعة .
ففي قصيدته “الصدى “يقول :
وأذكر جدي
ينومنا يأغاني الطفولة
وتنسل من شَعره الأبيض

كنوز الحكايات …ذكرى البطولة

معرجا بنا بعدة قصائد تعالج قضايا عدةوقد شدني ذاك المقطع من قصيدته “رحلة إلى الموت ” لأنها تلمست فترة من تاريخ مدينة المغير التي أتشاركها أنا والمؤلف وشاعر الكبير محمد الصالح باوية إبان الفيضانات (عام النكبة ) إذ يقول :

يا بائع الشيح إنتظِر
الغول ،

يغتال بذور الشيح في دفق دمي .

يغرق أحبابي ،

يهيل التراب في ملء فمي

يا بائع الشيح

أجوب التيه عن ذرة شيح .

وفي آخر هذا الفصل يتبعه بصور لقصائد متناثرة بالصحف كدلالة على وجود مخطوطات دواويين أخرى للشاعر لم ترى النور وكذا عدد من عناوين مذكرات التخرج التي إشتغلت على أعمال شاعرنا الطبيب محمد الصالح باوية.

-يغادر بنا المؤلف من شعرية محمد الصالح باوية وأثرها البالغ في الحركة الثقافية الجزائرية ليسكننا بفصله الرابع المعنون “محمد الصالح باوية الطبيب “.

عاد محمد الصالح من بلغراد بشهادة دكتورا في الطب العام واحتفت به مدينته المغير أيما إحتفاء سنة 1968 فالتحق بمستشفى الدويرة .

ويسرد لنا صديقه عثامنية حادثة جرت بينه وبين الأستاذ الفرنسي (البروفيسور مارتيني ) و الذي يعتبر أحد الفرنسيين الذين أختارو البقاء بالجزائر بعد معاهدة ايفيان عندما أراد محمد الصالح باوية إكمال التخصص بالعضام وكيف طلب منه البروفيسور مارتيني إعادة دراسته كاملة قبل الإلتحاق بالتخصص عندما سمع أنه عروبي ودرس بيوغسلافيا .

ولكنه بنهاية المطاف إختار مشرفا جزائريا (البروفيسور مهدي) وبات جراحا للعضام بنفس المستشفى “الدويرة .

ومن ثم فتح عيادته الخاصة بأولاد ايعيش بالبليدة وأرفق هذا الفصل بصور لمجموعة مقالات كتبها شاعرنا الطبيب ببعض الجرائد عن الثقافة الطبية.

-ليفاجئنا بالفصل الخامس “محمد الصالح باوية المترجم ” .

إتقانه للعربية على يد شيوخه بمدينته وكذا بالمعهد الباديسي بقسنطينة .واليوغسلافية التي درس بها الطب والفرنسية التي إظطره التخصص إتقانها خوله للمشاركة في اللجنة التي أعدت لعقد مؤتمر التعريب في الطور الثانوي والتي لم ترى النور آنذاك .

-سادسا “محمد صالح باوية مجاهدا “

بدأ بعضويته باتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين. في إطار جبهة التحرير الوطني .بل هو من كان الموقع على إلتماس الطلبة الجزائريين بالكويت وسوريا رغبتهم الإنظمام لثورة التحرير .وسُمع أكثر من مرة بإذاعة صوت العرب صادحا بشعره وكلماته .وكذا كتب عدة مقالات بصحف تونسية وكويتية تشيد بالثورة المباركة .بل أكثر من ذلك فقد نشر قصيدته “الشعب والثورة ” في مجلة فرع الإستشراق “الأمل ” باللغة الصربوكرواتية .فقد كان أحد ألسنة الثورة كاتبا وشاعرا مجاهدا بالكلمة الثائرة ،سليطا على مستعمر غاشم ينخر بلاده وباعثا الأمل بثورة فتية يتبناها شباب آمنوا مثله بالوطن .وقد عطر المؤلف هذا الفصل بقصيدة “ساعة الصفر ” لشاعرنا محمد الصالح باوية والتي أفرد لها الدكتور عبد الملك مرتاض الفصل الثامن من كتابه “أدب المقاومة الوطنية 1830_1962″ حيث عنون هذا الفصل ب”تباشير النصر في قصيدة ساعة الصفر ” ووصفها في كتابه “معجم الشعراء الجزائريين في القرن 20 في معرض حديثه عن محمد الصالح باوية “وقد تكون قصيدة ساعة الصفر أجمل قصيدة قيلت ليلة الفاتح من نوفمبر حتى الآن ،كما هي أحدث قصيدة وأجدها كتابة في نوعها ايضا “

وقد فرد المؤلف قصيدة “ساعة الصفر “كاملة ،نذكر منها

ساعة الصفر انفجارات عميقة
يقظة الإنسان ،ميلاد الحقيقة
في الذرى ،في الطفل ،في كوخ الصديقة
في رفاقي ، حفر الفجر طريقه
في دروبي ، في المغارات العتيقة

قصيدة ماتعة قوية تشعرنا بلحظة إنطلاقة الثورة المضفرة .

فيقول الباحث عبد الله ركيبي “أن الشاعر في هذه القصيدة يعرض للماضي ويوغل في تصوير مآسيه ثم يرتد إلى الحاضر الذي تفجرت فيه الثورة ويرسم صورة لهذا التغيير الذي حدث في هذا الواقع ، ويكرر في الخاتمة فكرة الميلاد ،فكما يولد الإنسان تولد الشعوب في لحظات مخاض عظيمة “

ثم يعرض المؤلف بهذا الفصل كعنوان فرعي “رسائل بخط يده ،أدب الرسائل “

حيث يورد مجموعة من الرسائل بين شاعرنا محمد الصالح وبعض أصدقائه ،خصوصا صديقه وابن بلدته الشيخ الأزهاري ثابت .مرفوقة بصور الحقيقية لتلك الرسائل .

ثم يضعنا المؤلف أمام عنوان فرعي آخر “قصائد ومعلومات بخط يده ” إذا يرينا صور مجموعة من الوثائق والرسائل بخط يد شاعرنا محمد الصالح وذلك لنتبصر بروح ذاك الشهيد الثائر ومعاناة غربته

-سابعا “محمد الصالح باوية الشهيد الذي لاقبر له ” .

وهو فصل مهم يختم المؤلف كتابه به ليجلي الغشاوة عن الرواية الحقيقية لإختطافه .فيسرد لنا المؤلف قصة إختطاف شاعرنا الكبير محمد الصالح باوية ليلة 7 من أفريل 1996 من طرف جماعة مسلحة مستشهدا بصور لوثائق رسمية حررت من شرطة البليدة سلمت لزوجته السيدة ماريا فيلار .

ثم يعرج بنا إلى النص المقرر بالمنهاج الدراسي باسم ” الإنسان الكبير” وما شابه من أخطاء حتى نعت المؤلف القصيدة أنها شوهت “للإنسان الصغير”

أما ختاما فقد عايشت محنة شاعرنا محمد الصالح باوية والذي نتقاسم أنا وهو والمؤلف مدينة المولد بهذا المؤلف الجميل الذي يؤرخ لمرحلة وشخصية لامعة بالتاريخ الثقافي الوطني ….

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق