ثقافة السرد

الخطيئة المقدسة

 عبد القادر جلاجل

جفت الينابيع ، ونزحت* الغدران وقست الحجارة وصارت اعمارها تعد بالقرون وهي لم تبلغ سنين الفطام بعد .. ..
في خيمة العرافة تحلقت الوجوه المشققة ، حول كفيها وهما ترسمان خطوط استنطاق الماضي والآتي ، ثم بعد أن أينع لب الشمس ، قالت بصوت يكاد يختنق ،
– ان هذا الجدب سيمتد عمرا اخر..
غمغمت حينها الاصوات الوجلة المرعوبة ، ثم هتف صوت واهن ..
– وما الذي تطلبه الألهة يا بصارة ؟ ..
تطلعت الكاهنة في رسوماتها ورفعت كفيها ثم حدقت في وجوه الساهمين حولها وقالت بصوت أصم مرتعد وقد كست غبرة الموت أخاديد وجهها ،
– إيه إيل* العظيم ، لا يتفجر النبع الا من عين الحمأ ، لا برء للجرباء الا من صديدها ، إيه إيل العظيم ، يوم تفتح أرتاج* الغفران ..
وخرت رأسها ويداها ، ثم ران الصمت ، وما لبثت ان تصاعدت في أرجاء الخيمة وحولها همهمات التساؤل واليأس .. ، وفي الطرف كان إيساف آخر من لمح نظرة العرافة تشق رأسه كأنها تعلم ما يجول بها ..
طاف الخبر سريعا بين نجوع* الصحراء ، وتناقلت الافواه تأويل الرؤيا المشؤومة ، بأن الالهة تطلب فعلا محرما ليحل رضاها وترفع عنهم الجدب ، كما كان فعل أبيهم يوم اكل من ورق الخلد ، فأنبثقت الحياة وكان الكون . ولم يكن لأحد ان يعبر ما كنه ذلك الفعل المحرم المطلوب أو ماهو موعد فتح أرتاج الغفران ، إنها لعنة مستحكمة لا يملك احد مفاتيحها .
منذ ان منعوا عنه نائلة ، وجحدوا حبهما ، كفر ايساف بآلهة قومه ، وعزم ان يهجر عبادة إيل ، بعد ان أبى ان ينصفه فيها وقد بات يصلي له سبعا بلياليها ، ونحر عنده جمله الابلق صفوان ، وكان قرة عينه ، فما زاده كل ذلك الا نفورا وقسوة ، خلف ذلك في نفس ايساف أعظم الخراب ، فوطّن قلبه ان يتحول عن إيل الى عبادة إلهته نائلة .
ما كاد ينفض مجلس العرافة ، حتى قصد ايساف مغارته ليتم نحت نصب معبودته وقد احتضنها بين يديه ، انه يجد غايته في عبادة من يحب ، ومن لا يملك الا ان يحبها ، من غشت فؤاده ، واستبدت بجوارحه ، من لا تغيب عن خاطره ساعة في ليل او في نهار ، في يقظة او في منام ، من تتبدا لناظريه انى ولى وجهه ، من ترتسم بين حجارته وإزميله ، كأنما يزيح عنها غلالة لا اكثر ، من تتخللها يداه وسمعه وبصره وكل كيانه ، فلا يفقد من الاحساس بها شيئا ، ولا يغيب عن شهودها طرفة عين ، هي معبوده الذي اذهله عن كل ما سواها .. ..
في قابل* ، وكما انتوى في خيمة العرافة ، كان نصب نائلة بين احضانه جاهزا للمسير ، فأعد ايساف بعيرين ، واحد لركوبه وحمل متاعه والاخر افرده للنصب ، وقبل هلال عن موعد الحج ، انطلق ركب جُرهُم* قاصدا ام القرى ، فبلغها بعد إحدى وعشرين ليلة ، فلما اشرفوا عليها ، كانت ابوابها الاربعة تزدحم بوفود القبائل من كل صوب ، بين راكب وماش ومحمول على محفة طالبا للشفاء ، وبين صبي جيء به لتباركه يد إيل المبجل، وهرم طامع في صفح الاحبار لينال ميتة رحيمة .
في ثالث ليال الحج ، كان إيساف منتحيا بربوة قريبة ، يطالع من وفقها البيت وينتظر ان يخف وطء المتحلقين في طوافهم حول الكعبة ، وبجانبه غطى بإزار اسود نصب نائلة بين احضانه ، يتحين فرصته لتنفيذ ما عقده في خاطره داخل خيمة العرافة .
هجع الليل وارتقى سهيل* مدرجه ، وحول البيت خفت حركة القوم ، وفي الانحاء ارتفع رغاء وهدير الابل التي بدأ اصحابها يعدونها للمغادرة ، وفي اثناء ترقبه، لمح إيساف امرأة تأتزر* سوادا و تضع نطاقا من الفضة ، تحث سيرها قبلة البيت ، لم يتردد لحظة واحدة وهب قلبه يعدو ويسبقه نازلا الربوة تجاهها ، ماكان فؤاده ان يخطيء ريح نائلة وإن على نور أوهن من نور سهيل النحيل ، لم يفته ان يتنكب نصبه خلفه ، ويطلب معبودته وقد لاحت له بعد دهر .
ارتقت المرأة الدرجات ودلفت البيت ، وبعد لحظات كان ايساف ايضا داخل الحرم ، إلتفت مبهوتة ، واتقد حشاها بالرعب لوهلة ، ثم عرفته حتى قبل ان يميط لثامه ، ووقعت بين يديه ، فأفلت النصب عن كاهله ، واستلم شفيتها بأحر من نار المجوس ، وانطرحا ارضا ، يفرغان عليها من جمر ما سكن فؤاديهما ، حتى انفلقت نجمة الفجر عشتار . *
دخل الحبر البيت ساعة الضحى ، ثم خرج صائحا نائجا بأعلى عقيرته ،
– هلموا الي .. هلموا يا اهل الصلاح ، هلموا انا هالكون وقداسة إيل ..
وفي لحظة ، كان صحن الكعبة لا يرى فيه موطأ قدم ، ودوى صوت كبير الكهان ..
– لقد هلكتم يا قوم ، انظروا ما فعلتم بفجوركم
.. وتنحى عن باب البيت ، فبدا نصب رجل يحتضن امرأة وهما عاريين كما خلق ابواهما اول مرة ، ففغرت الافواه وتعالت دمدمات الغضب واللعنة ، وقال قائل من جرهم ..
– هذا الفاسق ايساف وتلك البغي معشوقته نائلة ..
واكد القول صوت اخر ، وصوتان .. تتبعهما اللعنات ، وعقب كبير الكهان ..
– قد فجرا داخل الحرم وفي الشهر الحرام ، والليلة الحرام ، فنالا العقاب والخزي ومسخهما ايل حجرين .. ، غفرانه ايل ، .. ايه ايل غفرانك وصفحك . ..
فردد القوم الصلاة ..
– غفرانك ايل .. غفرانك وصفحك
وما كادوا يفعلون ، حتى تكاثف الغيم واحتقن وجه السماء وكسفت الشمس ، حينها نادت العرافة من ركن قصي ..
– .. بوركت إيل ، هذا نذرك قد بلغك ، وهذا وعدك قد تم .. ابشروا يا قوم ، لقد رضي ايل عن عطيتكم ، ورفع سخطه عنكم .. ، وارتضى لكم ان تنحروا عند النصب الذي انهى جدبكم ..
اتمت العرافة كلماته ، فأبشرت الوجوه وامتدت الايادي تحمل النصب وتتبرك به ..
في أعلى الجبل مما يلي ام القرى شرقا ، كان ايساف ونائلة على جملين يغيبان في سيرهما بين استار المطر المتدفق ارتالا من السماء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نزح الغدير اذا جف ماؤه
*ايل اسم إله قديم
*ارتاج جمع رتاج وهو الباب العظيم
*نجوع وهي القبائل
*قابل بمعنى العام الموالي
*جرهم اسم قبيلة عربية وهي قبيلة ايساف
*سهيل اسم نجم
*تأتزربمعنى ترتدي إزارا وهو رداء فضفاض
*عشتار هي نجمة الصباح وربة الحب والانوثة والخصب في بابل القديمة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق