ثقافة السرد

انشطار فُؤاد

*أسامة طبش

وهو يقرأ الرسالة شفتاه ترجفان متمتمة حروفها، بدأت القشعريرة تسري بكامل مفاصل جسمه، أصابه الدوار وكاد يغمى عليه من على الكرسي بمكتبه، كان للكلمات وقع قاس جدا على قلبه، لم يقوى على تحمل ألمها، فدمعت عيناه سحا على وجنتيه. خالد شاب طموح في عقده الرابع، تلقته بلاد الغرب فبرّز في مهنة الطب وأصبح قامة يُشهد لها بالكفاءة، له أياد بيضاء كثيرة ونجاحات عديدة ملأت كل سماء، أخبار انتصاراته كست جلّ الجرائد والمجلات.

بمجرد أن حصّل منحة للدراسة بالخارج نظير تفوقه، طار كحمام مهاجر يرنو مستقبلا أفضل مشرقا، حقق ما أراد ووُفّرت له شروط النجاح، فنابغة مثله يستحيل إفلاتها وعدم الإفادة منها قدر المستطاع !! عُرضت عليه مغريات وكماليات لم يكن ليحلم بها، استسلم أمامها وراح يجسد أحلامه على أرض الواقع، بعد أن كانت شبه سراب يغري كلّ لهثان.

لم يعد يربطه ببلده إلا خيط رفيع، إنها ووالدته وحبّة فؤاده، راقدة هي بالمستشفى بين حياة وموت، تصارع المرض الذي حل بها، رغم أن إخوته قد أحاطوها بروحهم العانية، إلا أن قلبه قد فطر على الهيام بها، تذكر جيدا كيف كانت تناديه وهو بالحي يلعب الكرة حافي القدمين، تسأله ولوج البيت والانكباب على مراجعة دروسه، مُرددّة على مسامعه بأن شأواً كبيرا ينتظره بالمستقبل.

دخل قاعة المحاضرات والوقت ينفد من بين يديه، طيف أمه يلازم مخيلته ولا يقوى حتى على طرده، تجرع مرارة الذكرى وانطلق كعادته في شرح الدرس، راح يفصّل ويدلّل ويدقّق ونظرات الطلبة شاخصة مشدوهة من قريحته الفذّة، لم يترك شاردة ولا واردة إلا وتناولها وجلّاها، هو كفارس امتطى صهوة حصانه وراح يركض بأقصى سرعة.

في الغد تتناول الصحف أخباره، تنسب أعماله وأبحاثه لذلك البلد، وحُقّ لهم ذلك طالما أنه حامل للجنسية! عُدّ من أهلها واحتضنوه ووفروا له كل ما يُجدي نفعا في سبيل رُقيّه، النزر اليسير له تقانة متمكنة في تخصصه، الجميل الذي لهم عليه حقيقة لا يمكن له تغاضيها أو نفيها.

انشطر فؤاده بين أمه وحياته تلك، أمه الّتي سقته من نبع حنانها وأرضعته حليب العزة والكرامة، القيم التي تشرّب معانيها، معينها لم ينضب وظل ثرّارا مدرارا في روحه، مُعتزّ هو بأخلاقه وتفانيه الذي يمليه عليه ضميره الحيّ.

أمه تُصارع الموت، تمنى من أعمق أعماقه أن تستعيد عافيتها ويرشف من أحاسيس عمرت قلبه، حتى وإن لم يُيَسَّر له سبيل وضع لبنة كان يتمنى أن يضعها، لكنّه بقي شامخ الرأس لم ينكر يومًا منشأه؛ إنها الأم، إنه الأب، إنها الأخت، إنه الأخ، إنها الابنة، إنه الابن، إنها الخالة، إنه الخال، إنها العمة، إنه العم..، إنها وشائج وأواصر توطّدت فينا، تحكي حنينا لأوطان وحلما جميلا، حنين راود كل مغترب بأن يعود يومًا إلى بلده، ليعيش بين أهله وخلّانه.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق