ثقافة المقال

كناباست.. الشجرة التي….

تجربة نضال ميدانية

الطيب طهوري

أنهيت خدمتي الوطنية (العسكرية) بداية العام الدراسي 1977/1978.. راسلت مدير التربية أعلمه بذلك حتى أعود إلى منصبي في ثانوية ابن رشيق التي كنت قد ترسمت فيها أستاذا قبل التحاقي بتلك الخدمة.. راسلت أيضا مدير الثانوية..  لم اجد منصبا شاغرا في الثانوية.. وجدت بدل ذلك قرارا بتعييني أستاذا للرياضيات أنا أستاذ الأدب العربي في ثانوية تبعد عن مدينة سطيف التي أقيم فيها بأكثر من47كم.. التحقت بالثانوية.. سأدرس الرياضيات.. بل سأدرس الأدب.. إذا احتج التلاميذ وأولياؤهم والسيدان المدير والمفتش أريهما شهادة تخصصي.. سألت المدير:

 


هل السكن متوفر؟..لا..أجاب.. تركت أستاذية الرياضيات..بحثت في مؤسسات مختلفة عن منصب عمل يتناسب وتخصصي..لم أجد.. بعد شهرين قضيتهما عاطلا عن العمل ، باحثا عن منصب ما، فاجأني مدير متقنة زهراوي ،السعيد رحماني  الذي اشتغل معي قبل ذلك أستاذا للرياضيات في ابن رشيق بأنه في حاجة ماسة إلى أستاذين في مادة تخصصي..ووعدني بانه سيسعى في مديرية التربية لأنال أحدهما..وهو ما تحقق فعلا.. صرت أستاذا إذن في متقنة زهراوي..ومن هناك عدت إلى النضال الذي كنت قد بدأته وزملاء لي في ثانوية ابن رشيق من خلال مجموعة إضرابات دفعت بمدير التربية ( عبد الفتاح حماني آنذاك ، والذي رقي فيما بعد إلى منصب مدير الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية )إلى استدعائنا إلى مكتبه وتهديدنا في اللقاء الأول..دير رجليك في بسينة ماء بارد( ضع رجليك في وعاء ماء بارد ) يا سي طهوري ، قال مهددا..المشكلة ، وين اندير هذي البسينة يا سيادة مدير التربية ( أين أضع هذا الوعاء )،لا سكن لي.. قلت منفعلا..كنت أسكن حينها بيتا شبه قصديري في حي لنْدرْيولي الفوضوي ..بينما وجدنا على كرسيه في اللقاء الثاني قائد القطاع العسكري ..ولأن التهديدين المباشر والمبطن لم يوقفا نضالنا أرسل إلينا الوالي – الذي كان آنذاك السيد خليفة بن جديد شقيق الرئيس الشاذلي – رسائل تهديد تأمرنا بالتوقف عن الإضراب والعودة إلى مناصبنا وإلا حمَّلنا مسؤولية أي شيء سيئ يحدث أثناء زيارة الرئيس بن جديد للولاية..عدت إلى النضال..مشاكل عمال وموظفي قطاع التربية كثيرة..في ذيل الترتيب الاجتماعي هم آنذاك.. ونقابة اتحادية عمال التربية التابعة للاتحاد العام للعمال الجزائريين لا تحرك ساكنا..قادتها ومسيروها منشغلون أكثر بتقاسم ريع الخدمات الاجتماعية..بمصالحهم التي لا حدود لها..بالتقرب من المسؤولين وخدمتهم بأموال تلك الخدمات..  التقيت بمجموعة من الأساتذة اليساريين الذين كان بعضهم من مناضلي  حزب الطليعة الاشتراكية ، فيما كان بعضهم الآخر من مناضلي المنظمة الثورية للعمال ( تنظيم نقابي تروتسكي ) ..فتحنا نقاشا واسعا حول أوضاع قطاع التربية عموما..كنا نلتقي في بعض حدائق مدينة سطيف ومقاهيها ويطرح كل واحد منا تصوره للوضع وما يمكننا القيام به..  انضم إلينا فيما بعد أساتذة من غير اليسار..بعضهم مناضلون في جبهة التحرير الوطني وبعضهم إسلاميون..اذكر من مناضلي الجبهة عمر احمين الذي كان أستاذا في المتوسط ، والذي تخلى عنا فيما بعد والتحق بنقابة المؤسسة التابعة لاتحادية عمال التربية ، ثم انضم إلى حزب التجمع الوطني الديمقراطي عند نشأته ليصير عضوا في المجلس الشعبي الولائي ثم عضوا في مجلس الأمة ،ومن الإسلاميين السعيد بوعكاز الذي كان وما يزال أستاذا في الثانوي .. بعد مجموعة لقاءات اتفقنا على أن نضغط على نقابة المؤسسة لتجديد الفروع النقابية في قطاعنا ، من جهة ، ونسعى إلى إقناع عمال القطاع وموظفيه بضرورة اختيار من يرون فيهم القدرة أكثر على النضال من اجل حقوقهم بدل اللامبالاة التي تعودوا عليها والتي كانت تسمح دائما للانتهازيين بتشكيل الفروع النقابية في مؤسساتهم ، من جهة أخرى..  وضغطنا..أكثرنا من زيارة مقر نقابة المؤسسة ..ألححنا أكثرعلى المسؤولين النقابيين فيها بحتمية تجديد الفروع النقابية..ولم يجد أولئك المسؤولون بدا من الاستجابة لمطلبنا ذاك..بدأ التجديد..كان هدفنا الاستيلاء على نقابة المؤسسة ، ثم نقل تجربتنا إلى بقية الولايات الأخرى ، لنصل في النهاية إلى جعل اتحادية عمال التربية تُسير من قبل ممثلين حقيقيين للقطاع بدل انتهازيي جبهة التحرير الوطني..  و..فوجئنا بما لم نكن نتصوره..نجح الإسلاميون في الأغلب الساحق من مؤسسات القطاع ..ضربوا حصارا كبيرا علينا نحن اليساريين..كنا نعمل نهارا..وكانوا يعملون ليلا..كنا قلة..وكانوا كثرة..الأرضية كانت لهم باسم السماء..ولم يكن لنا سوى عقولنا..وفي واقع تلك اللحظة حيث كان الإسلاميون وبدعم من السلطة يهيمنون على أذهان الناس ، لم يكن في مقدور العقل أن يواجه وينتصر..هكذا كانت هزيمتنا..وهكذا كان انتصار الإسلاميين..ديمقراطيا شكليا هوانتصار صحيح وسليم..لكنه كان انتصار هزيمة..كان هدف الإسلاميين الاستيلاء على هياكل نقابة المؤسسة ، فهياكلِ اتحادية عمال التربية بعد ذلك..و الاستيلاء على الاتحاد العام للعمال الجزائريين آخر المطاف .. و..فشلوا..وأفشلونا..لم يحققوا أي شيء مما توهموا..ولم يجدوا بدا بعد ذلك بسنوات قليلة من تأسيس نقابتهم التي أسموها  النقابة الإسلامية للعمل ..لكننا لم نيأس..بعد شهور محدودة عدنا إلى اجتماعاتنا ..يساريين كنا وحدنا هذه المرة..اتصلنا بولايات أخرى..توجهت مع بعض الزملاء إلى قسنطينة وسكيكدة وما جاورهما من ولايات..وتوجه أستاذ الفيزياء في ثانوية مليكة قايد عبد المالك جحنيط مع بعض الزملاء الآخرين إلى العاصمة وما جاورها من ولايات ..وتوجه الفوج الثالث إلى بجاية..التقينا باليساريين من زملائنا الأساتذة هناك..وانشأنا ما أسميناه التنسيق النقابي المستقل لعمال قطاع التربية .. طبعنا مجموعة كبيرة من بطاقات الانخراط.. تقاسمناها فيما بيننا وشرعنا في العمل الميداني من أجل جذب عمال القطاع وموظفيه للانخراط فيه..        و..فشلنا مرة أخرى..كان فشلنا متوقعا كثيرا..نحن يساريون ..وإشاعة أننا يساريون كانت تنتشر بين عمال القطاع وموظفيه انتشار النار في الهشيم..لم نكن نحن النار طبعا..ولم يكن أولئك العمال والموظفون الهشيم..كان الإسلاميون ، من جهة، ونقابيو اتحادية عمال التربية هم من يصورنا كذلك..و.. حلت العشرية السوداء الحمراء بدخان لهيبها وأمطارها الحمراء..وكان السكوت / الإسكات حتميتنا..                                                                                                                ***                                                                                            في العام الدراسي 2000/2001 رفرف طائر الشعر في جسدي من جديد..كتبت نداء نويت توجيهه إلى أساتذة التعليم الثانوي أدعوهم فيه إلى تأسيس تنظيم نقابي مستقل لأساتذة التعليم الثانوي والتقني.. ترددت ..سألت نفسي: ترى هل هم مستعدون للقيام بعملية التأسيس تلك؟..وبدأت الاتصال..في الندوات التربوية كنت أطرح الفكرة..أثناء تصحيح البكالوريا أيضا..في كل فرصة يتاح لي فيها الالتقاء بمجموعة أساتذة كنت اطرحها..كان البعض يبتسم مستهزئا..البعض الآخر كان يقولها صراحة: إنك تحلم..ما زلت مثاليا يا الطيب..ولم أيأس.. في العام الدراسي 2002/2003 طبعت النداء..وزعته على مجموعة من الثانويات..كان النداء يركز على حتمية تأسيس تنظيم نقابي يجمع كل أساتذة الثانوي دون تمييز بعيدا عن أي منطلقات إيديولوجية أوسياسية ..فقط ،هو تنظيم يدافع عن حقوق الأساتذة المهنية والاجتماعية..النضال الإديولوجي او السياسي مكانه الأحزاب لا تنظيمنا النقابي..حقق البيان صدى كبيرا له..بدأت إمضاءات الموافقة تردني تباعا..و..بدأنا الاجتماعات التي كنا قد عشنا مثلها قبل 1990 كما ذكرت سابقا..في المقاهي والحدائق العمومية كنا نلتقي..لكننا لم نحقق شيئا..في كل اجتماع تحضر مجموعة من ممثلي الثانويات..يزيد العدد أحيانا وينقص أحيانا أخرى..أكبر عدد عرفته اجتماعاتنا كان 13 ثانوية..ثم..بدأ النقصان.. بهذه الطريقة لن ننجح ،خمنت.. وكان الهجوم.. على الواحدة والنصف صباحا من يوم الثلاثاء 07 جانفي 2003 كتبت بيان الإضراب.. وكتبت أيضا شهادة الوفاة.. إذا لم ينجح الإضراب أوزع الشهادة على الثانويات ، قلت..حملت البيان بيدي اليسرى، وشهادة الوفاة باليمنى..في اليوم الموالي طبعت البيان ،وعرضته على زملائي في قاعة الأساتذة..ناقشناه..أضاف البعض بعض المطالب وحذفنا مطالب أخرى..ولم نحدد يوم بدء الإضراب..  توجهت وزميلي أستاذ الإعلام الآلي كمال قريدي إلى  إحدى المكتبات لنسخ مجموعة منه..سألته: ما هو اليوم المناسب في رأيك لبدء الإضراب؟..اضرب الحديد مادام ساخنا ، أجابني بسرعة..وكان البدء يوم السبت 11 جانفي..وزعنا البيان مساء الأربعاء ويوم الخميس..ويوم السبت كنا مضربين..ثانوية ابن رشيق وحدها كانت المضربة..لا ثانويات أخرى..فشل الإضراب إذن..هكذا قالها بعض الزملاء .. ومساء السبت كان لقاؤنا في مكتب مدير الثانوية مع ثلاثة من رؤساء مصالح التربية..وكنا ثلاثة من ممثلي الأساتذة: عبد الرحمان بلزرق ، السعيد بوعكاز وأنا الطيب طهوري..ما مطالبكم؟ سألونا .. أجبنا: هي ما قرأتموه في بيان الإضراب..بعض مطالبكم محلية يمكننا مناقشتها معكم..لكن بعضها وطني .. قالوا .. لنناقش المطالب المحلية..و..ناقشنا المطالب المحلية..وأعطونا كالعادة وعودا لحلها..عدنا إلى زملائنا الأساتذة.. أعلمناهم بكل مادار في اللقاء..ويائسين قلنا سنعود إلى العمل غدا.. صبيحة الغد لم يدخل التلاميذ الأقسام..لم نلتحق نحن أيضا بها..كان الجو باردا جدا، وكانت المدفآتُ في الأقسام باردة..وكنا في الساحة واقفين نتحسر على عدم التحاق الثانويات الأخرى بإضرابنا..كنا متألمين جدا جدا.. و..فجأة كان الفرح الذي لم نكن نتوقعه..هاهو أستاذ الرياضيات في ثانوية مليكة قايد العربي نوار وزميله أستاذ الفلسفة في نفس الثانوية رابح خمليش يهلان علينا..لقد دخلنا الإضراب قالا..لكن خبرا من مديرية التربية وصلنا يقول بأنكم أوقفتم إضرابكم وعدتم إلى العمل..قلنا جميعا: انظرا إلى الساحة..ما زلنا مضربين..   أسرعت وأستاذ الفرنسية عبد الوهاب كبلوتي إلى متقنة قروي ..كانت الساعة تشير إلى العاشرة.. تحدثنا مع أساتذتها قليلا وفارقناهم وهم يتأهبون للالتحاق بالإضراب..  صباح الإثنين كنا في العلمة، عبد الرحمان بن لزرق وإبراهيم العطري وكاتب هذه السطور..أخرجنا أستاذ الرياضيات خالد العيد من قسمه.. سمعتُ بخبر الإضراب قال ..غدا تدخل العلمة الإضراب.. وأضربت العلمة في الغد فعلا..وامتد الإضراب بعدها تدريجيا إلى مختلف ربوعع الولاية..                 كنا نجتمع كل مساء في مكان ما لمتابعة الإضراب وأخباره وردود أفعال الشارع والمسؤولين تجاهه، في فضاء حديقة التسلية تارة..في إحدى مقاهيها تارة أخرى..في فناء ملعب 8ماي 1945 تارة ثالثة..صار لكل ثانوية ممثلوها الذين يحضرون باستمرار اجتماعاتنا تلك..و..عملنا أخيرا على تشكيل مكتبنا الولائي .. قال العربي نوار لي : أنت صاحب فكرة هذا التنظيم النقابي والبادئ بتشكيله فلتكن أول من يكون فيه..في أذنه همست :هل تريد قتل تنظيمنا في المهد..تعرف مايقوله عني الإسلاميون ، وما يقوله نقابيو اتحادية عمال التربية..وجه الاقتراح للسعيد بوعكاز فاعتذر أيضا..تشكل المكتب ..وفي العلمة اجتمع وانتخب العربي نوار رئيسا له.. قال بعض رؤساء المصالح في مديرية التربية : هذا التنظيم النقابي لقيط..ونفس الكلام قاله نقابيو المؤسسة التابعة لاتحادية عمال التربية..نعم، لم نخرج من برنوس السلطة ، لهذا نحن لقطاء في نظرهم، كنا نعلق ساخرين..                                                                                كانت اجتماعاتنا تتم كل مساء..وكنا متابعين من قبل قوات الأمن..بشكل غير مباشر طبعا..كنا نجتمع إلى وقت متقدم من الليل غالبا..نعود بعدها إلى منازلنا..نجتمع والأمطار تصب علينا أحيانا..أحيانا أخرى ترسل الثلوج بدفئها إلينا..كان زملائي يوصلونني بسياراتهم أحيانا..أركب سيارات الأجرة القانوينة ،وغير القانونية أحيانا أخرى..وكنت أعود إلى المنزل راجلا مرات ..كان الحي الذي أقيم فيه يبعد عن مدينة سطيف بما يقارب الـ 6 كم..كنت اقطع تلك المسافة ليلا..يرأف بي بعض أصحاب السيارات المارة فيحملونني  معهم..ولا يرأفون فأسير راجلا.. في إحدى الليالي كنت أسير على حافة الطريق..كان المطر غزيرا والظلام دامسا..سمعت صوت منبه سيارة تقف بجانبي..التفتُّ..فُتح الباب وسمعت الصوت: هيا..إركب..و..ركبت..فوجئب بي أجلس بجانب الأعرج واسيني..تأملته جيدا..كان شبيهَه..يخلق من الشبه أربعين ، قلت في سري..أوصلني شبيه الأعرج إلى الحي ..شكرته بحرارة دافقة..ضغطت على يده..وقفل راجعا إلى الطريق الوطني مواصلا سفره إلى مدينة باتنة.. توالت اجتماعات مكتبنا الولائي بالسلطات المحلية بدءا من مديرية التربية..ولا حل في الأفق..حضرت وفود من وزارة التربية تباعا ولا حل أيضا..تواصلت الوعود تلو الوعود.. قدمونا للمحاكمة الاستعجالية ،من الرابعة مساء حتى السابعة من صباح الغد..لا أتذكر التاريخ بالضبط ..كنا 15 أستاذا من ممثلي الثانويات..كنت في القائمة..من بين الذين كانوا معي أتذكر العربي نوار وزميله أستاذ الفرنسية عبد المجيد كساي..حضر الإثنان محاكمة الساعة الأولى..ثم امتنعنا جميعا عن الالتحاق بعد ذلك..التحقنا صباح الغد كالعادة بثانوياتنا..وجدنا نحن الـ 15 أستاذا توقيفات تحفظية تنتظرنا..استمرت مدة التوقيف 12 يوما..مُنعنا أثناءها من الدخول إلى المؤسسات التي نشتغل فيها.. كانت الصحف تتحدث عن إضرابنا بشكل متواصل..الأساتذة في مختلف الولايات يتابعون أخبارنا بالكثير من الإعجاب..والدهشة والخوف أيضا..الغريب أنهم لم يفعلوا مثلنا..لم تدخل ولا ولاية الإضراب معنا، رغم أن المطالب التي كنا نرفعها هي مطالب جميع الأساتذة في بلدنا الجزائر.. بعد 43 يوما أوقفنا إضرابنا المتعب..اتفقنا مع ممثلي الوزارة..استجابوا لبعض مطالبنا ..وعدونا بتحقيقها .. عدنا ..لكننا لم نحقق شيئا..وحققنا كل شيء..لم تنفذ الوزارة شيئا مما تم الاتفاق عليه بيينا وممثليها ..لكننا ربحنا أنفسنا وربحنا القاعدة العريضة من أساتذة مختلف ربوع الوطن..أزلنا الخوف الذي كان يكبلنا ،واللامبالاة التي كنا نتميز بها..أنجزنا اتحادا رائعا لنا..وبدأنا النضال من أجل توسيع رقعة تواجد تنظيمنا النقابي الناشئ هذا.. لعب بعض الزملاء الأساتذة دورا رائعا..متعبا، لكنه شجاع وأكثر وعيا.. عبد الرحمان بلزرق كان النحلة التي توزع عسلها على مختلف الولايات..اتصاله بالزملاء الأساتذة في  مختلف الولايات لا يتوقف.. العربي نوار.. خالد العيد.. عبد الوهاب بالي.. العطري إبراهيم كان يأتينا بأرقام هواتف أساتذة كانوا منخرطين في الاتحاد الوطني لعمال التربية والتكوين من صهره الذي كان قياديا في ذلك التنظيم النقابي المقرب من حزب حمس..يتصل بهم مباشرة أو يحيل الأمر لعبد الرحمان..تنقل بعض الزملاء إلى ولايات أخرى..اتصلوا مباشرة بالأساتذة.. هكذا التحقت بنا الولايات تباعا.. برج بوعريريج- ميلة – البويرة – بجاية..إل خ..إلخ..و انطلقت إضراباتنا الوطنية..                                                                                                ***

في تجمع لنقابتنا امام مقر المجلس الشعبي الولائي في بجاية شارك فيه الكثير من أساتذة وأستاذات الولاية، والكثير من ممثلي الولايات المجاورة ألقى المنسق الوطني آنذاك مريان مزيان كلمته بفرنسية فصيحة..و..فوجئت بالعربي نوار يقول للحاضرين والحاضرات بدارجته: أقدم لكم الآن الأب الروحي لنقابتنا..أقدم لكم الأستاذ الطيب طهوري.. تسلمت الميكروفون منه بيد مرتجفة.. لم أكن محضَّرا لإلقاء كلمة ما.. فاجأني برميي في أحضان اللحظة.. سبقتْ دموعي كلماتي أنا الإنسان الشاعر الحساس.. لكنني تشجعت .. تكلمت بعربية فصيحة أنا الأمازيغي أصلا، العربي نشأة وتربية وثقافة.. حكيت عن النشأة.. الدوافعِ والأهداف..كان ذلك صباحا.. في المساء اجتمعنا في قاعة المجلس .. القاعة ممتلئة عن آخرها كانت.. دعاني بعض أعضاء المكتب الوطني لإلقاء كلمة ما.. خجلا تكلمت: سعيد جدا جدا بهذا التجمع الحي الكبير.. سعيد بكمن زملائي الأساتذة، زميلاتي الأستاذات.. استرسلت في الحديث عن الأهداف المنتظرة من نقابتنا.. لا أتذكر الكلمات تحديدا.. لكنني أتذكر المعاني..نقابتنا أكبر من ان تكتفي بالنضال في قطاع التربية وحده..علينا أن نسعى لتجاوز القطاع إلى تحريك القطاعات الأخرى .. علينا أن نناضل من اجل أن تشكل مختلف قطاعات الوظيف العمومي نقاباتها المستقلة..علينا أن نتجاوز ذلك إلى القطاع الاقتصادي..علينا أن نفكر في التأسيس لتنظيم نقابي كبير وشامل ، يكون بديلا فعالا للاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي أثبت فشله في الدفاع عن حقوق العمال ، وتحول إلى تجمع انتهازيين ليس إلا..هذا التنظيم النقابي الذي نطمح إلى تكوينه هو أمل كل الجزائريين لمواجهة الفساد الذي استشرى في مجتمعنا بشكل كبير..وهو أيضا أملهم في تحقيق بناء ديمقراطي حقيقي يجعلهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم.. و..افترقنا على أمل اللقاء في تجمعات حية أخرى..                                                         ***

كنت دائما، وما أزال أتمثل تص ( البحر) للشاعر المصري الراحل عبد الرحمن الخميسي :   الأمواج تدق على صخر الشاطئِ..  ترمي أن تبتلع الصخر الناتئَ..  فيمزقها المسكينة إربا ، إربا.. وتعود صخور الشط ضوامئْ..  وتؤوب الأمواج الحمقا..  وتكر بلاذاكرة ..   ترمي أن تبتلع الصخر الناتئْ

***

سعلت ريح كانت تعبر ،قالتْ:   أيتها الأمواج.. غمر أنت من البحر.. لكن، لست البحر.. هو أكبر من جيش سفائن ومدائن.. يبتلع صخورا وعوالم شتى وخزائن.. ذاك لأن البحر.. جيش ضخم من أمواه الأرضْ..    متحد الأمواج.. يخيف السفن إذا زمجر وانفض.. لكن.. لو أن البحر تفرق.. أمواجا، أمواجا مثلك لتمزق.. عودي أيتها الأمواج الحمقا.. ذوبي في الأمواه الأخرى.. تمسي معها بحرا ضخما.. تكتسبي عمرا أزهى.. أحفل، أبسل، أبقى..                                                                                               ***

هل حققت كناباست بعضا مما كانت تصبو إليه ؟….ربما…

سطيف:27 /12/ 2013

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق