ثقافة المقال

هو طلبٌ صُوّرَ لي في الخَاطِرِ

شريفة عرباوي*

من مواطنةٍ طوّح بها الترحالُ إلى البعيد، لكن وهي في البعد يتعاظم الحنينُ عندها في مغاور الشعور إلى وطنها الكبير، وتبعث بحبّها المهوس إلى كلّ ذَرّة من تراب أرضه العزيزة، وأكثر هَوَسٍ هذا الحبّ الذي يسكنها، تمنحه إلى وطنيْن اثنيْن ترعرع نبتُها بين السّماء والأرض فيهما، وهما تونس والجزائر، وإليهما تعود بالتّذكار دائما في هوسها، ولا تنسى جُذُورها المتأصّلة هناك، والتي تربطها بهما. وهي تعتزّ بهذا الرّبط ويُشرّفها.
من الكاتبة التونسية الجزائريّة شريفة عرباوي إلى الابن العزيز المُبدع الشاعر السّيد المُحترم وزير الثقافة الجزائرية “عزّ الدين ميهوبي” تحيّة معطّرة بحبّ الأمومةِ وصدق المشاعر. أمّا بعدُ، فهذا طلبٌ صُوّر لي الخَاطر، وأنا في حاجة إلى تحقيقه أتقدّم به إلى حضرتكم، ويقيني أنّ الجزائر قادرةٌ على تحويله إنجازاً، وبه إن فَعَلَتْ ذلك سوف تُقدّم للمبدعين عملا يُشرّفها، وتُّذكر به على امتداد التاريخ، والطلب هو أُمنيتي أن تُخصّص الجزائر للمُبدعين في عاصمتها فضاءً، تجعل منه متحفا لهم، فيّتخذ كلّ مُبدعٍ في هذا المتحف ركُنا صغيرا، يُؤمّن فيه بعض أشيائه العزيزة عليه، والتي احتفظ بها ورافقته سنين العمر، وجنّبها بحرصه كلّه وخوفه عليها الاندثار والإتلاف، حتى يمتدّ بهذه الأشياء ذِكرهُ بعد الرّحيل، خاصّة من لم يترك بعد رحيله أبناء يحتفظون له بهذه الأشياء، وَيذكرونه بها، وأنا مَنْ لم يُسْعدها الحظُّ بِنعمة الأبناء. أمّا أشيائي المحبّة عندي والتي احتفظتُ بها سنين العمر، فهي في التطريز والخياطة والملابس الصوفية المحبوكة بيدي. وقد أبدعتُ في هذه الحرف اليدوية إبداعًا جميلاً، واحتفظت بالبعض منها إلى حدّ هذه الساعة، وخِشيَتي الآن عليها من الإتلاف بعد الرحيل. أمّا ما قاومتُ أيضا إتلافه بكلّ الحرص، فهو كرّاس المحفوظات باللّغة الفرنسية في دراستي الابتدائية، وكنت مُولعةً بالرسم آنذاك، فزيّنته بالرسوم الجميلة؛ زهور وطيور وأشجار وألوان زاهية، تُفسّر ما كنت أعشقُ من جمالٍ ومن زهو الألوان، عكس ما أكتب به الآن في الأدب بلغة العموم الذاتية والإنسانية. فالإنسان يُخلقُ صفحةً بيضاء، لكن ظروف الحياة هي التي تلوّن هذه الصفحة بزهو الألوان أو بسوادها. وشكرا وألف شكر ابني العزيز
باريس، في 20، أفريل، 2017.
* قاصّة وروائيّة وشاعرة تونسية مقيمة بباريس.
صورة لغلاف آخر رواية صادرة لشريفة عرباوي، وهي بعنوان: وتبقى الحكاية.

2

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق