الموقع

بيضة الليل

بقلم: دانييلا توماس

ترجمتها من الإيطالية إلى العربية: أسماء غريب

“ماكو” طفل شديد الخوف من الظلام و حلكته و لايعرف كيف يحدّث الآخرين عن خوفه هذا وفي كل ليلة كان يلتصق بباب كوخه كي يراقب تلك البيضة النارية الدائرية الشكل و المستريحة هناك فوق أعشاشها بين عراجين النخل المعانق للسماء في شموخ و علو…

كان “ماكو” يلاحظ كيف كانت تتكاثر تلك البيضات في مدة قليلة من الزمن و كيف أن النخل كان يصبح في وقت قصير مزينا بعناقيد صغيرة من عنب ذي لون برتقالي كلون الشمس أما عن الكيفية التي كان يحدث بها هذا التكاثر فذاك ما لم يستطع “ماكو” فهمه أبدا.

كان بيض النار يسقط على مهل فوق جذوع النخل الجافة فتلتهب السماء للونه الساطع و ما إن يحلّ الليل الرهيب، يبدأ هذا البيض في الاختفاء رويدا رويدا. و بمرور الوقت كان اللون البرتقالي لبيض النخيل يتغير هو الآخر و يصبح شيئا فشيئا غامق اللون و بنّيه وفي يوم من الأيام صعد “ماكو” معتمدا على يديه و قدميه إلى قمة النخلة حيث عش البيضة النارية وأخذ منه تمرة صغيرة بنّية. اللون. كان “ماكو” يعلم بأن تلك التمرة تشبه الليل في لونها و أنها في يوم ما كانت بيضة الشمس لذا كان لايفارقها عند نومه في كل ليلة و هو يحلم بأنه أصبح هو الآخر نخلة تمتلئ ببيض الشمس الذي ستتوالد منه بعد ذلك سلسلات لا متناهية ومتلاحقة من الليالي الهادئة, إلا أن “ماكو” و بالرغم من كل هذا ظل يخاف من الظلام.

في إحدى الليالي حلم “ماكو” حلما غريبا رأى فيه شيخا عجوزا، ذي عظام بارزة و حواجب و لحية بيضاء، كان هذا الشيخ منهمكا في قراءة بعض من طلاسمه السحرية على النار العظيمة التي كانت مشتعلة بجانبه و هي تستجيب إليه في طواعية متناهية، ترقص و تلتوي وتلف حول جسده دون أن تمسه بأذى و هو يبتسم لها و أحيانا يداعبها.

اقترب “ماكو” من الشيخ العجوز و أراه بيضة الشمس فالتفت العجوز إلى صديقته النار و أشار إليها قائلا: “أنت لم تولد كي تصبح عشا يا “ماكو” ! أنت لست نخلة. عليك أن تأكل الليل يا “ماكو ! “” و قبل أن يجيب أو يعلق على ما قاله الشيخ، استيقظ “ماكو” و التمرة الصغيرة البنية مازالت بين يده المقفلة بشدة.

بالخارج كان الوقت مازال ليلا و لكن “ماكو” الصغير أحس بأنه عليه أن يطيع شيخ الحلم فخرج من كوخه كي يأكل الليل. كان حافي القدمين و لكن يقظا و نشطا، فتح “ماكو” فمه و أراد أن يقضم بأسنانه جسد الليل و لكن عبثا، فكلما حاول و حاول أن يفاجئ الليل و ينقض عليه بأسنانه كلما باءت محاولاته بالفشل وبقي فمه فارغا. و بالرغم من كل هذا اكتشف أن ماقاله له العجوز كان حقيقة، فهو ليس بعش و لا بنخلة لأنه خلق من أجل أن يبتلع الليل ! أحس “ماكو” أنه نسي الخوف و بدأ يفتح فمه عن آخره كالليث و لكن عبثا. جلس تعبا و محبطا على الأرض: وكان قد ابتعد كثيرا عن كوخه و لم تكن لديه أي رغبة في العودة إلى الخلف ففي كل الأحوال كانت القرية غارقة في نوم عميق و لاأحد كان بإمكانه أن يلاحظ غيابه.

أغلق عينيه و غاص في ذاك الظلام الآخر الخالي من النجوم و القمر، ذاك الظلام الذي كان يحمل دائما بداخله و الذي كان يبدو طويلا و بدون نهاية. غرق في ظلام جسده و بدأ في تتبع تناغم أنفاسه، طمأن نفسه و قلبه و أرخى أطرافه و ركز تفكيره في يده المحكمة الإغلاق على تلك التمرة البنية و على بيض الليل الذي كانت تضعه بيضة الشمس الكبرى أمام عينيه. كان الأمر يتعلق بذاك الليل الذي كان عليه أن يأكله، أي تلك البيضة التي لم يكن ممكنا أن يكون هو عشها ! وبعينين مغمضتين رفع “ماكو” رويدا يده و وضع التمرة في فمه و تذوق بعمق و رقة جوهرها و أحس بحلاوة لا مثيل لها تغمره و تثيره في حين بدأت السماء المظلمة بداخله تذوب و تتشح شيئا فشيئا بلون عسلي و برتقالي.

و بينما هو في مركز الموضع الذي اختاره للجلوس به و بين أسنانه نواة التمرة إذا به يشاهد بزوغ أول نور فجره في حين كانت شمس الصباح تشعل فوق بشرته السمراء أجمل تجليات اللون البرتقالي. الآن بدأ يبدو هو الآخر و كأنه بيضة الشمس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق