قراءات ودراسات

جماليات الرؤيا الصوفية فى كتاب السطور الأربعة

بقلم/ محمد على عزب
حمدى الجزّار الذى عرفناه روائيا متميزا ترجمت روايته سحر أسود اٍلى الاٍنجليزية و التركية كما ترجمت روايته لذّات سرية اٍلى الاٍنجليزية، يقدم فى  كتاب السطور الأربعة  الصادر عن سلسلة حروف ـ الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة تجربته الصوفية المتميّزة  فى شكل نصوص شعرية مكثّفة كل نصّ فيها يتكون من أربعة سطور خارجة على أوزان العروض، وقد دخل حمدى الجزّار الشعر من باب الاٍنزياح والرؤيا  الصوفية والاٍنزياح هو خروج التعبيرات عن المألوف والمباشر، والرؤيا الشعرية هى رديفة الحلم وقرينة يعرف بها الشعر فهى  التحليق الدائم بأجنحة الخيال والحدس لتجاوز الواقع المادى والسطح الظاهرى للمرئيات والكشف عن ملامحها الجوانية… وتتسم الرؤيا الشعرية عند حمدى الجزّار بالطابع الصوفى حيث أنها قائمة على الاٍستبطان والتأمل الذاتى لتجربة روحية يحدد فيها موقفه من الذات والوجود و العالم، ويقوم بتشكيل هذه الرؤيا بأدواته الفنية و أهمها  السرد الشعرى واللغة الشعرية والعتبات النصيّة والفضاء البصرى.
و السرد فى كتاب السطور الأربعة يختلف عن السرد الروائى أو القصصى الذى يقدم من خلال منظور الراوى أحداثا تقوم بها شخصيات فى عالم متخيل يبدو كما لو كان موجودا، فى أنه جزء من بنية النصّ الشعرى يتضافر مع باقى العناصر البنائية المكونة لهذا النص، وهو لاينقل حدثا قصصيا ولكنه  يميل اٍلى الاٍيماء و الاٍيحاء فى عرض حالة التوتر الشعرى والصورة الكلية للنص الشعرى،  وهو سرد ذاتى فالذات هى محور النصّ و فعل السرد النابع منها  هو محور الحركة فى النصّ و من أمثلة ذلك :
توقف الناى و القلم عن الكلام
فبكى فؤادى   حسرة   الصمت
لما    رفعت   رأسى      لفوق
سمعت  السماء تناجى  الأرض
أمّا عن اللغة فى كتاب السطور السطور الأربعة فاٍنها ليست حاملة لفكرة و لكنها حاملة لانفعال شعرى وجدانى  قائمة على التركيز و الترميز و التخيّيل، فكان التركيز فى انتقاء أقل عدد ممكن من المفردات لبناء النصّ، والترميز والتخيّيل فى تحويل المفردات اٍلى رموز عبر شحنها بالطاقة الاٍيحائية، وتشكيل صورة تمثيلية للعالم الذى يشير اٍليه النصّ عبر المجازات و الأخيلة و من أمثلة ذلك :
يا أنت   هل أفل     النجم  وخبى
مات منذ  قرون و مازال يبعث النور
مِتّ    منذ   أيام      وما زلت
أراود  أحلام   الناس والعقول
و عندما يستخدم حمدى الجزّار أحد الرموز الشائعة فى معجم الشعر الصوفى فاٍنه يوظفه توظيفا جديدا و يجعله جزءا من تجربه الذاتيه كرمز الخمر فى هذا النص :
مالكم   و خمرى
ما لكم         بها
أنعمت حتى سالت
فى العروق  ضياء
أما عن  العتبات النصية وهى العنوان الرئيسى والنص التقديمى و الفضاء البصرى فاٍنها تلعب دورا هاما فى تشكيل الرؤيا و اٍنتاج الدلالة، بالنسبة للعنوان فهو مكون من ثلاثة كلمات  كلمة كتاب و ما لها من دلالات متعددة فالعمر كتاب و الدين كتاب والتاريخ كتاب، والكتاب هنا هو التجلى النصى للكلام الذى يؤرخ لتجربة الشاعر الذاتية و السطور الأربعة تشير اٍلى نصوص الكتابة التى يتكون كل فيها من أربعة سطور متساوية تأخذ شكل الفضاء البصرى الطباعى للرباعية و الدوبيت و المواليا الرباعى فى الشعر الموزون المقفى، رغم أن هذه النصوص لا تلتزم بالوزن و القافية و هى مرقمة بأرقام من 1اٍلى 400، مما يشير اٍلى  رمزية الرقم أربعة الذى تتعدد دلالاته فى الثقافة الاٍنسانية و منها دلالة مكانية الجهات الأصلية و دلالة زمانية فصول السنة و دلالة فيزيائية عند علماء الفيزياء التقليدية تخصّ العناصر التى يتركب منها الكون الماء و الهواء و التراب و النار، و اٍلى جانب هذه الدلالات فاٍن هناك دلالات أخرى للرقم أربعة وردت فى هذا الكتاب أكثر من مرة و من أمثلة ذلك فى النص رقم 40يقول حمدى الجزّار:
أربع      كنّ        فىّ   أكون
ألم   و ثبات  و عطش  ثم نور
يعقبها  اٍطلاق و شدو كالطيور
ترى        من          يكون ؟
و فى نصّ آخر يقول :
استوى  أمرى   بعد  عوج
و قام  ظهرى  بعد   قصيم
كنت   أسعى   على   أربع
و أنا   اليوم   كما   ترانى
و رقم أربعة هنا يرمز اٍلى مكونات الذات فى تجربتها الروحية و كل نصّ فى كتاب الأربعة سطور يمثل خطوة فى سعى الذات و بحثها عن الاٍكتمال و الوحدة و الاٍمتزاج بالكون و التوحد بأشيائة، و قد قدم حمدى الجزار اٍشارات رامزة لتلك الوحدة فى النصّ التقديمى المكون من أربع سطور أيضا و الذى يختلف عن التصدير فى أنه من تأليف صاحب الكتاب، و ألقى ضوءا خافتا من بعيد على أجواء التجربة الشعرية فى كتاب السطور الأربعة حيث قال فى هذا النصّ :
الواحد   فى  الكثرة
و الكثرة     الواحد
الكثرة   فى  الواحد
و   الواحد     كثرة
و قد أشار اٍلى تلك الوحدة فى النصوص الشعرية داخل الكتاب أكثر من مرة و من أمثلة ذلك :
فى   حضرتها  يحدث  كل شئ
تشفّ  الأجساد   و يطير اللحم
تصير   القلوب  قلبا     واحدا
و يتحد    الأمس         بالغد
و مثال آخر فى هذا النصّ :
هذه  الرياح    تطنّ فى الصحراء و المدن
تسقط        يابس     الورق    و   البشر
تنظف        المكان                   للآتى
و توفى  الكرامة   لمن   تم       و اكتمل               

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق