ثقافة المقال

حول الآية الكريمة: (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني) والآية: (واصطنعتك لنفسي) سورة طه

كتب مهندس / بدر الدين العتاق

كلمة : ( ألقى ) تشير إلى ما تفيد إليه من سياق المعنى وصياغة الجملة إلى رمي ؛ أو وضع أو حوى أو غطى أو شمل أو ضم ؛ وللتقريب أكثر كأن ترمي شبكة كبيرة داخل البحر لتصيد بها لحما طرياً ( سمك ) بحيث لا يفلت منها إن هو وقع فيها ولا يخرج إذ هي من جودة الصنع وحسن الإشتغال ما لا يقدر إلا خريت ماهر حاذق بصناعتها وإخراج ما بداخلها إلا هو .

ولله المثل الأعلى في السموات والأرض ؛ ولك أن تعلم أنها في ذات الوقت تحفظ ما بداخلها من الإنفلات حين وقع عليها الصيد حفظا يليق بالمراد منها لأي شيء كان ؛ ويمنعها من الوقوع في غيرما هو خطر عليها ؛ لما عداها من المصائب والغوائل .

بمعنى آخر : المصاد الواقع في الشباك ؛ يصعب في الحالتين السابقتين خروجه من تلقاء نفسه أو إخراجه من الغير الا بطريق مطروق مخبور بعناية ودقة ليس لها ضريب ؛ ولك أن تلاحظ الصعوبة في إخراجها من مكمنها ومكانها حين يراد لها التحرر والتخلص من ما وقع عليها من إلقاء الشبك أو المصيدة فأنت ترى الرهق والنصب من نصيبك بلا ريب .

نصطلح على الشبكة مجازاً بأنها المحبة الإلهية لموسى ؛ عليه السلام ؛ الملقاة عليه من الله تعالى وهي ذاتها العناية والرعاية والإحاطة والحصانة والحفظ والمنع ؛ وهي ذاتها أيضاً : الصناعة والتربية والتعلم والمدارسة والمخاللة والموافقة والمخالقة والمكالمة والإستقامة والمجالسة ؛ وهي عينها المعاينة والتعاين والتعيين لموسى ؛ عليه السلام .

فرعون ؛ اجتهد في منع موسى ؛ عليه السلام ؛ من أخذ بني إسرائيل معه منه ؛ فحاربه وقاتله وناصبه العداء وكانت عين الله تعالى تحفظ الكليم من الكلم والكلام إذ عملت الحصانة الإلهية على المنع والحفظ من التعدي والتغول والمنال ؛ حتى هلك فرعون مصر وذاك قوله لموسى بن عمران : ( ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ) سورة الشعراء ؛ فكانت التربية وكانت الإقامة من تلكم الصناعة الملقاة على موسى بن عمران ؛ عليه السلام ؛ محبة منعت عنه العتو والتعالي والعداء ؛ أبعد من ذلك بكثير ؛ القاءه عليه السلام في اليم بالإيحاء لأمه بالالقاء لم تكن ضربة لازب إذ كان الإلقاء منع غريزة الأمومة وبدل عنها المحبة الكاملة لكليهما تحنانا فعطلها ليوكابد – أم موسى – لتدخل في العناية الإلهية لموسى من طريقها وإلا فما بالك بقوله تعالى يصفها بسورة القصص : ( و أصبح فؤاد أم موسى فارغاً ! إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها ؛ لتكون من المؤمنين ) ؛ فمنع عن قلبها الفراغ وأبدلها رباطة الجأش بالإيمان عندما عطل الغريزة التي كادت أن تبدي به ؛ أي : تبوح لهم بأنه ابنها وهي لم تفعل بطبيعة الحال وبطبيعة الأشياء ؛ وقبلها حين ألقت به في اليم ليأخذه عدو لي وعدو له ؛ وعدو لها بطبيعة الحال أيضاً .

المعاداة ؛ منعها الحفظ والرعاية والعناية الإلهية في أكثر من مرة لأكثر من موضع ؛ كذلك الإنتصار على فرعون مصر في المجابهة بين السحرة وموسى بن عمران ؛ عليه السلام ؛ وأخذه بني إسرائيل معه منه فيما بعد و هو معروف .

فكلمة : ( ألقى ) بمعنى وضع برفق ؛ إقرأ معي حياك الله : ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) سورة النحل ؛ فكان الوضع الهين من ذاتها ومن ذات مادتها لحفظ الأرض من التطويح والتمييد حول مراكز الثقل توازناً مع سرعة الدوران وحقل الجاذبية المغناطيسي نحو الشمس ؛ وكلمة ألقى عكس معنى رمى وهو الإلقاء بشدة لقوله تعالى بسورة الأنفال : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) .

وقوله تعالى : ( واصطنعتك لنفسي ) ؛ فصنع ليست كخلق وإن كان من مادتها فالصناعة هي التكوين المستمر المتدرج دون تدخل الصانع في كل مرة ليصلح من فعاليتها وانما مرة واحدة فقط ويدع أمر تطورها وتطويرها من ذاتها المبذورة فيها أول الأمر فكأن تلكم البذرة أو النواة أو الصنعة المتطورة هي بمثابة كرموسوم وراثي أو جينات وراثية تعمل وفق معايير معينة للتخليق وللتصنيع ثم للتطوير للحد المعين الذي تقف فيه وهكذا تدور الحلقة ؛ أنظر إلى تكوين الكون من ناحية الصناعة فهو يبدأ بذرات التراب العالق في الفضاء ثم يتكون رويداً رويداً بفعل قوة الجاذبية الكونية ومرور الزمن والسرعة للتكوين حتى يتكون النجم ويأخذ دورته في التكوين الى نهايته بالانفجار إلى ذرات الغبار من جديد ؛ فالأمر التكويني له هنا مرة واحدة فقط فالله سبحانه وتعالى جعل تكوينه بداية ونهاية بأمر واحد فقط هو : ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) سورة النمل ؛ فالصناعة المحكمة تقوم على البناء الدقيق الأول لها بحيث لا تحتاج لتدخل يد لصيانتها او إصلاحها مرة أخرى ؛ أنظر إلى تكوين الجنين في بطن أمه وتخليقه ثم حمل هذا الجنين الجينات الوراثية التي ورثها من والديه وهو لم يخرج للحياة بعد مستعداً لنقلها إلى غيره من ذوي جنسه دون حوجا لتصنيع أو لتخليق من جديد في كل دورة حياة ؛ فتعمل الجينات الوراثية لنقل التجربة الأولى في ذاتها فمتى ما مات صاحبها لم تنته بنهايته اذ ينقلها إلى غيره وهكذا .

بمعنى آخر : لم يخلق الله سبحانه وتعالى الإنسان مرتين لأكثر ؛ كذلك لم يصنع الكون مرتين فأكثر – حتى الآن – فالصناعتان بداية ونهاية مبذورات فيهن بذرة الحياة والفناء مروراً بالتخليق والتصنيع كيفما كانت مشيئته ؛ إذ انتقلت بفضل الله ثم بفضل عناصر معينة قامت على الأشكال الكثيرة فيما يعرف بالإنسان والكون .

خصوصية صنعة موسى بن عمران ؛ عليه السلام ؛ لنفس الله تعالى ( واصطنعتك لنفسي ) هي أن يقوم موسى مقام الحق تعالى في مواضع القوة والقدرة والسمع والكلام والإرادة والعلم والبصر ؛ فيحقق مراد الله في خلقه وتحديداً مناط رسالته لفرعون مصر ثم قومه من بعد ؛ لأن فرعون قال بالربوبية والالوهية والقدرة والسمع والبصر والإرادة والعلم فأراد أن يقوم مقام الله في الخلق منفرداً ومتناسيا الرب الواحد خالق كل شيء ؛ فنفذ أمر الله تعالى في فرعون من صنعته موسى لنفسه فحقق مبتغاه وأهلك من عاداه .

أرأيتم صنع الله الذي أتقن كل شيء ؟ صنع موسى وأحاطه بالمحبة محل القيام له مقام الحق فقام بالله مقام الحق نفاذا لتحقيق الغاية من الصنعة و تنفيذاً للعناية والمحبة إحاطة السوار بالمعصم وهذا مقام الصفوية لموسى بن عمران ؛ عليه السلام ؛ حين قال تعالى بسورة الأعراف : ( يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ) .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق