حوارات هامة

هوراكي موراكامي، حوار الكتابة والسياسة

ترجمة رضا الأبيض

يعدّ هوراكي موراكامي Haruki Murakami الكاتب الياباني الذي ولد في 1949 الأكثر قراءة وترجمة في العالم. لقد بيعت ملايين النسخ من رواياته التي ترجمت إلى أكثر من خمسين لغة، وتحصل على جوائز عالمية عريقة مثل جائزة فرانز كافكا 2006، عالم الفانتازيا 2006، القدس 2009، تايم 2014..
وهو كاتبٌ لا يظهر على شاشات التلفاز، ولا يحب الحوارات ولا التقاط الصور كما يقول.
بسخريته البريئة واستطراداته المتخيّلة واستعاراته التي تعكس تأرجحَه بين الواقعيّ والخياليّ تتّسمُ كتابته ونصوصُه التي يرسم فيها انزعاجه من الحياة المعاصرة والفوضوية، رغم ما يظهر من الهدوء على سطحها.
من أعمال موراكامي : مطاردة الخراف الجامحة 1982،أرض العجائب 1985،الغابة النروجية 1987، رقص رقص رقص 1988، جنوب الحدود وغرب الشمس 1992، نهاية تاريخ الطائر 1995، تحت الأرض 1997، سبوتنيك الحبيبة 1999، بعد الزلزال 2000، كافكا على الشاطئ 2002، ما بعد الظلام 2004، إيتشي .. 2009، 84Q1 2009-2010، تسكوروتازاكي عديم اللون.. 2013، مقتل قائد الفرسان 2017 …إلخ
في سنة 2015 تم اختيار موراكامي ضمن قائمة الشخصيات الأكثر تأثيرا في العالم، التي تعدّها مجلة التايم الأمريكية.
يعتبر موراكامي من أهمّ الروائيين الذين هم على قيد الحياة. ويُتوقع كلّ سنة حصوله على جائزة نوبل.
في هذا الحوار الذي أجرته معه جريدة لوموند le monde ، يتحدّث عن حياته اليومية وأسلوبه الروائيّ وعن معنى أنْ يكون يابانيا ..
– – –
– تتناول، سيد موراكامي، روايتُك 1Q84 المأساتين اللتين هزتا اليابان في 1995: زلزال كوبي Kobe والهجوم بغاز الساران gaz sarin في ميترو طوكيو من قبل طائفة أوم Aum. ومثلما هو الأمرُ في أعمالك السابقة فإننا ننفذ منها إلى عالمٍ يتقلص فيه المعنى، ولكنه رغم ذلك يظلّ صدًى لقضايا المجتمع المعاصرِ. هل هذا صحيحٌ؟
– موراكامي: بعد أنْ وقعت هذه الأحداثُ، وبعد هجوم 11 سبتمبر أصبحتُ أكثر حساسية إزاء قضايا المجتمع. إنّ زلزال كوبي وكذلك هجوم أوم ” قنابل موقوتة” ارتكبها مجتمعُنا نفسُه، ومثلت نهاية حقبةٍ، حقبةِ اليابان باعتباره نظامًا اجتماعيا قويّا وصلبًا. منذ ذلك الحين لم يعدْ بالإمكانِ أنْ ننظر إلى العالمِ بنفس الطريقة. يجب أنْ نكون على وعْيٍ بالشرّ الكامنِ في كل واحدٍ منّا.

– في 1Q84 إحدى الشخصيات متطرفة” مستنيرة” مثل جماعة أوم ..
– موراكامي: إنّ ما يشغلني هو استغلالُ طموحاتِ أعضائها لغايةِ بناء امبراطوريةٍ تحتَ الأرضِ تقوم على الأوهام. لقد تبخّر الهدوءُ الذي كان سائدا في اليابان بعدَ ” فقاعاتِ المضاربة” التي كانت نتيجة لزلزال كوبي وهجوم أوم.
أما أحداث 11 سبتمبر فإنّها لم تقمْ بغير تأكيدِ خسارتِنا القاعدةَ التي كنّا نعتقد أننا نمسكُ بها بقوةٍ. لقد أخذ الشّعورُ بالفوضى محلَّ الشعورِ بالثقة.
في الوقت نفسِه، قلبت شبكةُ الإنترنت نظامَ الاتصلات والمعلومات. نحن اليوم نعيشُ في زمن الحضارة الرقميّة، في عالمٍ غمرته العولمةُ، مكتظٍ بالمعلومات والعلاماتِ. وصار يصعُبُ على نحو متزايد تمييزُ الصوابِ من الخطأ.
وإلى نهاية السّرديات الكبرى يمكن أن أضيفَ انفصال العلاقاتِ الاجتماعيةِ عن الواقع. وهو ما جعل التلاعبُ بها أكثر سهولة.

– من هنا كانت غمزةُ عنوانِ روايتك إلى جورج أورويل G.orwell فالحرف Q ينطق في اليابانية ” كيو” ويعني أيضا 9. ولذلك فإن 1Q84 تُقرأ 1984..
– موراكامي: إنّ الاختلافَ الواضحَ بين روايتي ورواية أورويل يتمثل في كونه كتبَ قصةً تجري أحداثُها في المستقبل، أمّا بالنسبة إليَّ فإني أعيدُ خلقَ أحداثٍ وقعت وتميّز حاضرَنا. في 1949، وصفَ أورويل نظاما شموليا. أمّا في الوقت الحاضر فلا يوجدُ نظامٌ بالمعنى الدقيق. هناك وضعيات ومواقف تتطوّر من وقتٍ إلى آخر ومن مكانٍ إلى آخر، تترابط في حركةٍ لا تتوقف، ولكن المعايير فيها مضطربة غير واضحة. إن عدم الاستقرار والحركة المتدفقة السريعة هما ما يهيمنُ علينا.
وعلاوة على ذلك، في زمننا، على خلاف زمن أورويل، يتحرّك شرُّ الشمولية مقنّعًا. إنّ عصرنا أكثر تيهًا. شخصيا أعتقد أنه بإمكاننا أنْ نبحثَ عن حقيقة ما في هذا التيه. فالشيء لا يكون إما أبيض أو أسودَ.

– ما ذا تعني، سيد موراكامي، بـ ” عصر التيه”؟
موراكامي: إنّه العصرُ الذي تترابط فيه الوضعياتُ دون منطقٍ ظاهرٍ. ثمة مصادفاتٌ، وحقائقُ وأوهامٌ تتفاعلُ، ويغطيِّ بعضُها بعضًا، فتتماهى دون أنْ تكون الحدودُ بينهما واضحةً. فلا نعرفُ أبدًا متى نتخطّى ذلكَ.
منذُ عشرين سنة، اُنتقدت بسببِ ضبابية المعايير في الفصل بين الواقعية واللاواقعية. ولكنَّ كثيرين بعد ذلك صارُوا يشاركونني هذا الشعورَ.
إن الواقعيَّ يبدو لي أحيانا وهميًّا، والعكسُ صحيحٌ. عندما أكتبُ فإنّي أكتبُ ما يبدو لي حقيقيّا، ولكن من المؤكّدِ أنّ الأمرَ ليس كذلك بالضرورة.
فحين رأيت، مثلا، الطائرات تصدم أبراجَ المركز العالمي للتجارة فإن ذلك بدَا لي غيرَ حقيقيٍّ: إنه نوعٌ من المبالغة في الواقعية، الناتج عن عملٍ إعلاميٍّ. لا يوجد تعريفٌ للواقعيّ، لأنّ ما نحمله عنه دائمًا قشرة ظاهرية خاطئة.
انطلاقا من وضعية عاديةٍ يمكن أن يبرز اللاّعقلانيُّ واللاّمعنى. دائمًا، ثمة شيءٌ ما يفلتُ منّا.

– ألم تحاول إعادة بناء ” حقيقة ما ” عندما قمتُ بجمع شهاداتِ ضحايا طائفة أوم لكتابة Underground ( تحت الأرض) 1997 ؟
موراكامي: كنت أرغبُ في أنْ أفهم ما خبِرُوه. قد لا تكون تلك هي الحقيقة، أقصد حقيقة ما حدثَ. ولكني أردت أن أفهم ما أعادوا بناءَه من تلك الحقيقة. وعلى كلٍّ، ما رغبتُ في معرفته هو قصّتـَ”هم”. سواء أ كانت صحيحة أم لمْ تكن.
لنفترض أنّ حالةَ عذرٍ شديدٍ انتابتك في أحد الطرق المهجورة ليلاً. إنّه من الممكن أنْ تصفَ لنا الشخصَ الذي هاجمك بأنه قوي ومعتد. في الواقع ربّما كان شخصا صغيرَ السن وتافها، ولكنك “رأيتَـ” ـه كبيرًا ومهدِّدا. إنها ” روايتُـ” ـك . وتلك التي أحبُّ أن أسمعَها.
لقد كانت تهمّني، كروائي، في تلك المقابلاتِ الستين التي أنجزتها مع ضحايا أوم ” الحقيقةُ الجماعية”، تلك التي تنبُتُ من قصصِهم. لقد حاولت أنْ أنفذَ إلى قلوبهم، وأن أشْعر بألمِهم.
– لقد ترجمت في شبابك لكتّابٍ أمركيين مثل فيتزجيرالد Fitzgerald وإيرفنغ Irving وشندلير Chandler .. فهل تعرف الأدبَ الأمريكي أفضل من معرفتك الأدب الياباني؟
موراكامي: لقد انهمكتُ في هذا الأدبِ لأني أحبّ موسيقى الجاز Jazz. إنها هي التي قادتني إلى قراءة الكتّابِ الأمريكيين. بعد ذلك تزوجتُ امرأة لها مكتبة غنيّة بالرّوايات اليابانية، فشرعتُ في قراءتها.

– أليس فرانز كافكا F.Kafkaأيضا، وهو الذي يظهر اسمُه في عنوانِ أحد كتبك، أقصد “كافكا على الشاطئ” ؟
موراكامي: إنه كاتبٌ مهمّ للغايةِ بالنسبة إليَّ. قرأته عندما كنتُ في سنّ المراهقة. وفُتِنْت بعالمه الروائيِّ الذي يبدو هادئا على السّطح، ولكنه في الوقتِ نفسه عنيفٌ ولا عقلاني. إنه عالمٌ فوضويّ، قريب منّي دون شكّ. عندما ذهبتُ إلى براغ أوّل مرّة فوجِئْت بأجواء هذه المدينة، ولكن فجأة بدت لي مألوفة جدّا.
– عادة ما تكون رواياتُك، سيد موراكامي، طويلة. ولكنك تكتبُ القصّة أيضا.
موراكامي: بالنسبة إليّ أفضّلُ الأسلوبَ الطويل. عندما كنت شابًا أحببتُ الرّواياتِ النهريّةَ، مثل التي كتبها تولستوي Tolstoï ودوستيفيسكي Dostoïevski وبالزاك Balzac وديكنز Dickens . القصص القصيرة؟ إنّها ممتعة. فحين أشعر بالإرهاق أكتبُ قصصًا قصيرة..

– هل تكون الحبكة قد اكتملتْ في ذهنك حين تشرعُ في كتابة الرواية؟
موراكامي: لا. ليس لديّ أيُّ مخطّطٍ عندما أشرعُ في الكتابة. أكون خالي الذهنِ وأتقدّم أعمَى في ظلماتي. المشهد الأول في رواية 1Q84 ، مثلا، كان: في تاكسي عالقة في ازدحام مروريٍّ في طوكيو، والشخصية تستمعُ إلى موسيقى كلاسيكية..
لا أدري ما الذي يمكنُ أنْ يحدث في روايتي. أنا واثقٌ في قدرتي على أن أتمَّ الحدثَ فحسبُ. عندي ثقة، لكن دون أن تكون لي بَعْدُ قصة ! اليوم مثلا كتبتُ ثلاثَ صفحاتٍ ولا أعلم ما سيؤول إليه الأمرُ. من المثير فعلا ألاّ يكون لكَ علمٌ بما سيحدثُ في الرواية التي أنتَ بصدد كتابتها. أنامُ مساءً، والشخصياتُ في رأسي. ومن الغد صباحًا وبشكل فجئيّ تبدو مستعدة للحياة.لا أدري ما يفعل الرّوائيون الآخرون، ولكن بالنسبة إليّ هكذَا يكون الأمرُ.

– أنت، سيد موراكامي، دون شك أكثر روائي يابانيٍّ تُرجت نصوصُه. ولكنك ظللت على هامش المؤسسة الأدبية. فهل هذا اختيارُك؟
موراكامي: أنا لا أعرف إنْ كان ذلك اختياري. ببساطة لا أشعر بأنّي أنتمِي إلى الحلقة الأدبيّة اليابانية. وأنا مرتاح لذلكَ. إنّ أسلوبي مختلفٌ عن أساليبِ الكتّابِ اليابانيين. وليس لي استعدادٌ على أنْ أنخرطَ في نشاطاتِهم. فأنا لا أظهرُ على شاشة التلفاز، ولا أقدّمُ محاضراتٍ، ولا أكتب مقالاتٍ، ولا أوقّع نسخًا من كتبي، ولست عضوًا في اللجان الأدبية.. أنا لست مهتمّا بأنْ أفعل أيَّ شيءٍ غيرَ الكتابةِ. أصدقائِي موسيقيُون وفنّانُون ومصوّرُون، وليسوا كتّابًا. أنا رجلٌ عاديّ يكتبُ. وأنتَ، لا شكّ تعلم، بأنّي منشغلٌ بمجموعة تسجيلاتي وبقراءاتِي وزوجتي وقططِي وأنشطتي الرياضيّة وبالكتابة وجلساتِ البيرة.. ماذا أقول؟ أحيانا أُنتقد بسببِ أنّي غير ” مسؤول اجتماعيّا”. ولكنّي أعتقدُ أنَّ مسؤوليتي الاجتماعيّةَ الحقيقيّةَ هي أنْ أكتبَ رواياتٍ.

– في فيفري 2009، قبِلت جائزة القدس. وفي الخطابِ الذي قدمته، سيد موراكامي، يوم الاحتفال نقدتَ العنف الذي تمارسُه إسرائل على الفلسطنيين. فهل يمكن أن نعدّ ذلك التزاما سياسيا؟
– موراكامي: لقد قبِلت الجائزةَ لكيْ لا أخيّب أملَ قرّائي من الإسرائليين. كان أسهلَ بالنسبة إليّ أن أرفضَ. لقد ذهبت وقلتُ ما يجبُ أنْ أقول. أضناني ذلك. ولكنها كانت تجربةً فريدةً في حياتِي.

– ما هو دور الكاتب اليوم في رأيك؟
– موراكامي : أنْ يكتبَ كتبًا جيّدة. منذ آلاف السنين، الرّواة والرّوائيون يحكون قصصًا، هدفهم مساعدة الناس على أنْ يجدُوا معنى، وأنْ يبنُوا الوعيَ. إننا في عالم التِيه والعنفِ. ولكيْ نستمر في الحياة لا بدّ لنا من قيمٍ تكون مراجعَ لنا.
قديما، في العصر البدائيِّ كان الرّاوي يحكِي القصصَ فيدفعُ السّامعين إلى عالمِ الخيال، وإلى التفكير أحيانا، ليُبْقِيَ على الأمل في طلوعِ الفجرِ قريبًا.
عندما أكتبُ رواية أجدُنِي دائما أفكّر في أعماقِ الظلماتِ التي تلفّنا. باختصارٍ، أنا أؤمن بقدرة القصصِ والحكاياتِ الجيّدة. فالخيالُ يمكن أنْ يكشِف عن جزءٍ من الحقيقة.

– إن رواياتك، سيد موراكامي، تُقرأ في العالم. ولكنْ، ما الذي تحققه للقراء زيادةً عن الشعورِ بالمتعة؟
– موراكامي: ليس سهلا أن أجيبك. شخصياتُ رواياتي عادية. قرائي يعرفون ذلك وأنا أيضًا. إنّ هذا التواطؤَ دون شكٍ هو ما يفسّر أنِّي مقروءٌ. لا أدري ما أضفتُ. شيءٌ ما مشترك. ومثالي على ذلك أنّ مليونَ صينيّ قرؤوا روايتِي الأخيرة في وقتٍ كانت بيكين وطوكيُو تتنازعان بسببِ مشاكل حدوديّة. وهذا يعنِي أنّ ملايين من الصّينيين واليابانيين يتقاسمُون شيئا ما مشتركا عبرَ وساطة هذه الرّواية.

– ركّز كتاب يابانيون كثر، على كل حال هم من الجيل السابق، على الخصوصية الثقافية. وهذا لم يكن اختيارك. ففي أيّ شيءٍ ترى نفسَك يابانيا؟
– موراكامي: لا أعرفُ ما معنى انْ تكون يابانيًّا. أنا يابانيّ الجنسيّة. آبائي يابانيون. لقد ولدتُ هنا، وهنا أكتبُ. أحبّ أكلة السوشي sushis، وسوى ذلك فأنا لا أعرف. لقد اكتشفتُ أنّي يابانيٌّ عندما عشتُ في الولايات المتحدة الأمريكيّة، حيثُ كانت ترتدّ إليّ دون انقطاع صورةُ ” الكاتب الياباني”.
هل هذا مهم جدّا؟ لا شكّ أنّ طريقتَنا في التفكير، وفي النّظر إلى الطبيعية موسومةٌ بالثّقافة. ولكنّي غير مهتمّ إلاّ ببيانِ الاختلافِ إذا كانَ جوهريًّا. تلك هي رسالة من يكون فوق الخصوصيات الواقعية أو المفترضة للانتماءِ الثقافيِّ.

الحوار باللغة الفرنسية على الموقع الإلكتروني لجريدة لوموند:


 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق