ثقافة المقال

الجماعات الأصولية والاستبداد بالتربية

ذ: محمد زبير

تحمل التربية في التراث الفكري الاسلامي عدة دلالات ، وتنفتح على عدة أبعاد ، يهمنا منها الحصر لا الفصل ، فهي تجمع بين التأديب والتهذيب ؛ فالتأديب يترادف في غاياته مع التوجيه والانضباط وفق معايير أخلاقية واجتماعية ، تحدد سلوكيات الأفراد الغريزية وتقومها بعيدا عن الأهواء. اذ يعنى التأديب بالسلوكيات والممارسات والأفعال التي يُحتاج فيها الى استعمال أعضاء البدن الآلية ، أما التهذيب فغايته ضبط النفس بإرشادها الى الخير والجمال والإيمان والإحسان ، أي توجيه عوارض النفس : الشهوة ، اللذة ، الغضب ، الفرح …، درأ للمذمة والقبح ، وبلوغا للمحمدة والفضيلة ؛ بإخضاعها للتمييز بالذهن . وهكذا يجمع التهذيب بين الايمان والفضيلة والعلم .
ان غاية التربية -الاسلامية – اذن هي بلوغ سعادة الفرد والمجتمع على السواء ، عن طريق الجمع بين العلم (شأن التهذيب ) والعمل (شأن التأديب) ، بين ما يُعلَم وما يُعمَل… وعن طريق الوسطية والاعتدال في كل اختيار، فالتربية هنا شأن الفرد والأسرة والمجتمع ، وليست شأنا خاصا بفئة معينة أو جماعة ما . من أجل ذلك تجشم كبار مفكري الإسلام عناء وضع مناهج للتربية ، تحديدا وتعلما، بشكل دقيق وفعال ؛ من أمثال الفارابي والغزالي وابن خلدون وغيرهم .
فالتربية الإسلامية إذن ، وظيفة الأسرة المسلمة ، بل هي من واجباتها الدينية ، وحق للفرد تجاهها ؛ والتربية عموما كيفما كانت ، هي من وظائف الأسرة ، وفي هذا تتجلى الفطرة السليمة . لكن حصل أن اعتبرتها الجماعة الدينية الأصولية من وظائفها الأساسية ، فنازعت الفطرة السليمة ، ونازعت حق الأسرة .
فما دلالات التربية الأصولية ؟
حتى لا نسعى عبثا ، وحتى لا نمزج بين المفاهيم ، يلزمنا التمييز ضرورة بين الأصولية كمنهج فقهي مقترن بعلم الأصول ؛ وهذا ليس باب قصدنا ، وبين النزعة الأصولية السياسية المعاصرة التي تشير الى ذلك التصور المثالي والكلي للحياة وللعالم ، في كل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحياة …، والتي تستمد مشروعيتها من اعتقادات متأصلة ، ومن أفكار ونسق من القناعات الدوغمائية المنغلقة التي لا محيد عنها والتي تمثل مرجع الجماعة كبعض الكتابات الإسلامية الراديكالية والمتطرفة والتي تعبر عن نفسية ومزاج أصحابها أكثر مما تعبر عن الدين في صفاءه وسماحته . بمعنى أن الأصولية تتغيى فرض نموذج معين للحياة وللعالم ، مستمد من تصورات ومن أفكار دينية خاصة بالجماعة الدينية ، والتي ليست تعبر عن الدين بالضرورة . لذلك يلزم واجبا ، التمييز بين علم الأصول والأصولية السياسية المعاصرة: فعلم الأصول له بصمة عظيمة في الاجتهاد وفي استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وكان الأصوليون الأوائل روادا في علم الأصول ،لكن الأصوليين المعاصرين انما يركنون الى تقليدهم ، في القشور وليس اللب ؛ بنفي الخطأ عنهم، بل وتقديسهم لدرجة اهمال الأصول ذاتها . فأغلبهم يخبط خبط عشواء، ويظن أن الإسلام محصورة شعائره في أشكال ومظاهر وأنماط جامدة في السلوك ، لا حركة فيها ولا روح؛ بل هي قاصرة المعاني . وتبعا لما تقدم ، تسعى الأصولية الى فرض توجهاتها على الأفراد ، ثم على المجتمع ، وهذا لا يتأتى الا بالتربية ، أية تربية ؟
إن التربية بحسب السياق التداولي الأصولي المعاصر ، شأن خاص بالجماعة الدينية التي تعرف وحدها الحق من الباطل ، وتعرف الخير من الشر ، لذلك من واجبها التدخل في كل الحياة العامة والخاصة ، وأقلمتها وفق قوالب جاهزة تعبر عن مبتغى الجماعة وعن وجودها المطلق . فلابد اذن من بناء حياة ضد التيار السائد ؛ فمادام الواقع هو سيادة الالحاد والانحلال والانحراف والفساد كما تظن… فلابد من بناء واقع جديد وحياة جديدة ، بإعادة بناء الماضي في الحاضر ، أي إعادة إحياء للعادات الإسلامية التي تجسد السنة و كل الخير ، وإقبار للعادات الأعجمية رديفة الشر والبدعة ؛ فليس بالإمكان الاتيان بأفضل مما كان .
فلا غرابة اذن في هذا الانفصام الذي يعيشه الأصولي بين روحه وفكره المستلب، وبين واقعه المعاش ،ولا غرابة في وصفاته الدينية لعلاج بعض مشاكل عصرنا . انه ببساطه في زمن غير زمانه، فلا يزال يحقد على هذا العصر وعلى أهله .
ولقد لجأت الأصولية من أجل بلوغ ذلك ، إلى استثمار طريقتين :
– طريقة خاصة : تكمن في الأسرة والزيارة والندوة والمصاحبة والرحلة …
– طريقة عامة : تقوم على الموعظة والقدوة والقصص والوعد والوعيد …
وهكذا تحاول الجماعة الأصولية وضع منهج في التربية يقوم على التدرج ، والجمع بين ما يُعمل وما يُعلم ، أي بين ما فكري أخلاقي ، وما هو عملي تطبيقي ؛ حتى تحصل الدُربة اللازمة ويُبلغ الحذق المبتغى . وهنا يمكن أن نحصر خطوات المنهج التربوي للجماعة الدينية الأصولية في عدة محطات :
-1 الاستقطاب :
وهو لحظة التمهيد ، اذ تتأسس هذه المرحلة الأولى على استمالة الأفراد والتأثير فيهم ، باستغلال أوجه القصور والضعف لديهم ؛ وغالبا ما تكون الفئة المستهدفة من المراهقين والمهمشين والمقهورين والأميين ، او من ذوي المعرفة المحدودة ، أو السوابق العدلية… ومعنى هذا أن التربية الأصولية هنا تستغل الدونية والضعف النفسي والأخلاقي والقيمي الذي يحس به الفرد داخل المجتمع ، كما تركب على الطموح الطبيعي لدى لمراهق الذي يروم بناء الذات والبحث عن موقع في المجتمع ؛ فتعوض النقص الحاصل لديه والضياع في الفراغ الذي يؤرقه ، باحتلال واستلاب روحه ، وتزكية تذمره من المجتمع .
فالفرد هنا يتمثل أصلا ويحمل ضغائن وأحقاد ضد المجتمع الذي يعيش فيه ، وضد العالم ، بل وحتى ضد نفسه ؛ باعتباره لا يحسن التكيف لا مع ذاته ولا مع محيطه . وهنا وجه الشبه والتلاقي بين الفرد المقهور والجماعة الدينية ، فكلاهما يشتركان في التذمر من المجتمع ، ويرغبان في تغييره بتدميره ، وبناء مجتمع آخر يوافق أهواء الجماعة الدينية والفرد المقهور . إنه إذن تحالف فعال بأهداف مشتركة .
2 – الشحن :
لما تنجح عملية الاستقطاب والاستمالة ، تحاول الجماعة الدينية ، عن طريق الشحن ، تثبيت الفرد على جملة من القواعد والمبادئ – البسيطة في ظاهرها – حتى تسكن روحه ويحس بالطمأنينة في عالمه الجديد ؛ وتقوم هذه المرحلة على التكوين الأساسي في المفاهيم الدينية ، والتركيز على أنماط معينة من السلوك ، كارتياد المسجد ، وتطويل اللحية ، ولباس النقاب لدى المرأة…
هكذا تمهد الجماعة الدينية لاحتلال جسد الفرد واستلاب روحه بشكل مطلق ؛ بل والتحكم في كل حركاته وسكناته ، وعلاقاته الخاصة والعامة مع ذاته ومع أسرته ومحيطه ؛ حيث يلزم أن يلحق التغيير المفاجئ الأبناء والزوجة والآباء والإخوة والأصدقاء والأقارب ، بل والعالم بأسره . انها إذن ثورة حقيقية كانت الذات تتوق إليها وتبحث عنها ، ولن تهنأ الا بفرضها فرضا .
3- التدريب :
غالبا ما تقوم الجماعات الأصولية بخرجات جماعية ورحلات ، تعتبرها “جهادا” لنشر قواعدها وإشاعة منهجها، مستغلة الحريات والمجال العام وبعض المؤسسات العمومية كالجمعيات والمساجد ووسائل النقل العمومية والمقاهي وحفلات الأعراس والجنازات ، وكل التجمعات المتاحة . وهي فرصة لتدريب الأعضاء الجدد على فنون الخطابة والدعوة والاستمالة، وفي الوقت نفسه استقطاب أعضاء جدد … فيتنافس الشباب في ترديد شعارات الجماعة بأصوات زجرية أحيانا وساحرة أحيانا أخرى ، فينبهر المستمع ويجد نفسه مشدودا الى الخطاب دون التحقق من مشروعيته ومصداقيته .
4- تعيين الرؤوس
بعد جولات ورحلات، يتم اختيار بعض الشباب ممن يمتلكون أصواتا مؤثرة وقدرة على الكلام، ومن المتشبعين بمبادئ الجماعة، للقيادة وللتكفل بتسيير خرجات جديدة وتقسيم أماكن العمل لإنجاز ” فتوحات جديدة ” . وهكذا تتمكن الجماعة الأصولية من الانتشار بسرعة من خلال تنظيمها المحكم واستهدافها لآلاف الأشخاص من ذوي القابلية للإخضاع .

ان أهم ما يثير انتباهنا في منهج عمل هذه الجماعات هو القدرة على التطفل، أي أن هذه العمليات تتم بنوع من التعالي على الناس ، بدون أخد اذن مسبق منهم ، حيث يكفي أن تتحقق ظروف التجمع حتى يبادر احدهم بالحديث، مبتدأ بمقدمات دينية مشهورة لإثارة الانتباه، ثم يسترسل في موضوعه مباشرة ، وكأنه تعاقد مسبقا مع الناس وعلم مداركهم ودينهم وحاجاتهم . وهذا نابع في نظرنا من اعتقاد قوي لدى الجماعة بأنها وحدها على النهج السليم ، وبأن عامة الناس ممن هم خارج الجماعة، على نهج معوج وطريق غير مستقيم ، فيرى كل واحد منهم نفسه : قرآن يمشي وإسلام يرى …
ولعل هذا التعالي والتنقيص من قيمة الناس نابع من الأصول الحقيقية لهذه الجماعة ، والنابعة من التطرف الديني والغلو الراديكالي ، من خلال تقسيم الناس الى ثنائية : الكفار والمؤمنين ، دار السلم ودار الحرب ، أهل الله وأهل الشيطان ، المعروف والمنكر … فالجماعة هي طريق الايمان والمعروف والله، وما عداها كفر وشيطان ومنكر . ولما لم تملك القوة لتغيير الواقع تحاول تغييره باللسان فقط ، مما يجعل منهجها الدعوي الذي يبدو مسالما في الظاهر ، عنيف في باطنه ، فلو ملكت القوة ما اكتفت بالكلام ، بل ستجبر الناس على الخضوع بالقوة . ودليل ذلك أن هذه الجماعات لما تمتلك القوة لا تستمر في هذا النهج التطفلي اللفظي فقط ، بل تحمل السلاح وتغزو كل من ليس على نهجها بدعوى الجهاد ( على مقاسها ) . وما الداعشية والقاعدة وطالبان وغيرها الا نماذج ، انها تعيش في كل الظروف وتتلون بكل التلوينات، تتلين أثناء الضعف وتتجبر أثناء القوة، وقد اختارت الاستبداد بالتربية لأنها أصل التنشئة على منهجها وطريقتها .لذلك لابد من التنبيه على خطورة هذه الجماعة من خلال الاهتمام بالمدرسة الحديثة وبالأسرة لتربية المجتمع على قيم الاختلاف والحرية والديمقراطية بعيدا عن التطرف وعن الموقف الواحد ، ولبناء المناعة العقلية للشباب حتى لا يتم استخدام ضعفهم لصالحها.

*باحث في الفلسفة والفكر الاسلامي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق