قراءات ودراسات

من يذكر “نجل الفقير” لمولود فرعون؟

ضفة ثالثة

محمود عبد الغني

“نجل الفقير” رواية شهر نيسان/أبريل
احتفل الأشقاء بالجزائر، يوم 2 أيار/مايو الجاري، بذكرى وفاة كاتبهم العظيم محمد ديب. وكنت أنوي مشاركتهم الاحتفال بمقالة عنه من خلال رواياته ومسرحياته. لكني وجدت أنهم كتبوا أجمل ما يمكن أن يُكتب، وتذكّروا بأفضل الطرق التي يمكن أن نتذكّر بها أدباءنا وعظماءنا، في ممرّ ضيق مثل هذا الذي حُشرنا فيه. وقد أمضيت شهر نيسان/أبريل كاملًا أقرأ رواية الكاتب الجزائري مولود فرعون، لا لشيء إلا لأني قرأت ذات مرّة أن مولود ألّف الجزء اليسير منها في شهر أبريل من سنة 1939. وتشير الباحثة مارتين ماثيو جوب، في كتابها الذي كرسته كاملا لمولود فرعون (لامارتان، 2007)، أنه بدأ كتابتها سنة 1939 وأكملها في 1948، ولم ينجح في نشرها إلا سنة 1950. لكن فكرة أبريل هذه اعتبرتها شاعرية، ونوستالجية أيضًا، إلى أقصى الحدود. لم تُكتب رواية في شهر أبريل أفضل من “نجل الفقير”.
طيلة نصف قرن وما يزيد من وجود الآداب، أو تحديدا الآداب الفرانكفونية، في المغرب العربي، قرأنا، ونحن نقرأ وسنقرأ “نجل الفقير”، إلى أن تمكنت من اكتساب قيمة كلاسيكية. وبعض الإحصائيات تشهد على ذلك بطريقة بليغة: في الطبعة الأولى، طبع من الرواية 1000 نسخة، أما الطبعات التالية فقد صدرت عبر دفعات (3000 ثم 5000، وبلغت عند دار نشر poche 10000 نسخة( أما دار سوي seuil فقد طبعت منها 700000 نسخة.
وبالإضافة إلى الطبع الفرنسي للرواية، هناك الترجمات المتعددة، وقد صدرت فيها نسخ كثيرة، مثل الترجمة إلى اللغة الروسية. ومنذ 1959- وعبر تتابع زمني – صدرت الترجمات الألمانية، الروسية، البولونية، الهنغارية، البلغارية، التشيكوسلوفاكية، الكوبية، الأميركية، البريطانية والإسبانية .
وفي اللغة العربية هناك ثلاث ترجمات: اثنتان في مصر، وواحدة في تونس، وأيضا هناك ترجمة بالأمازيغية. وقد أشارت جوب في سنة 2007 إلى أن الترجمتين إلى اللغتين الإيطالية واليابانية ستصدران قريبا.
اقتُبست الرواية إلى المسرح، وبثها راديو الجزائر، والقناة القبايلية منذ 1951، ثم France -culture سنة 1967 (من طرف الكاتب المغربي إدريس الشرايبي). كما أنها قدمت على الشاشة الصغرى، وحديثا على الشاشة الكبرى (السينما). ومصدر هذه المعلومات هو ابنه علي فرعون.

“نجل الفقير” في الدراسات النقدية
لا بد من الاعتراف بالدراسات النقدية والأبحاث التي أنجزت عن هذه التحفة الكلاسيكية، حيث أنها أضفت نوعا من المصداقية والشرعية على مجمل الأدب المغاربي، مما جعله يكون موضوع درس وتحليل في المدارس والثانويات والجامعات. إذ بدأ الطلاب يتعرفون على كتابة جديدة يقدمها الأدب الفرانكفوني (الذي أصبح اليوم يعرف تحت اسم أدب ما بعد الاستعمار).
لكن شعبية هذه الرواية لم تحل دون بعض المفارقات.
إذا كانت رواية “نجل الفقير” تُدرس في أوروبا وفي الجزائر وباقي دول المغرب العربي، فإن ذلك لا يتعلق بسياسة تعليمية متحررة لأدب وطني بقي لوقت طويل إشكاليا على المستوى المحلي، في الجزائر كما على مستوى مجمل دول المغرب. فعلاقة المغاربيين بالآداب المكتوبة باللغة الفرنسية علاقة إشكالية. وهذه البلدان المتعددة اللغات- الدارجة، الأمازيغية، الفرنسية- تعتبر اللغة العربية هي اللغة الرسمية.
لكن في الخارج- في أفريقيا، جنوب الصحراء، الكيبك، مرورا بالمحيط الهندي وأوروبا- قُرئت هذه الرواية أكثر. ربما لأنها اعتبرت رواية مغاربية بامتياز، وفي نفس الآن باعتبارها نموذجا للأدب الفرانكفوني. كما أنها قرأت باعتبارها نموذجا مثاليا عالميا لمحكي الطفولة.

“لم تُكتب رواية في شهر أبريل أفضل من “نجل الفقير”. طيلة نصف قرن وما يزيد من وجود الآداب، أو تحديدا الآداب الفرانكفونية، في المغرب العربي، قرأنا ونحن نقرأ وسنقرأ “نجل الفقير””

منذ نشرها سنة 1950، حازت الرواية على الجائزة الكبرى للأدب لمدينة الجزائر. لكن الأمر الذي كان مصدرا أول للشبهات هو أن جهة فرنسية كافأت العمل، في سياق سياسي موسوم بصعود الوعي الوطني الجزائري، فارتاب فيه المواطنون الجزائريون (الذين قرأوا العمل بطريقة أيديولوجية) فاعتبروه عملًا أدبيًا في خدمة المستعمر الفرنسي.
وقد رفعت قضية مشابهة، سنتين بعد ذلك، ضد الكاتب مولود معمري وروايته la colline oubliée (الرابية المنسية)، والتي حُطّ من مكانتها بتهمة أنها يمكن أن تلعب دورا في خدمة المستعمر باستعدادها لإبراز الاستثناء القبايلي، الشيء الذي اعتبر خدمة لإستراتيجية التقسيم. وفي أحسن الحالات، عرف هذا العمل لحظات عطف وحنان باعتباره “محكي طفولة” يقدم صورة عن طفولة الأدب الفرانكفوني المغاربي.
لكن هناك مبادرات كانت من طرف بعض النقاد للخروج من هذه الأحكام المتعجلة والمكرورة. ولم تطالب برفض تلك الأحكام جملة وتفصيلا، بل باستخراج الخصائص الحقيقية للعمل: أهمية خطاب الوصف، القيم الإنسانية التي يحتوي عليها مثلا. هذه الملامح بنفسها يجب أن يتم تطويرها في قلب الشعرية العامة لهذا النص الذي هو ليس نصا عرقيا ethnotexte كما أنه ليس نصا شفافا، ولا شهادة بسيطة، بل هو عمل أدبي فعلي.

سرد سير ذاتي
يعود ضمير المتكلم “أنا” الذي يأخذ على عاتقه السرد، في الجزء الأول، الذي يحمل عنوان الأسرة، إلى فورولو منراد، الشخصية الرئيسية في الرواية. فهل يمكن أن يكون ف. منراد نِدًّا لمولود فرعون، كاتب الرواية نفسه؟ هناك العديد من الدلائل والحجج التي تدعم هذه الفرضية. إن الاسم الحقيقي للشخصية الرئيسية، الذّكر، مخفي في النص (انظر ص 27). فهو استثناء في المجتمع القبايلي، أطلقته الجدّة لحماية هذا الولد الذَّكَر الذي طال انتظاره من العين السيئة وذلك ظاهر في الإشارة السيميائية لفعلeffer أي: أخفى. ومعنى ذلك أن لا أحد يمكن أن يراني بعينه الطيبة أو الشريرة “حتى ذلك اليوم الذي أعبّر فيه بنفسي على قدمي عتبة دارنا” (ص 27). يعطي هذا التأكيد والتدقيق للنص نبرة الحقيقة، أو “أثر الواقع”. لكن ذلك لا يمنع من قراءة هذا التأكيد على أنه إشارة من الكاتب الذي اخترع بإرادته ووعيه وبقرار منه هذه الطرفة أو الحكاية ليختبئ وراء هذا القناع.
إذًا فورولو منراد هو السميّ شبه الخالص لمولود فرعون، مثلما فعل كُتاب قبله jules vallé) الذي حول قصة حياة – (jacques vingtras أو stendhal الذي أطلق على نفسه اسم henry brulard في سيرته الذاتية la vie de henry brulard.
سيجد القارئ اليقظ دليلا آخر، أكثر احتجابا. فبداية من الفصل الثالث )ص 20( سيقدم أفراد عائلة فورولو تحت اسم “أولاد (آيت) شعبان”: “ولست أدري البتة لماذا” (ص 20). هذا هو الاسم الحقيقي، المستعمل في القرية الأم، والذي يطلق على عائلة الكاتب، لأن فرعون كما يوضح مولود للكاتب الفرنسي إيمانويل روبليس في رسالة مؤرخة في 5 كانون الثاني/يناير 1953 “هو اسم سجله موظفو الشؤون الأهلية في الحالة المدنية”.
وبعيدا عن مسألة الاسم، هناك خصائص شخصية شبيهة بخصائص الكاتب: نفس الأصول الفلاحية، نفس المسار الدراسي: حاز شهادة الدروس، اجتاز امتحان الحصول على المنحة، ثم ولوج مدرسة تكوين المعلمين في العاصمة. والنتيجة تكون هي أن ليس هناك شيئا مختلفا أو متخيلا في النص.
كما أن هناك أشياء حقيقية إضافية، مثلا استقبال الشاب القبايلي المسلم في داخلية الأب “لمبير”. هنا، مرة أخرى، ينقل تجربته الشخصية المماثلة لـ”بعثة الأب رولان”. ونستطيع أن نضاعف الأمثلة والنماذج في هذا النوع.

نموذج للتخييل الذاتي
هناك جانب في غاية الأهمية هو “الاستعمال التخييلي” للأدوات أو العناصر البيوغرافية، كما فعل فاليس، وستاندال، وفرناندو بيسوا، الكاتب البرتغالي الذي يحمل أسماء عديدة، والذي كان مولود فرعون شديد الإعجاب به. إن هذا الاستعمال التخييلي للحياة يسمح بإعادة خلق حياة جديدة حميمية أكثر بوحًا من الشخصية العميقة ومن حقائقية الأحداث الواقعية.
وقد دافع عن هذه الإمكانية دُعاة الكتابة التي أطلق عليها اسم autofiction التخييل الذاتي منذ سيرج دوبروفسكي. وذلك يسمح بأخذ بعض الملامح عن كتابة أدبية تخييلية. فالكتابة الروائية تقتبس، وتكثّف وترمّز، لتوليد المعنى. هنا بعض الأمثلة: سافر والد مولود فرعون عدة مرات إلى فرنسا، مثله مثل العديد من القبائليين في تلك الفترة، على أمل العثور على عمل يسمح له بالعودة إلى القرية بقدر من المال يساعد الأسرة على العيش. كل تلك الأسفار كثّفها مولود فرعون الروائي في سفر واحد. الخالتان اللتان كان يحبهما فورولو كثيرًا، هما أيضا من عالم العائلة الحقيقي للكاتب: كان لفرعون فعلا خالتان تعملان بصناعة الفخار، وقد أشار هو نفسه في رسالة أخرى إلى إيمانويل روبليس “لم تموتا كما حكيت في الرواية”. فهذه النهاية المأساوية (الواحدة ماتت وهي تلد والأخرى ماتت غرقا) تنتمي إلى الكتابة الروائية أكثر من انتمائها إلى الوقائع الخاصة بالكاتب؛ وهذه الواقعة ترمز إلى نهاية مرحلة، مرحلة القبلية التقليدية.

أما السيرة الذاتية للكاتب نفسه فتبدأ في الفصل الرابع (ص 27)، عندما أكد سنة ميلاده: “ولدت في السنة المباركة 1912 قبل قرض تبراري الشهير …” (تبراري هو شهر شباط/فبراير. ولقد أقرض فيفري يوما من أيامه إلى جانفي الذي كان يريد أن يعاقب امرأة من الجرجرا. ويسمى ذلك اليوم أمرذيل أي القرض). ونحن نلاحظ اختلافا ظاهرا بين سنة ميلاد مولود فرعون المولود في 8 آذار/مارس 1913.
لقد اختار الكاتب أن يقدم رؤية وحكاية وأمثولة عن المجتمع القبايلي، عن طريق نموذج من أسرته، في مرحلة سادت فيها تحولات قيمية واجتماعية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق