قراءات ودراسات

الأمير عبد القادر والإمبراطور نابليون الثالث في تقاطع التاريخ

مسعود ديلمي*

مرت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 الذكرى المئوية الثانية لميلاد شخصيتين كبيرتين أثرتا في التاريخ الحديث لبلديهما خاصة، ولأوربا وللوطن العربي عامة، إنهما : الإمبراطور الفرنسي شارل لويس فليب المعروف بنابليون الثالث، وزعيم المقاومة الجزائرية الأمير عبد القادر. وشاءت الأقدار أن تجمع بينهما وقائع جعلت لهما مكانة في الذاكرة المشتركة بين الجزائر وفرنسا.

وقد ماتا كلاهما في المنفى بعيدا عن الوطن. وتجسيدا لهذه الذاكرة المشتركة قام رئيس بلدية باريس الإشتراكي بارترون دلانوي Bertrand Delanoë  في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2006 بتدشين ساحة قرب مسجد باريس الكبير بالدائرة الخامسة تحمل اسم الأمير عبد القادر بن محي الدين. فما هي  أهم محطات حياتهما…

في 08 نيسان (أبريل) الماضي حلت الذكرى المئوية الثانية لميلاد نابليون الثالث (1808) الذي كان أول رئيس جمهورية ينتخب بالاقتراع المباشر في 10 ديسمبر 1848، في ظل الجمهورية الثانية أو ما يعرف ببلدية باريس، فكانت سلطته تحت مراقبة البرلمان ومجلس الدولة، وهذا ما لم يستسغه، فدخل في صراع مع النواب. لكنه أطاح بهذه الجمهورية بقوة السلاح في كانون الأول (ديسمبر) 1851 بعدما ألغى المجلس التأسيسي ومجلس الدولة قانون الاقتراع المباشر ورفض تغيير الدستور من أجل التمديد له في الحكم، لأن الدستور الجمهورية الثانية لا يسمح إلا بعهدة واحدة من أربع سنوات غير قابلة للتجديد. ولقد استطاع لويس فليب إزاحة خصومه الجمهوريين والملكيين، بالقتل، والسجن، وبالترحيل إلى الجزائر. وبعد هذا الانقلاب عمد لويس فليب إلى تعديل الدستور، وتمديد فترة الرئاسة إلى عشر سنوات وزكى ذلك باستفتاء شعبي في نهاية نفس الشهر والذي كانت نتائجه في صالحه، لتبدأ بذلك مرحلة الجمهورية الثالثة. ورغم أن هذا الدستور يخول له مطلق الصلاحيات كرئيس للدولة إلا أن طموحه في السلطة المطلقة كان أكبر من ذلك، فأجرى استفاء سنة بعد ذلك أي في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 1852 لتبدأ مرحلة الجمهورية الثالثة أي الإمبراطورية الثانية (1853/1870)، ويتحول بموجبه من شارل لويس نابليون رئيسا للجمهورية إلى الإمبراطور نابليون الثالث. ولكنه لقي معارضة شرسة من المثقفين خاصة من لدن الأديب فيكتور هيغو الذي اختار المنفى بالإقامة ببلجيكا على أن يبقى تحت سلطة حاكم مستبد؛ وأيضا عارضه الكاتب إميل زولا…

ويرى بعض المؤرخين أن نابليون الثالث كان يفكر في نظام ملكي على الطريقة البريطانية، لكن الحرب مع ألمانيا قضت عليه وعلى نظامه، وأنهت حكمه، حيث كان آخر أباطرة فرنسا الذي ختم مسيرة عائلة بونبارت التي بدأت في 1789 إلى غاية 1870. فنابليون الأول (بونبارت) ونابليون الثالث (لويس فليب) كانا يمثلان المرحلة الانتقالية التي دامت قرن، فتحولت فرنسا إثرها من النظام القديم، أي الحكم المطلق في ما قبل الثورة، إلى النظام الجمهوري البرلماني.

وإذا كان نابليون بونابرت قد رفع تحديات سياسية كبرى تجلت في التنظيم العسكري والإداري لفرنسا، فإن نابليون الثالث المتأثر باللبرالية الأنجلوسكسونية رفع تحديات مختلفة تزامنت مع بروز الرأسمالية. ففي الجانب العسكري قام بتحديث الجيش عامي 1867 و1868 ليصبح معادلا للجيش البروسي في العدد. وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي ظهرت في عهده الشركات الكبرى، والجمعيات العمالية سنة 1866، ومشروع التربية الوطنية. ولقد تم في هذه الأثناء المرور التدريجي من الحماية التجارية إلى التبادل الحر حيث كُرِّس هذا التحول بالتوقيع على المعاهدة التجارية مع بريطانيا في 23 كانون الثاني (جانفي) 1860. وفي فترة نابليون الثالث تطورت مدينة باريس كثيرا بعد ما قام البارون هوسمانHaussmann  حاكم المدينة الذي لقي مساندة مطلقة من الإمبراطور، بتغير وجهها العمراني وإخراجها من القرون الوسطى إلى الحداثة، فشيّد الحدائق ومسرح الأوبيرا، حيث جعل باريس من أجمل المدن والتي يسميها الزوار اليوم بالمتحف المفتوح. لكن التطور الاقتصادي لفرنسا في هذه الفترة بين 1852-1870 استفادت منه فقط الطبقة المساندة للنظام الإمبراطوري وليس غالبية الشعب.

ولقد اهتم نابليون أيضا بالكتابة في الميادين التاريخية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، فأنجز ”تاريخ سلاح المدفعية“ عندما كان في السجن بين 1840 و 1844. ودوَّن أيضا كتاب ”القضاء على الفقر“ l’extinction du paupérisme بعد ما تأثر بالفلسفة السياسية والاقتصادية السانسيمونية التي تؤمن بالتطور والرقي… وانطلاقا من هذه الفلسفة طرح فكرة تطوير المستعمرات التي يجب أن تكون ملحقة بشخص الإمبراطور وليس بفرنسا في رأيه، والذي عبر عنه في تصريحه عند زيارته للجزائر في 1865 قائلا: ”إنني إمبراطور الفرنسيين والعرب“ مما دفع بالمؤرخين على وصف هذه السياسة ب”سياسة نابليون الثالث العربية“.

وبعد حياة مليئة بالمجد توفي نابليون الثالث منفيا بمدينة شيزلهرست Chislehurst بانجلترا بعيدا عن بلاده يوم 9 يناير (جانفي) 1873. هذا المنفى الذي أجبر على اختياره بعد ما قام المجلس الوطني بإزاحته من الحكم، وإبعاد عائلته وتحميله كل مآسي فرنسا إثر خسارتها الحرب أمام ألمانيا التي كان يقودها بسمارك في هذه الفترة. لقد أعلن نابليون الثالث استسلامه في معركة مدينة سدان sedan يوم 2 أيلول (سبتمبر) 1870، وكان غرضه هو إنقاذ 60 ألف رجل محاصر مثل ما يقع في بعض الحالات. وبنت الإمبراطورة أجيني Eugénie على قبر زوجها ديرا، ودفنت بقربه بعد وفاتها في 1920 حسب أمنيتهم بعيدا عن فرنسا لما لاقاه من خصومهما السياسيين.

واليوم يحاول البعض إعادة رفاته إلى فرنسا، لكن المشكل الذي يطرح أمامهم هو من هي المدينة التي يكون لها شرف استقبال رفاته، فيرى بعضهم أن مكانه بمدينته الأصلية أجكسيو Ajaccio عاصمة جزيرة كورسيكا. كما رغب رئيس بلدية نيس في وضع رفاته ببلديته اعترافا له بالجميل لأن نابليون الثالث هو الذي من ضم نيس ومقاطعة الصافوا Savoie إلى فرنسا. وأيضا ترغب كنيسة القديس أوغسطين بباريس استقبال جثمانه. غير أن الأمير شارل أحد أحفاد نابليون ومسؤول العائلة يرى أن بريطانيا تبعد فقط بساعتين عن باريس، ويتساءل ”هل نقبل نحن إعطاء الانجليز رفاة غيوم الغازي (الفاتح) Guillaume le conquérant  المدفون بمدينة كاينCaen  الساحلية شمال فرنسا“. وإذا كان الأمير جوانفيل Joinville قد أحضر جثمان نابليون بونبارت سنة 1840 بعد ما توفي منفيا بعيدا عن فرنسا، فلأن تلك الفترة كانت تتميز ببناء الأمة التي يلزمها رموز، وكان عصره عصر بناء القوميات في أوربا، أما اليوم فالعالم مفتوح والتبادل أكثر سهولة. هكذا كان مسار نابليون الثالث بين المجد والسقوط، فما هي مراحل حياة الأمير عبد القادر الذي جمعت بينهما العداوة ثم الصداقة؟

ولد عبد القادر بن محي الدين في 6 أيلول (سبتمبر) 1808 بمنطقة معسكر بالغرب الجزائري، ينتمي إلى الزاوية القادرية، زار عدة مدن بالمشرق العربي رفقة والده لأداء مناسك الحج، ولما عاد إلى أهله بويع في 1832 أميرا لمقاومة الاحتلال الفرنسي بعدما استسلم الباي العثماني حسن حاكم وهران. ويعتبر بعض المؤرخين هذا الفعل بداية لتأسيس الدولة الجزائرية الحديثة. ولقد خاض القائد الشاب معارك ناجحة ضد الجيش الفرنسي فاستطاع فرض سيطرته على ثلثي التراب الجزائري بعد توقيعه معاهدة تافنة في 30 أيار (مايو) 1837، ولكنه اعترف أيضا بالسلطة الفرنسية على جزء من التراب الجزائري. ودخل الأمير في صراع مع الحاج أحمد باي حاكم إقليم الشرق الجزائري باسم السلطة العثمانية لتمثيل شرعية الجهاد. وحاول الأمير عبد القادر إعادة تنظيم صفوفه خلال فترة السلم مع جيش الاحتلال والتي دامت سنتين، لكن يبدو أن الظروف التاريخية كانت ضده فعادت الحرب من جديد بعدما استعد لها الفرنسيون جيدا، فاستطاعوا القضاء على زمالة الأمير (أي العاصمة المتنقلة) في 16 أيار (مايو) 1843. إثر ذلك تحول إلى السلطان المغربي معترفا بسلطته كخليفة للمسلمين لعله يدعمه في مقاومة الاحتلال. لكن فرنسا هددت السلطان بزوال عرشه العلوي بعد ما ألحقت الهزيمة بالجيش المغربي بمعركة إيسلي قرب مدينة وجدة في 14 آب (أوت) 1844. وشهر بعد ذلك تم توقيع اتفاقية طنجة بين فرنسا الغازية والمغرب المهزوم فأعلن بموجبها أن الأمير خارجا عن القانون ويجب محاربته. لقد آثر السلطان المغربي كأي حاكم حماية عرشه بدل نصرة الأمير. وبعدما وجد هذا الأخير نفسه في حالة ضعف إثر فقدانه الكثير من المناطق، وانضمام العديد من القبائل إلى عدوه الجيش الفرنسي، وبعد ما رفضت بعض الزعامات في جهات عديدة بالجزائر تنسيق المقاومة، اضطر إلى طلب الآمان له ولعائلته ورفقائه، حفظا لأرواح الآلاف، بشرط أن يسمح له بالرحيل إلى الإسكندرية بمصر أو مدينة عكا بفلسطين. وقدم حصانه في 24 كانون الأول (ديسمبر) 1847 إلى الحاكم العام الجنرال لمورسيار  Lamoricière. وركب معه في الباخرة حوالي مئة شخص رجالا ونساء، وأطفالا. وتم إنزالهم بميناء تولون، ثم حولوا إلى قصر بو Pau جنوب غرب فرنسا حيث بقوا في هذه المدينة 6 أشهر أي إلى غاية 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1848. وكان الأمير يرفض التجوال خارج القصر، فيقضي جل أوقاته بين رفقائه في الخيمة، ولا يدخل غرفته إلا للنوم، ولما سئل عن السبب أجاب قائلا: ”إنني في حداد والعربي إذا كان حزينا لا يبرح خيمته، إنني في حداد على حريتي لهذا لا أترك غرفتي“. وعند مغادرته لهذه المدينة الجميلة صرح متعجبا : ”أرى هذا الخير كله : السهول الخضراء، والحدائق، والغابات، والأنهار. ما الذي يحتاجه الفرنسيون ليحتلوا وطني بلاد الرمال والأحجار.“

وتم تحويل الأمير إلى مدينة أمبواز Amboise وسط غرب فرنسا حيث أجبر على البقاء في قصرها إلى غاية 1852. وظل الأمير يشتكي من عدم وفاء فرنسا بوعدها بالسماح له بالهجرة نحو المشرق العربي بقوله : ”لو كنا نعلم أن المآل يكون هكذا لما تركنا القتال…“ وكان الأمير يلقى احترام الكثير من القادة الفرنسيين سياسيين وعسكريين، وعلى رأسهم نابليون الثالث الذي زاره عندما كان أسيرا بفرنسا؛ كما زاره في إقامته الكثير من الفضوليين، ومنهم من تأثروا بشخصيته، وطالبو بإطلاق سراحه.

وكتب الأمير في هذه الفترة رسالة إلى الفرنسيين بعنوان ”المقراض الحاد“ بين 1852 و1855، يشرح فيه الإسلام ويدافع عن عقيدته. وأعتبر المؤرخون هذا العمل أول حوار بين الأديان. وقام القس  تيسيي Tissier رئيس كنيسة الجزائر سنة 1975 بترجمة الجزء الخاص بالحوار الإسلامي المسيحي.

وبعد ما استقر الوضع لنابليون الثالث سمح للأمير بمغادرة فرنسا نحو المشرق شريطة ألاّ يعود للجزائر. وفعلا رحل الأمير إلى بلاد الشام عبر تركيا ولكنه استقر بدمشق، هذه المدينة رمز العروبة التي وجد فيه سمات البيئة التي غادرها، فدرّس بمسجدها الأموي. وترك الأمير أثرا طيبا في نفوس كبار قادة العالم السياسيين، وعند الزعامات الروحية مثل البابا في تلك الفترة المميزة بالصراعات بين الدول من اجل المصالح، حيث ساهم في تجسيد التسامح الديني بعد ما تدخل لإنقاذ ألاف المسيحيين عندما وقعت الفتنة الطائفية التي عرفتها بلاد الشام سنة 1860. فهذا العمل جلب له احتراما كبيرا، فأصبح يطلق عليه اسم “صديق الأوربيين”.

وعاد الأمير إلى باريس زائرا في 1865 فاستقبله نابليون الثالث بحفاوة، واقترح عليه أن يكون نائب الملك على بلاد الشام بعد نزعها عن الخلافة العثمانية، فرد عليه الأمير : ”إن مملكتي ليست من هذا العالم…“ ولقد حضر الأمير حفل افتتاح قناة السويس في 1869 بجانب الكثير من الشخصيات العالمية.

وجمع الأمير عبد القادر بين العالم المتصوف والقائد العسكري الشجاع. ولخبرته بشؤون الفروسية استعان به الجنرال دوما Doumas في تدوين كتابه حول الخيول. كما كانت للأمير علاقة بالماسونية بعدما شده إليها شعاراتها كالأخوة والتضامن، لأن هذه الحركة الباطنية كانت ظاهرة جديدة في العالم الإسلامي أثناء القرن التاسع عشر فأثارت فضول الكثير من الناس. ولكنه ابتعد عنها لما أدرك أنها لا تخدم قضايا أمته. وتوفي الأمير بدمشق في 26 أيار (مايو) 1883 ودفن بجنب شيخه ابن عربي. ولكن بعد استقلال الجزائر حولت رفاته إلى مقبرة العالية بالجزائر العاصمة سنة 1965، ويدخل هذا في إطار بناء الهوية الوطنية للدولة الجزائرية الفتية.

وفي الأخير ما يمكننا استنتاجه من مسار الرجلين هو أن الشروط الموضوعية هي التي حددت مسارهما صعودا وهبوطا. وكل منهما هو نتاج ثقافة معينة وخاصة تختلف جذريا بين هذا وذاك، فكان أداء نابليون الثالث وفق السياسة العقلانية التي طورت العلوم في شتى الميادين، وأنتجت الدولة-الأمة الحديثة، لكنها أفضت إلى استعمار البلدان الضعيفة واستعباد الشعوب واستغلال خيراتها. أما الأمير عبد القادر هو ابن الثقافة الإسلامية الصوفية التي عاشت في جمود منذ قرون، فالانحدار الحضاري كان قد بلغ ذروته في القرن التاسع عشر، وبالتالي كل الشروط الموضوعية حددت فشل المقاومة، فلم تصل الدولة بمفهومها الحديث بعد في هذه الفترة إلى تصور الأمير. فالدولة الحديثة تقتضي الاستقرار والاستمرار في البناء وتتجسد في مؤسسات… وعندما رحل الأمير إلى المشرق انكفأ على نفسه غارقا في الفكر الصوفي بعيدا عن مشاريع الحداثة مثل إنشاء الصحف والمدارس العلمية والتقنية… ولم تنتهي المقاومة العسكرية بانتهاء الأمير عبد القادر بل تواصلت متفرقة طوال القرن التاسع عشر إلى أن انتهت كليا مع بداية القرن العشرين. وبذلك تنتهي مرحلة هامة من تاريخ الجزائر لتبدأ مرحلة جديدة من المقاومة في شكل سياسي، حيث تجلت في مطالب سياسية وثقافية كان الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر أحد رموزها.

*كاتب من الجزائر مقيم بباريس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق