ثقافة المقال

الرواية بين اللغة وتقنيات السرد

صونيا خضر
 
الرواية هي نوع أدبي خاص له تقنياته وعناصره، وهو مثل كل الأنواع الأدبية، من شعر، وقص، وسرد، وتوثيق، وتأريخ، يعتمد في الدرجة الأولى على اللغة، فاللغة هي منزل الوجود، كما يقول مارتن هايدجر، وبالتالي فاللغة هي منزل الأدب، فلا كتابة على الإطلاق من دون لغة، ولا أدب على الإطلاق من دون لغة، أيضاً.
يختلف توظيف اللغة فنياً بين الأنواع الأدبية المختلفة، فبعضها مثل الشعر، أو بعضه، يتطلب الالتزام بالوزن (أحياناً) والتراكيب الفنية والصور. ورغم الجدل حول قصيدة النثر، إلا أن النص المعروض على أنه شعر يقدم نفسه بنفسه، ويحافظ على هويته والتزامه بالقواعد التي تمنحه عنوانه، فليس في الإمكان اعتبار أي نص نثري قصيدة، إن كان يخلو من قواعد قصيدة النثر، وليس في الإمكان أيضاً اعتبار أي نص موزون قصيدة إن كان يخلو من المعنى.
فيما الرواية، التي تعتمد بشكل أساسي على اللغة، ولا تتطلب جمالية لغوية فائقة، تتطلب في المقابل مهارة لغوية فائقة تتمكن من رسم الخطوط البيانية للأحداث، تباطؤها وتسارعها، تقديم الشخصيات بدواخلها وعمقها وبيئتها، وصف الأمكنة والأزمنة التي تدور فيها الأحداث، بحيث تعرض الرواية على أنها رواية وفقاً للمصطلح النقدي المتعلق بهذا النوع الأدبي. ورغم أن للرواية عناصر أساسية وقواعد، كالشعر، وبقية الأنواع الأدبية، إلا أنها تحتمل تضمينها للتراكيب الفنية الجمالية، حسب أجواء السرد، وتحتمل أيضاً الخروج عن قواعد الالتزام الكليّ بالسرد، مع مراعاة مركزيته في الرواية.
يستطيع المؤلف تجاوز الخط العام للسرد، أو القفز خارجه، أحياناً، لتمرير رسالة ما، أو وصف

“الرواية، التي تعتمد بشكل أساسي على اللغة، ولا تتطلب جمالية لغوية فائقة، تتطلب في المقابل مهارة لغوية فائقة تتمكن من رسم الخطوط البيانية للأحداث”

فكرة ما، أو إعطاء رأي ما. كما ويستطيع أن يكون أكثر رومانسية، أو قسوة، أو طيبة، أو مكراً، أو فقراً، من شخصياته، عن طريق مداخلات فرعية يلجأ فيها إلى دور الراوي، أو العراب، لتلك الشخصيات. ورغم مسؤوليته الكاملة عن أشخاص الرواية وحركاتهم وانفعالاتهم، فليس من الضرورة، في مكان، أن يتبنى أفكارهم بشكل مطلق، أو حتى بشكل عام، فهذه الشخصيات هي مجموعة من أدوات لتفكيك الفكرة وتشريحها لأجل عرضها في قالب سرديّ جاهز للمتلقي، وإقناعه بأن مجريات الأحداث هي أقرب للواقعية من الخيال.
يتوخى بعض الكتاب السهولة اللغوية، ولا يجدون سبباً لإرهاق القارئ بالتكثيف والتفخيم، ويبرعون في الكشف عن العوالم الداخلية للأبطال، ووصف البيئة المرافقة للرواية بلغة بسيطة، ويعدون رواد المدرسة الواقعية للرواية، (مثل نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وسعود السنعوسي)، التي غايتها هي العرض، وربما التلقين، فيما يؤمن بعض الكتاب، ممن يغالون في اللغة لتتجاوز السرد التقليدي إلى النثر الفنيّ، بأن الرواية هي نوع أدبي مفتوح على التأويل والفلسفة والغيبيات والوجوديات، فيخرجون أحياناً عن عناصر الرواية التقليدية، وقد يجزؤون الحبكة، عن طريق السرد البطيء، أو يحجّمونها مثلاً لتصبح أمراً ليس ذا اهمية على حساب تكثيف الصورة الوجودية للشخصيات، عن طريق عرض مونولوج طويل مثلاً، تتعارك فيه الأصوات الداخلية للشخص الواحد، هذه الأصوات التي تعد الشخصيات الرئيسية في الرواية، كما في رواية “حليب أسود” للتركية إليف شفق، وكما في كثير من أعمال الجزائري واسيني الأعرج، ومنها على سبيل المثال روايته “شرفات بحر الشمال”، التي يعتمد فيها الحوارات المكثفة، والرسائل التي تعتبر نصوصاً أدبية غاية في الدهشة والجمال، تلقن المتلقي الدهشة على مراحل تمكنه من الاستمتاع بالسرد والحكاية معاً، الروائيون الذين يعتمدون على جمالية اللغة يسعون ضمناً إلى جعل القارئ واحداً من أبطال الرواية، بل ربما البطل الحقيقي، فهم من خلال وصفهم للحالة الوجودية للشخصيات، وطرحهم

“يستطيع المؤلف تجاوز الخط العام للسرد، أو القفز خارجه، أحياناً، لتمرير رسالة ما، أو وصف فكرة ما، أو إعطاء رأي ما”

للقضايا التي تحتمل الجدل والصواب والخطأ، يسحبون القارئ إلى دواخله وعواطفه المسكوت عنها، فالرواية من وجهة نظرهم (التي أجدها صائبة شخصياً) هي طرح لمسألة ما، وليست مجرد عرض لحدث، أو مجموعة من الأحداث، والنص هو آلة كسول تتوسل القارئ أن يقوم بشيء من مهامها، أن يشعر بما تريد أن تقول، وأن ينصف بشكل ما هواجس الكاتب، فنهاية الأمر الكاتب ليس إلا إنسان عادي لجأ إلى الكتابة عوضاً عن الاستسلام للوحدة، ونهاية الأمر أيضاً، كلنا وحيدون وقلوبنا صحارى قاحلة، كما يقول إميل سيوران.
إذاً، يستطيع الكاتب عرض روايته عرضاً مباشراً، أو أن يلتف لغوياً حول الأحداث والشخصيات للخروج بعمل أقرب إلى النثر السردي من السرد الخالص. وفي كلتا الحالتين، اللغة هي الأساس للرواية، فمهما كان السرد مباشراً، والعرض تقليدياً، لن يخلو من تراكيب لغوية فنية، حتى في روايات العصر الحديث، والأكثر مبيعاً في العالم، لكتاب كسروا حاجز المليون نسخة، أمثال الياباني هاروكي موراكامو، والأميركي دان براون، فرواياتهم لا تخلو من عبارات فلسفية عميقة، وتراكيب لغوية مدهشة.
وإذاً، (مرة أخرى) اللغة ليست أحد عناصر الرواية فحسب، بل هي واحد من أبطالها، فليس هنالك من وجود مادي لأي من عناصر الرواية دون اللغة، التي هي القالب الذي يصب فيه الكاتب شخصياته وأفكاره، ومن خلالها فقط يستطيع القارئ فهم التجربة التي يتحدث عنها الكاتب.
قد تذهب اللغة أبعد من الحدث والمكان والزمان، وقد تتفوق على الحبكة، كما ذكرت أعلاه، وقد تصبح الرواية نصاً نثرياً طويلاً لا ينقصه شيء من تقنيات السرد.

تقنيات السرد
السرد هو إحدى طرق تقديم الأحداث والشخصيات والمواضيع في الأعمال القصصية جميعاً. ومن صعوباته أنه أنواع كثيرة، تندرج بين التفصيلي والمباشر والحوار والمناجاة والوصف،

“هنالك السرد الحواري المسرحي، وهنالك السرد بضمير المتكلم، حيث يزج الكاتب نفسه كواحد من أبطال الرواية، وهنالك السرد بضمير الغائب، الذي يصلح للرواية التي تعتمد على الحدوتة”

واللجوء إلى ضمير الغائب، أو المتكلم، لذلك فتحديد ماهية السرد ليست من السهولة بمكان. ولعل تنوع طرق السرد، وأنواعه، من سيرة ذاتية، ويوميات، ورسائل، هو ما جعل بعض النقاد يسمي النوع الروائي كله بالسرد.
إلا أننا هنا سنعود لتقنيات السرد في الرواية، هنالك السرد المشهدي مثلاً الذي يتوخى الدقة الشديدة في الوصف، وهنالك السرد الحواري الذي يعتمد على تقنيات الكتابة المسرحية، وهنالك السرد بضمير المتكلم، حيث يزج الكاتب نفسه كواحد من أبطال الرواية، وهنالك السرد بضمير الغائب، الذي يصلح للرواية التي تعتمد على الحدوتة.
ليست إدارة السرد مهمة سهلة على الإطلاق، لكن المؤلف المحترف يستطيع إدارة تصاعد وتباطؤ النص واستراحاته، بحيث يحافظ على نبض القارئ، من خلال تشويقه، بقدر محسوب جيداً، ولا يدعوه لاستباق الأحداث الكبيرة، وإهمال التفاصيل الصغيرة، النص هو عبارة عن نسيج مترابط، وإهمال أي غرزة فيه قد تثقب الفكرة وتفرغها من محتواها، وقد يعمد بعض المؤلفين إلى طرح أعمالهم عن طريق مربعات غير متجانسة (قصص مختلفة وأبطال منفصلون)، إلا أنهم يراعون بشكل أساسي التجانس في الملمس، حتى إن حان وقت تجميع تلك المربعات تمكنوا من جمعها بخيط واحد. مثال على ذلك، هدى بركات في روايتها “بريد الليل”، وهاروكي موراكامي في غالبية أعماله.
نهاية، للسرد تقنيات متنوعة ومختلفة، ولكي تستحق الرواية معناها الأدبي، يجب أن لا تخلو من عناصرها الرئيسية، حتى وإن اختلفت طرق توظيفها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق