ثقافة المقال

مدينة الطيبة. أكبر مدن المثلث الجنوبي.

من كتاب " المثلث.. الأرض والإنسان. 1993 )

فؤاد عبد النور
 
( وجدت أني يجب أن أكون انتقائياً في إرسالي لمواضيع المثلث إلى موقع ” المجلة الثقافية الجزائرية “. فالكثير من هذه المواضيع نكهته محلية، يهم أكثر مواطنينا الفلسطينيين في الداخل وفي الضفة والمهاجر.
موضوع اليوم مهم من حيث هو مقابلة مع فلسطيني نشط في الأحزاب الإسرائيلية، ونشط كذلك في مجتمعه المحلي الخاص. يحاول أن ينقل مفهوم الدمقراطية الممارس في إسرائيل – والذي يتمتع به اليهود فقط – إلى أن يمارس في الوسط العربي. للآن لكم ينجح هذا الاتجاه، ولا نجحت الدمقراطية بمفهومها السليم في إسرائيل. فؤاد.)

النفاق في الشارع العربي
ذكرت لعبد العزيز أبو أصبع أني حضرت مسيرة السلام في وادي عارة، بضعة أيام قبل حرب الخليج في 12 \ 1 \ 1991، وأني أرغب في التعرف على الأستاذ وليد صادق، مدير المركز الدولي للسلام “، وأحد المبادرين الرئيسيين لهذه المسيرة، فوعد أن يعرفني عليه، ودعاه لمكتب النهضة. لبى الدعوة رجلٌ طويل القامة، وسيم الطلعة، رشيق الجسم، باسم الثغر، وعرفني عليه بأنه وليد صادق. وجدته يتكلم بصراحةٍ متناهية، ولو كانت على نفسه، في زمنٍ تُفتقد فيه الصراحة والصدق، ويزدهر فيه النفاق والتقلب. عمره ثلاثة وخمسون سنة، وله ثلاثة أولاد وثلاث وبنات، تخرج من الجامعة العبرية في تل أبيب- علم اجتماع وعلاقات دولية – وعمل في التدريس لثلاثة وعشرين سنة، وانتخب عضواً في المجلس المحلي للطيبة في السنوات 83 – 88، وأدت به تلك العضوية إلى إنذاره بقرارٍ حاسم، أن يستقيل من المجلس المحلي، أو من ممارسة التعليم، بحجة تناقض المصالح، فاختار أن يبقى في المجلس المحلي، فــفُصل دون تعويضات خدمة ثلاث وعشرين سنة! ولما سمعت هذا عبرت عن استغرابي الكامل، وتساءلت:- وهل قدرت لك الطيبة هذا؟ فأجاب دون حرارة:
” الواقع لا. كلمة شكر واحدة لم أحصل عليها! الشكر والتقدير غير ممارسٍ عندنا”.
رفعت حاجبيَّ. هيأت نفسي لتصريحاتٍ حلدة. وفعلاً تدفقت تحاليله لوضع العربي داخل إسرائيل، وأنتقاده لتصرف أبناء شعبه:
” لا أُـبالغ إذا قلت أنه توجد عندنا أزمة ثقة بعضنا في البعض الآخر. عندنا يمارسون بإسراف في موهبة الشك في الدوافع. وهو شك عميقٌ في تراثنا. يرجع في اساسه لخطأٍ في التربية منذ الطفولة.”
وسألت:- فهمت أنك كنت في المجلس المحلي، مع أي تكتلٍ كنت؟ فأجاب:
” كنت مع المعارضة الإيجابية. في ذلك الوقت كان هناك تنسيقٌ أكثر بين المعارضة والرئاسة في المجلس. أما اليوم فلا أظن أنه توجد هناك أية معارضة، مع أن وجود معارضة إيجابية تعتبر دليلاً على صحة عمل المجلس. إنها بوصلة توجيه، وتصحيح الاتجاه. مع الأسف الانقسام الحمائلي أفسد المعارضة الإيجابية. وزاد الشرخ بين الحمائل. وساهم الإعلام في تأجيج الصراع. ومع الأسف فإن الشيوعيين بدلاً من أن يحرروا الطيبة وغيرها من تسلط الحمائل، وقعوا في المستنقع نفسه، وتلطخوا فيه!”
تذكرت أني قد قرات في أحد المراجع أن الحمائلية قد ضعفت في أواخر عهد الانتداب، ولكنها رجعت وقويت كثيراً مؤخراً. فسألت إن كان هذا صحيحاً برأيه. فلم يتردد بالمرة بالإجابة:
” أوافق على هذا بالتأكيد. فعلاً أرجعت إسرائيل القوة الحمائلية بذكاءٍ. غذت النعرة العائلية. نشأتُ وأنا أعرف أن اسمي هو وليد صادق الحاج يوسف. لم أكن أعرف أني انتسب إلى عائلة الحاج يحيى إلا عندما تم إحصاء السكان. سجلت كل فرد على أصل عائلته. وليس هذا فقط، بل ضمت عدة عائلات صغيرة متفرقة إلى عائلة واحدة حتى تكبر وزنها في المجتمع، ويصبح لها قوةً عدديةً.
” الواقع أنني لا أعرف إذا كان قد قام أحدٌ بدراسة هذه الظاهرة في المجتمع العربي من قبل: الحمائل العربية واستغلال إسرائيل لها.. إنها نقطة تستأهل البحث الجاد. وضعنا فريدٌ من نوعه. لقد انقطعنا عن العالم العربي، وتعرضنا لتغييرات كبيرة. نُهب 72 % من أراضينا بالمصادرات المختلفة، رغم أن مجتمعنا كان يعتمد كليةً على الزراعة، كأساس اقتصاد مجتمعنا، فتعرضنا لضائقة اقتصادية شديدة وحكم عسكريٌّ شديد، وظهور طبقة من الزعماء جديدة كانت في الواقع تخدم كمقاول لمصالح الحكم العسكري، وأصبحت هناك رابطةٌ جديدة بين الفرد والزعيم الجديد؛ تريد قرضا؟ عليك بالحصول على الموافقة المسبقة من الحكم العسكري. تريد تعييناً في وظيفةً؟ كذلك عليك بالذهاب للحاكم العسكري. هذا حكمٌ عسريٌّ شديدٌ أشرف على كل حركة وسكنة من سكناتنا، حتى إجراءات الزواج كان يتدخل فيها! أستطيع أن أقول أن أجهزة الأمن تقرر كل شيءٍ عندنا. القيم القومية لم تكن متبلورة بعد. انشغل الكل بالهدف الجوهري.. تأمين وتحصيل المعيشة”. فكان لا بد أن أتوجه بهذا السؤال:
– وهل تغيرت هذه الصورة القاتمة في هذه الأوقات؟ فأجاب:
– ” أظن أنها قد تغيرت نوعاً ما. إذ حصل تطوران مهمان: الأول حدث انتعاشٌ اقتصادي في إسرائيل. والثاني حدثت حلحلة في الحكم العسكري القمعي. فبالنسبة للعنصر الأول، الانتعاش الاقتصادي، حصل العامل العربي على أهمية متعاظمة في سوق العمل. أصبحت هناك حاجةٌ ماسةٌ إليه. أصبحت السوق اليهودية تركض إليه. أما العنصر الثاني فكان تصدي الحزب الشيوعي للحكم العسكري، مما كسر إرهابه، وهذا رصيد عظيمٌ له لا يمكن لأحدٍ إنكاره.
” ولكن كراهية الناس للحكم العسكري خلفت أغلاطاً تربوية أساسية عندنا. لم يفرق الناس بين المتعاون مع الحكم العسكري، وبين المعترف بدولة إسرائيل. عندما يتحدثون عن الأحزاب الإسرائيلية يقولون عنها أنها أحزابٌ صهيونية. وهذا في رأيي تعميمٌ وخطأٌ تربويٌ في التفكير.والسبب أنه حتى سنة 65 لم تكن تجد أي معلمٍ تقدميٍّ أو شيوعيٍّ في المدارس. أي معلم كان يقول عن نفسه أنه يساري كان مصيره الطرد الفوري من سلك التعليم. وهكذا نشأ أولادنا في رعاية معلمين أباءٍ حرصوا على إطاعة توجهات الدولة، فأصبح عندنا تناقضٌ كبيرٌ بين كوننا مواطنين في الدولة، وبين هويتنا الفلسطينية. خذ حركة النهضة عندنا كمثلٍ:- إنهم لا يشاركون في انتخابات الكنيست، ولكنهم لا يرفضون الهوية الإسرائيلية. لا يمانع عرب إسرائيل في أن يكونوا إسرائيليين، ولكن على شرط حل القضية الفلسطينية. لقد قوي انتمائهم الفلسطيني، وتمكّن ارتباطهم بالضفة، واصبح ذلك الارتباط عاطفياً، مع أنهم أول ما احتلت إسرائيل الضفة كانوا يقولون عن ساكن الضفة الغربية، “هذا ضفاوي “! كتعبير عن عدم الاحترام. عندما كان العربي من الضفة يزور نابلس، كان يحمل في رأسه قيم ومعايير تل أبيب، ولا يفكر أنه من الطيبة. وعندما كان يزور مصر، كان يقارن بين المدن في مصر والمدن اليهودية، ولا يقارنها بقريته العربية.
” ولكن مع ازدياد احتكاكنا بأهلنا في الضفة ، وتزامن ذلك مع بروز المنظمة، ونمو المقاومة الفلسطينية، ازداد نضج الهوية الفلسطينية بيننا، وفشل الهدف الحكومي في التعامل معنا كطوائف منعزلة.
” قوي الاتجاه نحو التعليم فينا، وأصبح الاتجاه العلمي، ولو على المستوى الفردي نوعاً من صراع البقاء. إذا كنت تريد أن تكون مثله، أو أحسن منه، يجب أن تتعلم أكثر منه! أصبحنا مثلما كان اليهود سابقاً، أقلية تسعى لتثبيت كيانها بوساطة العلم. أصبحنا أقليةً عربيةً تريد الاندماج في حياة الدولة، وأن تحصل في نفس الوقت على المساواة في الدولة. أقلية تريد أن تمارس جميع حقوق الدولة الديمقراطية العلمانية، مدركة في نفس الوقت وجود أغلبية يهودية ترفض ذلك. إن تظاهرت محتجا على ممارسة ما أستنكرها في هذه الدولة، إعتبرت مظاهرتي ضد الدولة! ولكن إذا أغلقت مستوطنة ما الطرق، أو هاجم أفرادها الشرطة، يعتبر هذا تصدياً ديمقراطياً مسموحاً به. هنا الخطر!!”
يتمتّع وليد صادق بخبرة سياسية متنوعة، وتجربة غنية في اتجاهات سيسية مختلفة في الأحزاب اليهودية، الصهيونية في الغالبية المطلقة، وكذلك لم يكن منعزلاً عن السياسات العربية. إنه يفتخر بكونه تلقى خلال نشاطه في مركز السلام الدولي رسائل من قادة في منظمة التحرير، نشرت علناً في مؤتمرات السلام الدولية، وشرح لي تدرجاته في العمل السياسي:
” كنت مؤيداً لحزب العمل في الخمسينات. ولكني بقيت دون هويةٍ سياسيةٍ حتى سنة 77. وعندما أنشئ حزب شيلي بزعامة ماتي بيلد، ودوف إلياف، وأوري أفنيري انضممت إليه. وكنت أول عربيٍّ مثل يهوداً في الكنيست 80-81. ثم انقسمت شيلي إلى قسمين: قسمٌ ذهب إلى التقدمية، وذهب قسمٌ آخر إلى راتس. ذهبت أنا إلى التقدمية مع ماتي بيلد. وبعد أن أمضيت سنتين في التقدمية تركتها سنة 85، وفي هذه الأثناء خرجت مبام من حزب العمل، فانضممت إليها – مبام – ولما دعوني في مبام أن أكون مسؤولاً عن نشاط مركز السلام في الوسط العربي، قبلت.”
وعن رأيه في موقف الحزبين الكبيرين المعراخ والليكود من الإقلية العربية، قال:
” تعاون الحزبان في الانتخابات الأخيرة في مسعىً لتحطيم نزعة عرب إسرائيل للظهور كجسمٍ مستقلٍ عن الأحزاب الصهيونية. وقفي نفس الوقت لا تزال المؤسسات العربية في البلاد عاجزة عن التصرف الواضح بين الولاء للدولة، وتبني قيمٍ إسرائيلية واضحة، وبين التزامها بالقومية العربية، وعدائها للكيان الصهيوني. وأظن أن هذا التناقض والتعارض يمنعنا من التفكير العلمي الصحيح. حتى الأن عجزت الجماهير العربية أن تحدد أهدافاً واضحةٍ لها. وأن تحدد الوسائل الميسرة لتلك الأهداف. لهذا السبب فإني أرى أننا نتخبط تخبطاً واضحاً في كل ما نقومم به.
” خذ دراوشة كمثال. يقول دراوشة أنه يريد حزباً للعرب والعروبة فقط. ولكنه في نفس الوقت يسعى لتجنيد يهود في حزبه خدمةً للقضايا العربية. وهذا ابتزازٌ لعواطف العرب، ونفاقٌ لليهود. والنفاق السياسي رائجٌ بشكلٍ واسعٍ في الشارع العربي. وهذا في رأيي راجع للتربية البيتية. تربيتنا فردية، وليست جماعية. تربية تتبع ما جاء في القرآن أن أطيعوا أولي الأمور فيما بينكم. طاعة في نطاق العائلة. الأب والأخ الأكبر. وطاعة في نطاق الحمولة. وطاعة للسلطة الحكومية. ولا أبالغ إذا قلت أن التفكير الحر غير موجود عندنا.” ووجدت نفسي مضطراً لمقاطعته:
– أستاذ وليد.. ولكن هل تشعر بحرية وأنت في حزب مبام؟ حزبٌ صهيونيٌّ يسعي لتحقيق المصالح اليهودية على حساب العرب؟ فأجاب ببطء، مما يشير إلى رغبته في التأكد من كلماته قبل أن ينطق بها:
“في الحقيقة ليس سهلاً أن تكون في مبام، على الرغم من أن 80 % من طروحات مبام مقبولة لدي شخصياً، ولدى نسبةٍ كبيرةٍ في الوسط العربي. مثل قبولهم مبدأ الدولة الفلسطينية. وقبولهم حق تقرير المصير. مناداتهم بالمساواة بين العرب واليهود. الحاجز بيني وبينهم يرتفع عندما نصل إلى المسائل القومية العاطفية مثل مسألة القادمين الجدد، أو أولويات الدولة.
” كيف بإمكاني أن أكون في حزبٍ صهيونيٍّ مع أني عربيٌ فلسطينيٌّ رافعٌ رأسي للسماء؟ أقول أني أستطيع. أستطيع أن أؤثر في قرارات تكون في مصلحة العربي. تخصه. تفيده. أنا أنظر إلى المصلحة النهائية. أنظر إلى مدى الفائدة التي من الممكن أن أحصّلها لمصلحة ابن قوميتي. أيهما أهم في رأيك: رفع الشعارات، أم الفائدة الملموسة. أفضل أنا الفائدة الملموسة.
” ليس سهلاً على العربي أن يضع نفسه مكان اليهودي. ليس سهلاً على العربي أن يتصور رد فعل اليهودي. رد فعل اليسار اليهودي في حرب الخليج ولد إحباطاً كبيراً عند الناس. وكأنهم كانوا يتوقعون أنه إذا كان اليهودي يسارياً فإنه ملزمٌ بتأييد منظمة التحرير على طول الخط. وأساء اليهود كذلك فهم ردود فعلنا على تلك الحرب. كلا الطرفين لم يقدرا جيداً قوة العاطفة عند الطرف الآخر.
” في حرب الخليج كل من انتقد تصرف صدام اعتبر خائناً. والآن كذلك، كل من انتقد تصرفات منظمة التحرير يعتبر خائناً. كل من وقف ضد الإجماع العاطفي للشعب، اعتبر خائناً ايضاً.
” أريد أن أورد لك مثالاً عن كيفية تصرف الفرد في الكثير من الأحيان، حين يتأثر بالجو العاطفي العام، وليس بقناعاته الشخصية. المثل من تجربتي الشخصية. ذهبت قبل مدة إلى بيت عزاء واحدٍ من الحركة الإسلامية. كان في العزاء ثلاثون ملتحياً من الحركة الإسلامية في كفر برا. عرّف بي صاحب العزاء. أحببت أن أقول كلمة تعزية. وفي نفس الوقت تخدم ككلمة تعارف. دون أن أشعر بدات الكلمة ” باسم الله الرحمن الرحيم.” في حياتي كلها لم أبدأ كلمةً أو خطاباً بهذه العبارة. حتى أكون منسجماً مع المجتمعين في العزاء، ودون أن أقصد أو اشعر بدأت الكلمة بالبسملة. بشكلٍ لا شعوريٍ انحرفت عن تربيتي البيتية العلمانية، وقلت ما ينسجم مع أفكار ورغبات الحضور.
” طالما أنه لا توجد دمقراطية أصيلة في تفكيرنا، وطالما أننا لا نحارب من أجل تفكيرنا وقناعاتنا، سنبقى على هذه الحال. سنبقى نُكيف أنفسنا حسب ما يريده الآخرون منا. هذا سلوكٌ تاريخيٌّ قديم. لا يوجد تفكيرٌ متوازنٌ لفكرٍ حرٍّ في التاريخ العربي. العواطف لا تزال هي السائدة، وليس العقل. لو ساندت إيران صدام لكانت الحركة الإسلامية اكتسحت الشارع العربي كله. وكان شعار ” الإسلام هو الحل ” الشعار السائد.
” لقد فشلما في مختلف التجارب. في عبد الناصر. في صدام. الفشل أدى لليأس. ياسأ في كل النواحي. وهذا أدى إلى إحباطٍ كبير. لم يخرجنا من هذا الوضع سوى تبني الدمقراطية. الدمقراطية في الحكم. الدمقراطية في الشارع. الدمقراطية في التفكير. لن يصلح وضعنا إلا أذا أصبحت الدمقراطية ممارسة يومية.”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق