قراءات ودراسات

القصة بدون حدث (تجريب) ما بعد حداثي

قصص (أحذيتي وجواربي وأنتم)

د. سمير الخليل

في مجموعته القصصية (أحذيتي وجواربي وأنتم) منشورات دار اسٍامة- الجزائر، ط2، 2009، للقاص والمبدع الجزائري “السعيد بوطاجين” إستعمل أسلوب “القصة- المقالة” على طريقة الأرجنتيني “خورخي لويس بورخيس” والتشيكي “ميلان كونديرا” الذي عقد فصولاً مقالية كاملة في معظم رواياته.
إن ميزة هذه الطريقة وهذا الأسلوب أنها تنجح غالباً وإن لم يكن للجمل اللغوية الواصفة والتي لم تعبأ بالمحمولات السردية أي معنى واضح، فالجمل الغامضة أو الجمل التي لا معنى لها وقد تواترت في نص أعلن عنه المؤلف سلفاً أنه قصصي لا تخلّف لدى القارئ أثراً معيناً، فالأثر القصصي، مهما تكن فيه الجملة غامضة أو ذات صياغة مقالية، بمقدور القارئ أن يجعله ذا دلالة بأن يعده أولاً دليلاً لتجربة حياتية حافلة، ومن ثم يحدد المعنى الذي يستحصل من تلك التجربة حسب ثقافته وفهمه وعمق رؤيته للمقروء وشغفه برواية القصص.
قلما يجد القارئ تعبيراً أكثر قوة عن فكرة المعنى حدثاً، والحياة حكاية مروية، أو شيئاً يحدث، بتبادل مستمر وحيوي بين الواقع والتخييل، بين الحياة والكلمات، بين عقل الحدث وعقل القارئ، إن القصة القصيرة أو الحكاية التي تبدو للوهلة الأولى مستقلة بذاتها، ومعزولة في كتاب، لم تعد شيئاً منفرداً، شيئاً في ذاته، بل أنها حدث نابض بالحياة أو حادثة ثقافية تهم القارئ وتبغي الانتشار من خلال القراءة وبمساهمتها الفعالة.
إن للقصص سمات مستقلة خاصة بها، فضلاً عن أن “الحدث القصصي” يقوم بدور هام في صياغة المعنى الكلي للقصة وللهدف الذي أراده المؤلف، فالحدث الذي يبني القصة ويؤلفها هو الذي “يجعلنا” نستمر بالقراءة، و”يوّلد” التوقعات التي “تضطرنا” إلى التقدم في التفكير، وهو أيضاً “يعد” و”يثبت” و”يضفي شكلاً فنياً للقصة” و”يؤثر فنياً”.
توحي مثل هذه الإستخدامات النظرية بأن “حدث” القصة (وهو هنا حدث المعنى) إنما هو إستجابة لآليات ثابتة في إجناسية القص، وما يبلور الإدراك الزمني داخل القصة المروية في خارجها (زمن القِرَاءَة).
وتأسيساً على ذلك، نستطيع أن نقول أن المعنى في القصة القصيرة (والرواية أيضاً) يتألف كله من الحدث لأنه يبنى على آلية منظمة ضابطة تسبق في وجودها التجربة اللفظية الحقيقية لأن الحدث القصصي يسبق اللُّغة القصصية المستعملة، فالقصة بدون حدث ليست بقصة، بينما تؤكد القصة وجودها حتى وإن استعملت اللهجة العامية الدارجة، أو اللغة السطحية الركيكة أو حتى اللغة المبتذلة حينما تكون بحدث.
ولأجل خلق نموذج (فضائي- زماني) لابد من حدث، فالمقالة التي لا تعتمد في بنائها على الحدث يمكن قراءتها وإستحصال المعنى منها وفقاً لسلسلة القضايا التي تعالجها أو تطرحها للمعالجة، وبذلك يفهم المعنى في القصّة على أنه فضائي بقدر ما هو زماني، وهو بنية للخبرة الماضية بقدر ما هو حدث للبديهة الحاضرة، وأهم من ذلك أن المتلقي للمقالة بوصفها قصة أو القصة بوصفها مقالة إقتنع بالطبيعة العابرة الزائلة لصدق القضايا المنطقية، وهكذا يبدو التعارض، فالقصة تحاول أن تؤبد حدثاً وقع في لحظة ما، في مكان ما، لذلك هي تطرح بقوة قضية غير عابرة ولا زائلة، ليست صادقة بالكامل، ولا كاذبة بالكامل، لكنها تعتمد على تقبل القارى لها على أنها تخييل يعد بالشيء الكثير، طويل الأمد. فمن يستطيع أن ينسى جيش المؤلفين السرديين الذين أضافوا للعقل البشري الشيء المهم الذي يدعم خلودهم: شكسبير، دستويفسكي، سرفانتس…الخ.
إن ما يفعله الحدث القصصي (أو السردي عموماً) هو أنه يمنح القارئ شيئاً ثم يأخذه منه في الوقت نفسه، ثم يغريه بمواصلة القراءة عندما يعده بإرجاع ذلك الشي له، لكنه لا يفعل ذلك حتى نهاية القراءة. إن الشيء الموعود الذي لا يناله القارئ هو اليقين أو المعرفة بحقيقة الأشياء التي تقع خارج نطاق الأدب. وهذا التخريج ممنوع على المقالة، وإذا فعلت ذلك فسيحاسب كاتبها بتهمة التزوير أو التضليل أو الضحك على عقول الناس، وحتى الضحك على عيون “السلطة القائمة”. إذن، يستطيع مؤلف القصة أن يفلت من العقاب لأن الحدث القصصي المتخيل قد أنقذه، فمن سينقذ مؤلف المقالة؟ هذا واحد من الأسئلة البرغماتية الكثيرة التي لا يطيق المقالي سماعها أو مواجهتها ألبتة.
من بين عشر القصص التي ضمتها المجموعة، وجدنا أن القصة الأولى (أوجاع الفكرة) تحصلت على حدث استطاع المؤلف من خلاله أن يبني حبكة مثيمة قابلة للإستيعاب والتأمل. إنها ثيمة “الرأس المقطوع” والخوف الذي يعتري الناس وهم يتجنبون حتى النظر بإمعان الى هذه “التهمة” التي ستطيح برؤوسهم حالما يتوقفون ملتفين (حولها/ حوله)، أو يحاولون (رفعها/ رفعه)، ولنقرأ المنطوق الآتي: (( قلت لهم من حقه أن يدفن، أضاف أحمد علي مفجوعاً، ألاّ يترك هنا عرضة للصكّ والحشرات، أنتم بشر مؤمنون بالموت على الأقل، وهذا أخوكم في الأرض مهما كان لونه، مهما كانت خطيئته، من منكم يرضى أن يداس حيّاً وميتاً ؟ أكرموا هذا الرأس بربع قبر، قد يحين دوركم اليوم أو غداً، من يدري؟. كانوا يهرولون، ينظرون إليّ أو يلتفتون متلصصين ويمضون، كأنهم لم يبصروا شيئاً، كأنهم صئبان. وهكذا بقي الرأس المجزوز على الرصيف)). (ص20). وظلت تصاديات هذا الحدث تتردد في قصص أخرى من المجموعة في شكل إيماءات محذرة وكأن ثيمة الرأس المقطوع قد هيمنت على مزاج المجموعة القصصية : ((كرأس لا يجد من يقوده الى حقل الأسئلة الخالدة)).(ص46).
((يا مريم! لم الناس سعداء في الضفاف الأخرى؟ ولم نحن تعساء؟ ألأننا وضعنا رجلين على الطين وصفراً في السماء؟))(ص48). ((رسم عبد الله كرسياً وحبلاً وعلّق الرجل الصغير الى أن جحظت عيناه)). (ص102). ((كانت رؤوس المجتمعين والمجتمعات ملتصقة بالطاولة. وكان رأس الرئيس أو الملك يفكر. كان متدلياً جهة اليمين)).(ص181). وحين تقرأ لـ(بو طاجين) تقرأ رموزاً ذوات دلالات حافة تخدم العمل الفني.
وفي الختام لا يسعنا إلا أن نشد على يد “السعيد بوطاجين” لأنه كتب وفكر وبتواضع كبير إعترف على لسان أحد شخصياته بصدق وطيبة: ((لم أبك إنجيلاً ولم أؤلف ساقية، ربما دوّنت غباراً مهمّاً يدرّس في الزواية، من يدري؟ أو كآبة بهيّة؟ ربما ألّفت مشروع محنة وملاحظات عليلة)).(ص54). ومن المعروف أنّ السعيد بوطاجين كاتباً يمقت النمطية في الكتابة والسياسة والحياة ولا يكرر نفسه ويبدع المقالة والرواية والقصة القصيرة وهو في جميعها مبدع كبير فضلاً عن أنه أكاديمي بارع.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق