ثقافة السرد

“العدل”

بقلم: حسين جبار “ديموزي”
…..
في أحد الأزمان كان هناك ملك أخذ على نفسه أن تكون مملكته قائمة على العدل. و العدل هو وضع الشيء في موضعه، لذا فقد أخذ الملك على نفسه أن يضع الشيء في موضعه في كل أمر يصدر منه لرعاياه.
و كانت أوامر الملك تصدر منه لوزيره و الوزير ينظر في تنفيذ هذه الأوامر.
“قولك يا مولاي كالسيف يقطع فعلي بين حديه”
هذا كان رد الوزير دائما على أوامر الملك. و هو يقصد أن الفعل سيأتي على مقاس الحرف كما يشتهي عدل الملك.
من تلك الأوامر التي أصدرها الملك لوزيره هي أن يجوب أرجاء المملكة ليرى إن كان فيها أي فقير أو صاحب حاجة ليتم قضاءها له. لأنه، على حد قول الملك:
” إذا جاع الناس صاروا كلابا و لست ملكًا على الكلاب و إنما على البشر” .
فقال الوزير جملته المعتادة مصحوبة بانحناءة موقرة و استأذن من الملك ليباشر في تنفيذ الأمر الملكي. ثم لاحقًا شرح الوزير للملك أنه قام بتجنيد مجموعة من الأكفاء. و أمرهم بأن يذهبوا و يجوبوا كل أرجاء المملكة، و ينظروا حوائج الناس، ثم يرفعونها له. و هو بدوره سيأتي بها إلى جلالة الملك ليعطي حكمه فيها، أو بتعبير الوزير نفسه: “لينير الملك بعدله ظلام الحياة الظالمة”.
استمر عمل المجموعة مدة شهر بتمامه. و كان الوزير في نهاية كل يوم يأتي إلى الملك بأنواع المظالم و الحوائج فينظر فيها. و كان التأثير يبلغ بالملك أحيانا حدًا يجعله يذرف الدموع متألما لما يرى من معاناة الناس الذين تحت حكمه.
“آه يا وزيري المطيع! إن الله هو ملك السماوات و الأرض. و ما نحن الذين نسمي أنفسنا ملوكًا سوى وزراء الله في الأرض. و قد أمرنا الله بالعدل بين الناس فكيف سأنظر في عين الله و في مملكتي كل هذه المظالم؟ و الله يعلم كل شيء و ليس مثلي محتاج لمن يطلعه! فيا ويلي من غضب الله علي إذا استمرت مظلمة واحدة من هذه المظالم في في ملك الله تحت وزارتي! “.
و في آخر ليلة من الشهر قال الوزير للملك و هو مبتهج :
” لقد شقت شمس عدلك غيمة آخر المظالم”.
و لم ترفع بعدها أي حاجة إلى الملك الذي التفت الى سياسة المملكة و علاقاتها بالممالك المجاورة.
“ اسمع أيها الوزير المطيع! إذا كان صوت عيالك في بيتك يرتفع عاليا مشتكيًا أغرى ذلك جارك بلعب دور رب البيت. أما الآن و قد أسكتنا صوت عيالنا فسنقف أمام جيراننا و نحن أرباب بيوتنا، و ربما لعبنا عليهم دور رب البيت! “.
استمر الأمر على هذه الحال لمدة طويلة. و في ذات ليلة رأى الملك حلمًا أطار من عينيه النوم. فاستدعى الملك وزيره و قص عليه ما رآه و هو يمشي جيئة و ذهابا أمام عرشه:
“ لقد رأيت أني جالس على مائدة من الطعام عامرة بكل أصناف الطعوم الشهية. و كانت هناك كلاب تحلق حول المائدة بعيونها الفارغة و تهز أذنابها. كانت الكلاب هزيلة و بائسة و ضعيفة إلى درجة أنها لم تتجرأ على الاقتراب من المائدة و تلتهم اللحم المكدس كما تفعل الكلاب الجائعة! آه! لقد أطارت هذه الرؤيا العجيبة النوم من عيني و السكينة من قلبي. أريد أن أعرف معنى ما رأيته أيها الوزير”.
فتلعثم الوزير و قال:
“ سمعًا و طاعة يا مولاي”.
و بعد دقائق كان هناك مجموعة من شيوخ الدين العالمين بالرؤى و الأحلام يقفون في نصف دائرة أمام عرش الملك الواقف إمامهم و ظهره إلى العرش.
قال الملك بعد أن قص عليهم ما رآه في نومه:
“أريد تفسيرًا يستطيع قطع رقبة الحيرة التي تلتف حولي مثل الأفعى”.
اقترب الشيوخ من بعضهم حتى صنعوا دائرة مغلقة و أخذوا يتشاورون في أمر الرؤيا. و كانت بعض عباراتهم تطفر إلى مسامع الملك الذي ينتظر ردهم.
و بعد دقائق من المشاورات فتح الشيوخ دائرتهم و عادوا إلى مواقعهم ما عدا كبيرهم الذي يقف في وسطهم فقد تقدم حتى وقف في منتصف الدائرة. و قال بعد انحناءة وقورة للملك:
“لقد ناقشت مع أخوتي المشايخ رؤيا جلالتك المعظمة. و التفسير الذي خرجنا به يا جلالة الملك أن مائدة الطعام إنما هي الخيرات التي منَّ بها الله على هذه المملكة ببركة عدلك الذي لا يميل عن صراط الحق. و أما الكلاب فهم الممالك من حول مملكتنا و التي ترزح تحت الظلم و الفقر و الحاجة فينظرون إلى مملكتنا بعيون الحسد الناقمة كما تنظر الكلاب البائسة إلى مائدة الطعام العامرة. هذا هو تأويل رؤيا مولاي المعظم”.
فقال الملك مبديا عدم اقتناع بما تأولوا به رؤياه:
“ و لكن لم لم تهجم الكلاب على المائدة؟ لقد كانت كثيرة و ما كنت لأخيفها، بل أن الجوع أفرغ عيونها من كل شيء ما خلا ما يملي معدتها! فكيف تفسرون ذلك؟”
فقال الشيخ:
“عذراً جلالة الملك و لكن عالم الرؤى و الأحلام ليس مثل هذا العالم الذي نعرفه. و ما يحكم عالمنا من عقل و منطق لا يسري على عالم الرؤى فإنما هو عالم من الرموز و التلميحات اللطيفة التي تجري وفق نظام خاص بها. فقد نرى الأفعى و قد صارت رفيقة الإنسان لا عدوته، كما قد نرى القطة و قد أصبحت مفترسة أكثر من الأفعى!”.
فقال الملك مفكراً:
“ ألم تجدوا تأويلاً آخر؟”.
فقال الشيخ:
“هذا هو التأويل الوحيد المعقول لرؤيا جلالتكم”.
فالتفت عنهم الملك و جلس على عرشه و أشار عليهم بالانصراف.
لم يقنع الملك بالتأويل الذي قدمه الشيوخ لرؤياه. و استمرت الحيرة تأكل في رأسه مدة أسبوع كامل. و في اليوم السابع خطر في باله خاطر حرمه النوم. فكر الملك في نفسه:” ماذا لو لم يكن حكمي عادلاً؟ إني لم أر تنفيذ الأوامر بعيني فكيف سأطمئن أنها تمت كما قيل لي؟! و لكن وزيري لن يكذب هل يكذب؟ آه كيف سأتأكد؟!”. و لم تنتهي هذه الخواطر المزعجة حتى قرر أن يخرج و يرى حال الناس بنفسه. و من أجل ذلك رأى أن يتسلل من القصر و يرمي عنه ملابس الملك ليستطيع المشي دون أن يلفت إليه انتباه أحد.
كان الوقت منتصف الليل و كان المالك يمشي في الشارع دون أن يعرف أحد حقيقته. و بينما هو يمشي رأى أمامه شخصان يتشاجران. و كان البعض يمر بجانبهم دون أن يكلف نفسه حل النزاع. فأوقف الملك أحد الرجال و سأله عن سبب الشجار فأخبر الرجل أن أحدهم سرق الآخر و ها هو المسروق يمسك بالسارق و يتشاجر معه. فقال الملك:
-و لماذا سرق السارق؟
فقال الرجل باستغراب:
لماذا يسرق الناس برأيك؟ إنها الحاجة!
فذهل الملك و قال:
-و هل هناك محتاجون؟!
فقال الرجل و هو يضحك:
ماذا تقول أنت؟ هل نزلت توك من الجنة؟! لولا ما يبدو عليك من وقار لقلت أنك مجنون! و لكن ربما يكون المجنون أكثر وقاراً من العاقل في هذا الزمان!
و مضى الرجل في طريقه مخلفاً وراءه الملك غارقاً في ذهوله و تعجبه.
و مضى الملك في طريقه. و قد رأى و هو يسير عددا من البائسين المشردين يتمددون على قارعة الطريق و لرعبه لم يستطع الملك أن يقف عند واحد منهم و يتكلم معه. و مضى حتى رأى امرأة جالسة و حولها عدد من الأطفال الصغار و هم يبكون و يمسكون بأذيالها كأنهم حيوانات صغيرة بائسة يشبه منظرهم منظر الكلاب الذين رآهم في رؤياه. فاقترب منها الملك و سأل المرأة عن حالها
-مالذي يجلسك في الشارع مع أطفالك أيتها المرأة في هذا الوقت من الليل؟
فرفعت المرأة طرفها و قالت:
-لم نأكل انا و أطفالي شيئًا منذ يومين فأخرجتهم الى الشارع عسى أن يستدر منظرنا قلب أحد المحسنين فيرحمنا قبل رحمة الموت.
فقال الملك متلعثمًا:
-و زوجك أين هو؟
فأجابت المرأة:
-لقد مات في أحدى حروب الملك.
فقال المالك مانعا دموعه من استباق حروفه:
-انتظري هنا مكانك حتى أعود.
و رجع مهرولا إلى القصر و عاد إلى المرأة بصرة من الأكل و قال و هو يضع الصرة أمام المرأة:
-خذي، أطعمي عيالك و نفسك و العنوا الملك بعد كل لقمة.
و عاد الملك مسرعا إلى القصر و نادى وزيره في لحظة دخوله دون أن يضع على جسده ملابس الملك. و حضر الوزير بعد لحظات و وقف مصعوقًا و هو يرى الملك أمامه غير الملك. حتى أنه كان يبعد عينيه عن الملك و يتحاشى النظر إليه مباشرة.
نظر إليه الملك و سأله:
-كيف حال الناس أيها الوزير المطيع؟!
و اهتز الوزير لمفاجئة السؤال و ارتطمت شفتاه ببعضهما دون أن يخرج من بينهما كلام مفهوم ثم قال:
-نهم ينعمون في…
فصاح به الملك قبل أن يتم كلامه:
-ينعمون؟؟ لقد كنت عندهم و رأيت نعيمهم الذي تريد أن تحدثني عنه أيها الكذاب!!
و ارتج على الوزير و هربت الكلمات من بين يديه فكأنه ذئب جائع خائر القوى وسط قطيع من الشياه.
أعاد الملك السؤال على وزيره:
-لم أنت ساكت أيها الكذاب الخائن؟!
و استجمع الوزير شيئا من نفسه و قال:
-قد أكون خنت نفسي نفسها و لكنني قطعاً لم أخنك يا جلالة الملك.
فقال الملك مغاضبًا:
-أوتجرؤ على الدفاع عن نفسك بعد ما رأته عيناي!؟
فقال الوزير:
-قد يتجرأ الشيطان على الدفاع عن نفسه أمام الله و لكني لن أجرؤ على ذلك أمام جلالتكم. فإني لا أرى ملكي لنفسي في حضرتكم يا مولاي.
فقال الملك:
-دع عنك هذه اللغة الشيطانية أيها المخادع. أجبني كيف تجرأت على أن تكذب علي و تغيب عني الحقيقة؟! كيف تجعلني أعتقد أنني ملك عادل و أنا في الحقيقة أكبر الظالمين؟!
فنظر الوزير إلى الملك و بدا عليه الهدوء و الثبات و قال:
-هل يسمح مولاي المعظم لعبده بالكلام.
فقال الملك:
و هل أتيت بك إلا من أجل أن تتكلم!
فبدأ الوزير الكلام:
-سأتكلم و لكن أرجو من جلالتكم احتمال كلامي لأنه كلام حقيقي و الكلام الحقيقي يؤذي حتى االله نفسه إذا قلناه له.
لقد قيل من قبل يا جلالة الملك أن الملوك يملكون الناس و الوزراء يملكون الملك نفسه، و أن الوزراء يبنون الملك أو يسقطونه. و قد آمنت بهذا قبل أن أتشرف بوزارتكم الكريمة. آمنت أن الوزير سيصنع للناس الملك الذي يحكمهم مهما كان نوع الملك الذي يجلس على العرش. و أنا أخبرك بأن أوامرك مهما كان نوعها فإن وضع الناس سيكون كما رأيته هذه الليلة.
أذكر جلالتك بأني قلت أن كلامي سيكون صعب الاحتمال.
الحق أنني لم أحضر نفسي لملك من نوع جلالتكم يسعى لتحقيق العدل الكامل. و أقول لك الحق بأني حاولت في البدء أن أنفذ اوامركم كما هي رغبة مني في تحقيق العدل الذي تسعى جلالتكم لنشره. فأنا لست إنساناً خبيثاً كما سيتضح لجلالتكم من الكلام. و قد داعبت خيالي فكرة العدل المطلق. و خيال الإنسان تطربه فكرة الكمال من أي نوع. حتى فكرة الشر المطلق اخترعها الانسان و وضعها في عنق مخلوق هو خلقه و هو الشيطان. أقول قد داعبت خيالي فكرة الحق المطلق و نفذت أوامركم جلالتكم بالحرف. و لكن بعد مضي الوقت عرفت شيئاً لو عرفه الناس لقلعوا فكرة العدل من أساسها من رؤوسهم. و هذا الذي اكتشفته هو أن للظلم نبع، و لن ينتهي الظلم إلا بردم النبع، و لكن هذا النبع هو الإنسان نفسه فإذا أردنا اعدام الظلم علينا اعدام الانسان!
سيأتي الكلام و يفهم جلالتكم قصدي.
إن الإنسان إذا لم يجد من يظلمه فإنه يظلم نفسه. كيف يظلم نفسه؟ إن الانسان عندما يشبع يفكر، و عندما يفكر لا يشعر بأن هناك حد يقف بوجهه، يشعر أنه حر. آه من الحرية! إنها أكثر فكرة مشاغبة مداعبة للخيال و لا أي امرأة!
و هذه الحرية تأخذ الإنسان إلى حد ادعاء الألوهية. صدقني يا جلالة الملك أنك لو طبقت العدل كما تتخيله لو وجدت الناس الآن يحلقون حول قصرك و يسألونك ما ميزتك عليهم حتى تكون من بينهم ملكا؟ لماذا يوجد ملك؟ و لماذا يحتاج الناس إلى من يملك عليهم؟! و غيرها من الاسئلة التي لن تجد عليها الجواب.
إن الانسان اذا عاش حالا معينة لمدة يوم واحد ظن أن حياته كلها كانت على مثل تلك الحال منذ الأزل. لذلك فإنهم لن يشكروك على عدلك و إنما سيرونه كأنه كان موحوداً فيهم منذ القدم!
و لكن هذا من الوجهة النظرية فقط لأن تطبيق العدل المطلق مجرد فكرة لا سبيل إليها كما أشرت سابقًا.
لقد ظلم الإنسان نفسه حينما كان من الانسانية فردان فقط! لذلك أبعده الله عنه حتى لا ينسب ظلم الإنسان لله.
يجب حكم الناس بالحد الممكن من العدل. و هذا الحد الممكن هو أن يكون معظم الناس يحيون حياة طبيعية و يعيشون وفق المستوى الذي يضمن لهم حاجاتاهم الإساسية و لكن مع ذلك يجب أن يشعروا دائما أن اللقمة التي يأكلونها اليوم قد لا يجدونها غداً و إلا فإذا اطمأنوا على معدتهم لن يأمن منهم حتى الله في سمائه.
هل تعتقد يا مولاي أن كل سارق أو قانل يسرق أو يقتل من أجل حاجة؟ لا، أن الذين تدفعهم الحاجة للسرقة أو القتل هم الفئة الأقل بين السراق و القتلة. و الفئة و الأكبر هم الذين أصبح القتل و السرقة مهنتهم التي يمتهنونها و لا يستطيعون امتهان غيرها. و إذا كانوا يعانون من حاجة ما فإنها الحاجة إلى فعل ما اعتادوا عليه. و لا سبيل إلى تخليصهم من حاجتهم إلا بتخليصهم من رؤوسهم.
أستطيع أن أسرد على جلالتكم وجهة نظري حتى طلوع الشمس و لكني أرى التعب قد نال من جلالة الملك لذلك سأسكت.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق