ثقافة المقال

الاستجابة الموعودة

د. نيفين عبد الجواد

إن الطقوس التعبدية للمعبود لا تتعدى أن تكون مجرد حركات ظاهرية تعبر في ظاهرها عن خضوع العابد لمعبوده استجابة له، وليس بالضرورة أن تؤدي تلك الحركات الطقسية إلى شعور العابد بالاقتراب من معبوده كلما صلَّى له. فالاقتراب الحقيقي من المعبود يوصل إليه ما وقر في قلب العابد وليس ما يقوم به جسده من حركات ظاهرية. والصلاة لا يبتكرها العابد من تلقاء نفسه أو من وحي خياله؛ بل هي فرض من المعبود يقرر شكلها كيف يكون، ويضع معالمها بكل تفاصيلها، ويحدد حركاتها قيامًا وقعودًا وانحناءً وركوعًا وسجودًا. وعندما تتم الاستجابة لذلك الفرض التعبدي ظاهرًا وباطنًا يكون الخضوع للمعبود قد بدأ تشكله ليستقر في الوجدان ويستمر على مر الأيام.
وعندما يتقرب العابد من معبوده بالصلاة ينتظر أن يكون معبوده قريبًا منه إذا دعاه، فيكون الدعاء حينئذٍ هو وسيلة للوصول وممر يُرجَى منه الحضور، ليس فقط حضور العابد جسديًا وروحيًا في الحضرة الإلهية؛ بل أيضًا حضورًا واقعيًا وعمليًا بتحقيق الآمال واستجابة الدعاء. فيرى العابدون شفاء مريضهم من الأسقام، ونجاح أبنائهم وزواجهم وإنجابهم، وكثرة أموالهم ورواج تجاراتهم وتحقق جميع أمنياتهم. فماذا لو لم يرَ العابد بعينه أية استجابة لدعائه، هل يحق له حينئذٍ أن يتوقف عن الدعاء، أو أن يقنط من حدوث الاستجابة على الإطلاق؟
إننا جميعًا نريد أن نرى بأعيننا ليس فقط تحول كل أمنياتنا إلى واقع ملموس؛ بل أيضًا قرب الإله المعبود منا، فكيف يمكننا أن نتلمس نفحات القرب إذا كان الإله غيبًا لا يمكننا رؤيته بكل ما أوتينا من وسائل الرؤية، وبكل ما يمكننا أن نخترعه من وسائل تساعدنا على رؤية ما لا يمكننا رؤيته بأنفسنا؟ وماذا لو زاد على ذلك عدم استجابة إلهنا لدعائنا؟!
إن الإيمان بالغيب تتبلور مشكلته في اعتماد تحققه على رغبة الإنسان في الوصول، والوصول لا يمكن أن يكون إلا عن طريق الهداية لعقل يقظ إذا نظر أبصر وأحسن الإبصار، ولقلب سليم قد تم تفريغه من شهوات النفس وأهوائها فيتفرغ الفؤاد لحسن التلقي سمعًا وبصرًا. ومتى تم إعمال حواس الإدراك التي بها يدرك العقل كل ما لا يمكنه أن يراه بعينه، فلن تكون الغاية آنذاك هي أن تمسك اليد بأي أثرٍ مادي يتوسط بينها وبين معبودها، إذ أن الروح الغيبية وغير المرئية وغير المسموعة وغير الملموسة ستكون هي التي قد وصلت إلى ما كان محجوبًا عنها.
وبهذا الوصول يخشع القلب خشوع قنوت، ويسجد العقل سجود يقين، فلا ترى العين غير ما يُرضي الإله، ولا تسمع الأذن غير ما يرتضيه، فيتحرك الجسد طوعًا لا قهرًا إلى الطاعة، فيشعر حينئذٍ بطعم العبادة، ويصبح الدعاء تقربًا للودود وتعبدًا للمحبوب، فإذا لم تتحقق الأمنيات تظل استجابة الدعاء متحققة في روح الدعاء نفسه الذي يكمن فيه سر الوصول.
وكم هي الأدعية التي يتوجه بها العابدون لمعبودهم، وكم من معبود يتوجه إليه عابدوه بدعائهم، ولكن يظل هناك ذلك النداء الوحيد الذي يدعو للإيمان بالإله الواحد الأحد الذي يعد المؤمنين به ممن عملوا الصالحات بحياة طيبة بعد موتهم، إذ يدعوهم في يوم الحاقة فيستجيبون بحمده ليظل الحمد متواصلًا، فمن كان يحمده فى الدنيا في السراء والضراء يقينًا بحكمته ورجاءً في رحمته، سيكون من الحامدين له عند البعث، وتلك هي الاستجابة الموعودة التي تترتب على الاستجابة لنداء الإيمان، والتي يسبقها بالضرورة استجابة للدعاء في الدنيا بإدخال الرضا والسكينة والطمأنينة على النفس مع كل حال، والتي يصحبها دائمًا الشعور بقرب الإله ويغمرها رجاء لقائه إلى أن يحين موعد اللقاء.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق