إصدارات

قضايا أدب الأطفال فى العالم العربى: جديد الأديب محمد عبد الظاهر المطارقى

مقدمة كتاب:
((قضايا أدب الأطفال فى العالم العربى))
• شكرا المجلة الثقافية الجزائرية التى اهتمت بنشر سلسلة محاوراتى مع أدباء الطفل بمصر والعالم العربى.
• شكرا معالى الأستاذ الدكتور أسامة البحيرى صاحب دار النابغة و التى حملت على عاتقها نشر هذه الحوارات فى كتاب يليق بأصحابها من المبدعين..
محمد عبد الظاهر المطارقى:

بداية.. دعونا نتفق أن امتلاك أى كاتب لأدواته الفنية ، ومعايشة الحالة بصدق سينتج عنها نص جيد.. أنت لاتترك القلم يتخبط هكذا على الورق بدون سابق انذار، وانما تتهيأ للحظة التجلى الابداعى، فيتم استدعاء النسق الأمثل الذى يتوافق مع هذه الحالة، فتجد اللغة بسيطة أوضبابية، أو تنحاز نحو اللغة الشاعرة،أو يكتنفها غلالة من الغموض، فضلا عن الأجواء النفسية، وملامح الشخصية، واستنطاقها بحسب مكوناتها الثقافية وعلاقتها بالبيئة المحيطة داخل فضاء النص.. الكتابة للكبار تمتاز بقدر كبير من المرونة، فأنت تعلم يقينا أن متلقيك يحمل من الخبرات الإنسانية، والوعى ما يؤهله لاستيعاب القصة، بل يمكنه أن يتماهى مع النص بخلق خطوط موازية تخدم حالة التلقى. أما الكتابة للطفل فهى بالتأكيد تختلف .. فهناك مراحل عمرية متباينة، لكل منها لغة تناسبها.. وهناك مناطق محذورة من الصعب على الكاتب أن يتجاوزها.. أنت حين تكتب للطفل تعتريك حالة طفولية ، لتجد نفسك بقدرة قادر وقد تحولت الى طفل مع الاحتفاظ بمساحة من العقل الباطن ككنترول خفى يقوم بمراجعة وتصحيح ماتكتبه ليتسق مع روح الطفولة بكل ماتحملة من طزاجة، وبراءة، وشقاوة وبهجة وسعادة، و.. و..”

كاتب الاطفال هو بلا شك صانع للبهجة ، فهو الأقرب الى روح الطفولة القابض عليها، الملاصق لعالمهم، المعنى بأحلامهم، المتمسك بأصل القيم والمثل، الضارب بعمق فى أغوار التاريخ ، والتراث الإنسانى، المصاحب للعباقرة والعلماء.. المتطلع الى مستقبل أكثر جمالا وروعة..مبدعى الطفل يمتلكون القدرة الفائقة على تطويع ثقافاتهم العميقة المتنوعة وبسطها وتقديمها فى حلل غاية فى البساطة والدهشة. مبدع الأطفال بملكاته ومهاراته يمكنه أن يقوم بإعادة صياغة وتشكيل عفل ووجدان الطفل الذى يعد البنية الأساسية فى محيطنا العربى لما ينبنى عليه من آمال وطموحات .
* * *
نحن هنا (أعنى الكتاب) بصدد مجموعة من علامات الاستفهام تم طرحها على عدد كبير ممن يتعاطون الكتابة فى مجالات أدب الطفل (بمصر والعالم العربى).. وكانت ردودهم جميعا أشبه بنغمات متباينة لكنها فى النهاية شكلت لحنا منفردا صريحا وواضحا. ، لتمنحنا القدرة على قراءة المشهد الأدبى الخاص بواقعنا الطفولى.. والحق أقول أن المبتغى من وراء هذه الحوارات ليس فقط التعرف على تطور أدب وثقافة الطفل، ومايعانيه الأدباء وأهم القضايا والهموم التى تشغلهم.. وإنما أردت أيضا ( بالاضافة لكل ماسبق) أن أتناول جوانب من سيرتهم الذاتية، فضلا عن منجزهم الابداعى، وأهم الجوائز التى أحرزوها فى هذا الميدان. حرصت أن أتواصل مع أجيال عدة، مابين جيل الكبار، وجيل الشباب.. كذلك اشتملت تلك الحوارات على أسماء لكاتبات لهن حضورهن اللافت وابداعاتهن المتميزة. وهكذا صار هذا الكتاب بما يحتويه أشبه بعمل توثيقى، يمكن الرجوع اليه كمصدر للمهتمين بأدب الطفل وهى محاورات تبنتها المجلة الثقافية الجزائرية. وقامت بنشرها جميعها على موقعها الالكترونى: https://thakafamag.com ويحضرنى فى تلك اللحظة صورة صديقى الراحل كاتب أدب الأطفال عبد الباسط البطل والذى راح ضمن ضحايا حادث انفجار قطار محطة مصر فقد استعانت جميع المواقع الاخبارية والعديد من الصحف والمجلات بالحوار الذى أجريته معه للتعريف به. وهذا مايجعلنا نؤكد أن غالبية من ينتمون الى هذا الفن لاينالون التقدير الذى يستحقونه،ولاتلتفت اليهم وسائل الاعلام، ولا أقلام النقاد الا فى القليل النادر.
ونأمل – بمشيئة الله عز وجل – أن نستكمل تلك الحوارات مع رسامى كتب الأطفال.. وأيضا الناشرين.. لما لهم من دور بالغ الأهمية منذ لحظة اختيارهم النصوص، ومراحل اخراج الكتاب وطباعته، ونشره.. وتسويقه.

يتضمن هذا الكتاب مجموعة من الحوارات تعرضنا فيها للعديد من القضايا المهمة .. منها على سبيل المثال:
• التحديات المستحدثة من وسائل التكنولوجيا الحديثة.
• أهم المعوقات التى تحول بين كاتب أدب الطفل، وبين وصول منتجه الابداعى إلى القارىء المستهدف.
• إلى أى مدى استطاعت دور النشر أن تسهم بدورها فى إثراء مكتبة الطفل.
• الدور الذى يتحتم على الحكومات العربية أن تنتهجه من أجل الوصول إلى عقل ووجدان الطفل العربى.
• جوائز الدولة لأدب الطفل ، هل هى تتناسب مع طموح المبدع العربى.
• الإعلام ودوره فى تحقيق الغاية الإبداعية وتسويق المنتج، وتلميع الكاتب.. واجتذاب القارىء… وما الطرق التى ينبغى اتخاذها فى هذا الشأن.
• مجلات الأطفال وهل هى فى أزمة.؟، وإلى أى مدى نجحت ، وما الأسباب الحقيقية فى تعثر البعض منها، وأيها استطاعت أن تجتذب الطفل وتحقق الفائدة المرجوة؟
• هل الميديا بوجهها الساحر تمكنت ـ بالفعل ـ من أسر الطفل وانتزاعه من الواقع التقليدى للفن والابداع.. وهل ـ الميديا ـ استطاعت أن تسهم فى تحفيز عقل الطفل وتزكية موهبته؟
• أين كتاب الطفل من الأطفال المهمشين، وأولاد الشوارع.. والأطفال ذوى الاحتياجات الخاصة ؟
• هل ثمة مواكبة نقدية تتوافق مع ما تطرحه دور النشر من اصدارات.. أم أن هناك أزمة نقدية؟
• هل أدب الطفل مهمش.. وما هى الوسائل التى بموجبها ينال المكانة التى يستحقها؟
• النصوص الإبداعية التى تتضمنها المناهج التعليمية بالمدارس هل هى ترقى الى مستوى الإبداع الحقيقى.

هذه بعض المحاور الهامة التى تعرضنا لها فى محاوراتنا مع أدباء الطفل..وهى فى النهاية إجاباتهم التى يعبرون بها عن أنفسهم، وعما يجول فى خاطرهم، أو يدور فى أذهانهم..يمنحوننا فرصة التعرف أكثر على تلك الأفكار التى جاءت نتيجة انصهارهم داخل هذا العالم المبهج، واخلاصهم له، ولوطنهم العربى الكبير.
ولأننى أنتمى إلى تلك الكتيبة المقاتلة، وأشرف بكونى واحدا ممن يتعاطون الكتابة للطفل منذ سنوات ليست بالقليلة (نهاية الثمانينيات) فقد رأيتنى أعرج على بعض هذه العناوين باستقطاع مقاطع سريعة من حوار مطول أجراه معى الشاعر أشرف قاسم.

* * *

كثرة من يكتبون للطفل:
نعم، ثمة حالة من الزخم الشديد فى الكتابة للطفل، ولكن ليست هناك مواكبة نقدية على قواعد وأسس علمية إلا فيما ندر .. وهذا دفع بالكثير من الأدعياء أن يتسللوا خلسة الى هذا العالم متوهمين أن الكتابة للطفل متاع مستباح لكل من تسول له نفسه الكتابة للطفل. ولو أن مدع الكتابة يعلم يقينا أن هناك أعين يقظة، وأقلام نقدية جادة يمكنها أن تفرز الثمار الناضجة من تلك المعطوبة، والرديئة والفاسدة لفكر كثيرا قبل أن يجترأ على خوض غمار هذا العالم . لكن على كل الأحوال ، هذا لا يمنع من وجود مخلصين من نقاد ومبدعين مجتهدون، لهم محاولات حثيثة، ينبغى أن تقدر.
* * *


التكنولوجيا الحديثة:
ثمة حالة من التوجس تعترى الكثير من الأدباء والناشرين.. ليس فقط على مستوى الكتابة للطفل.. ولكن فيما يخص الكتاب عموما أى كان نوعه.. وذلك يعود بطبيعة الحال لتلك الطفرة الهائلة فى وسائل التكنولوجيا الحديثة، وهذا قلق طبيعى ومشروع، إذ كيف لهؤلاء الكتاب الذين قطعوا أشواطا طويلة من حياتهم، بل وأفنوا شبابهم وأعمارهم بين الأوراق أن تقضى الميديا بضغطة زر على رصيدهم ومنجزهم الابداعى، وتاريخهم الحافل.. لكن الواقع ليس بهذا السوء الذى نتوهمه.. فكل ماوصلت اليه البشرية من تقدم وازدهار فى مجالات العلوم والاتصالات يعود الفضل الأول فيه للكتاب.. والطبيعى أن يزدهر الكتاب ويعود إلى سابق مجده إذا استطعنا توظيف الميديا بما يخدم الكتاب ويروج له، ولمؤلفه.. أنت حين تطالع رواية جديدة تنال استحسانك فسوف تجد نفسك مدفوعا للبحث عن كاتبها، والتعرف على سيرته الذاتية، وأهم أعماله.. الميديا لم ولن تهدم الكتاب ، ولكنها ستساعد أكثر على انتشاره.. مع التأكيد على تقديم الكتاب التفاعلى وعرضه بصور متعددة تتناسب مع ظروف المتلقى.
أما الطفل فهو ابن شرعى لتلك البيئة العصرية، وهو يتعاطاها بأريحية ويتعامل معها بسهولة ويسر بدون تعقيد.. ولعل هذا هو ما يثير قلق القائمين على انتاج أدب وثقافة الطفل، اذ لابد من التعامل مع طفل هذا الزمان بما يليق ، والاستفادة القصوى من تلك الوسائل الحديثة للوصول الى عقله ووجدانه.
* * *
جوائز الابداع:
الكاتب عموما لحظة التجلى الابداعى قد لايفكر فى جائزة من أى نوع، فهو مشغول بانجاز عمله والوصول به الى الصورة التى يأملها.. ثم بعد ذلك يتحصل على الجائزة والتى قد تظهر فى صور متعددة، منها حالة الرضا التى تهيمن على روحه بعد معاناة الكتابة والفراغ منها.. كما أن هناك شعور بالسعادة لايوصف حين تجد جهدك وقد تم إخراجه بصورة جاذبة ورائعة.. والأكثر روعة هو وصول هذا المنتج إلى الطفل المتلقى، هذا يحقق لى قدر هائل من السعادة.
أما الجوائز التى تمنح من قبل الدولة فهى لاشك مهمة، فأنت كمبدع تأتى عليك لحظات تتوقف فيها لتلقط أنفاسك ، وتحدد إلى أى مدى بلغت بك الكتابة، هل من أحد يراك، أو يشعر بوجودك، الجائزة لاشك لها مردود نفسى مهم، كما أن القيمة المادية فى ظل الظروف القاسية التى يعانيها المبدع، ومتطلبات الحياة و المعيشة أمر ضرورى لتعوض ولو نذر يسير مما تم استنزفه.
القيمة المادية للجوائز المصرية لاتليق بقدر ومكانة مصر بكل أسف.. قيمة الجائزة تعبر بالتأكيد عن مدى اهتمام الدولة ونظرتها الى الإبداع والمبدعين.. إنه طقس صحى، ومظهر حضارى.. ودافع للنهوض بالفن والإبداع ودعوة للتنافس والاجتهاد. إن نظرة القائمين على شؤون الثقافة في مجتمعنا فيما يخص أدب وثقافة الطفل قاصرة ومحدودة للغاية. ولقد لمست ذلك بنفسى من خلال مشاركتى كعضو بالمجلس الأعلى للثقافة عن لجنة ثقافة الطفل.. الاستهتار والتهميش، لقد عرضنا فكرة أن يكون هناك جائزة تكون جديرة ومحترمة لأدب الطفل.. وتمت بالفعل الموافقة وقد تحمس لها صديقى المبدع محمد عبد الحافظ ناصف حين كان رئيسا للشعب واللجان بالإدارة المركزية بالمجلس الأعلى للثقافة.. وحين غادر الموقع فجأة ، انتهى كل شىء.. ومع تقلد الدكتور السعيد المصرى أمانة المجلس قضى على البقية الباقية من طموحات الزملاء الأعضاء باللجنة.
* * *


التلفزيون وأدب الطفل:
الدراما التلفزيونية يهيمن عليها “لوبى” إذا جاز التعبير، لايسمح لأحد بالاقتراب من هذا الحقل الحيوى.. بداية من الإعلاميين ومقدمى البرامج والضيوف.. ومرورا بالمسلسلات والبرامج وحتى الإعلانات، هناك إقصاء شبه متعمد لحملة الأقلام الجادة، والمواهب الحقيقية.. وهذا ينتج عنه بطبيعة الحال ركام هائل من البرامج والمسلسلات التافهة ونماذج خاوية لأبطال وهميين. الطفل – بكل أسف – ليس له مكان على صفحة التلفاز.. ربما نراه فى إعلانات موجعة للمتاجرة بآلامه وأحلامه، فيما عدا ذلك لن نراه البتة، لأنه غير موجود بالمرة فى دائرة اهتمامهم.التلفزيون بما يمتلكه من قدرات عظيمة وهائلة بإمكانه أن يعيد تشكيل فكر ووجدان المجتمع بصورة راقية ومحترمة ، هذا إذا كنا بالفعل نتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقا.. بإمكان التلفاز أن يقوم بالترويج للإصدارات الجيدة، ويساعد فى التعريف أكثر بالأدباء والمبدعين.. ويتبنى عرض برامج ومسلسلات هادفة وواعية تسهم فى بناء الطفل والأسرة.. وتحافظ على القيم المجتمعية.
فى النهاية أرجو أن يكون هذا الكتاب بما يحتويه من محاور مهمة فد أجاب على العديد من علامات الاستفهام التى تشغلنا.. وأن يعمل القائمون على أمر أدب وثقافة الطفل بمصر والعالم العربى بمقتضى مافيه، وذلك للوصول بمجتمعاتنا العربية الى المستوى الذى يليق بنا وبأطفالنا.
والله تعالى الموفق والمستعان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق