قراءات ودراسات

شعرية الوقع السردي في رواية: لخضر” لياسمينة صالح

أ.د.عميش عبد القادر*

ما الأدب؟ سؤال المعيٌّ في بنيته اللسانية إلى حدّ الخطف اللفظي إلى أنه حين الإجابة عن دلالته ينفتح معناه على دفق من القول قد يصعب تشميره في تلخيص موجز.ولكن يمكن استعارة تعبير “تودوروف” الذي قد يقرب ذلك المعنى المراد سوقه هاهنا. يقول:” الأدب يستطيع أن يمدّ لنا اليد حين نكون في أعماق الاكتئاب، ويقودنا نحو الكائنات البشرية الأخرى من حولنا،ويجعلنا أفضل فهما للعالم ويعيننا على أن نحيا.ليس ذلك لكونه قبل كل شيء تقنية لعلاجات الروح ،غير أنه وهو كشف للعالم يستطيع أيضا في نفس المسار أن يحوّل كل واحد منا من الداخل..”[1]

وتأسيسا على هذه القيمة الجمالية الفنية لمفهوم الأدب وهدفه الروحي الذي يكمن في فعل التغيير من الداخل، وهذا الداخل المتكلس والمتحجر،لن يستجيب لفعل التغيير إلاّ إذا أحدث فيه العمل الأدبي الفني الهزة الجمالية والوقع الروحي لحظة التلقي.وهنا فقط يجب الإشارة إلى خاصية التفاوت الحاصل مابين النصوص الروائية.وهذا التفاوت ـ في اعتقادنا ـ يمثله فعل الوقع أو الخطف أو الهزة أو الإطراب،أو الرجّة الفنية وغيرها من الصفات أو المسميات الفنية الجمالية التي بواسطتها تنفتح مغالق النص وتتشعب روافد المعنى،وينفتح النص في كليته على مالم يصرح به الكاتب ومالم يقله النص.والوقع من خلال وظيفته هو الضامن لفعل التفاعل مابين العناصر الثلاثة المتراسلة فيما بينها:الكاتب ،النص، المتلقي.

وإلى حدّ هنا ومن هذه العتبة التي سعينا من خلالها إلى التمهيد لقراءة  نص روائي كرواية”لخضر” للروائية الجزائرية المتميّزة إبداعا وتجربة، روائية تشكل  ـ في اعتقادي  الخاص وحسب قراءتي لأهم أعمالها: بحر الصت/وطن من زجاج/ لخضرـ ظاهرة إبداعية روائية لافتة،ليس لأنها روائية إمرأة ولكن على المستوى الفني الجمالي.الذي تنماز به أعمالها الروائية.وأيضا لأن كتاباتها تتميز بقضايا مصيرية تاريخية واجتماعية،لأنها ـ أي أعمالها ـ تتخذ من ثورة التحرير الجزائرية ،والوطن/الجزائر والفتن المتواصلة التي تنخر  في صمت قاتل ومتواصل ،وحبها لوطنها/الجزائر الذي لم أجد له تفسيرا مبررا.فكتاباتها جميعا ودون استثناء عشق جنوني متنام للجزائر ،ماعهدناه في الأولين من الكتاب الجزائريين.ومن هذا وغيره أجدها تستعين بتيمة الوطن لتبني عليها تأثيثات سرودها.وكل ظهورات فضاءاتها السردية ،تدور في فلك الوطن،وطن من زجاج وهذا عنوان إحدى روايتها،وطن شفاف يفضح أدق الصراعات التي تنخره،وفي الوقت نفسه وطن هش قابل للكسر والتشظي لأبسط  هبة نسمة عابرة.

وقد يقول قائل أنّ هذا ليس جديدا على الرواية الجزائرية عموما،فقد كتب الكثيرون من الروائيين الجزائريين السابقين واللاحقين عن الوطن وعن ثورة التحرير الجزائرية. كما كتبوا أيضا عن المأساة الوطنية، أو كما وسمه البعض بأدب المحنة. ولكن ليس هذا الذي نرمي إليه، إنما قصدنا تلك القيمة الجمالية واللغة الساردة الشاعرة والأسلوب الذي يأسر المتلقي ويعبث بروحه إلى درجة أنك تشعر وقد أخذ بك سكر القراءة ووقع الجذب في حضرة النص الروائي عند “ياسمينة صالح”،تشعر أن النص هو الذي يقرؤك..فعلا لقد كتب البعض عن المأساة الوطنية ولكن جاءت كتاباتهم تشبه تقارير صحفية رثة في لغتها وأسلوب مباشر عار من أية قيمة جمالية ،وليس في ذلك عجب مادام هؤلاء الروائيون لم يتدبروا في محاكاتهم للواقع، والفن تدبر وإمعان في طبيعة تلك الصنعة.وصناعة الرواية بالذات.وفعل التدبر في رواية “لخضر” هو الذي يصنع دهشة الوقع ويصنع الهزة ويعمق لذة المنجز إلى درجة يغدو معها ذلك التضافر كله يشكل صدمة فنية لدى المتلقي .

فرواية “لخضر”خطاب يشتغل على إبداع الصورة الفنية التي تمتاز بوقعها الفني الجمالي. فعلى مستوى التيمة تبدأ الرواية “لخضر” بالحديث عن صورة الابن المثبتة في ملف إداري، يتأملها الأب والد الضابط الشاب.ومن هذا الحدث أي تأمل الجنيرال الأب لصورة ابنه المثبتة في ملف ابنه الضابط الشاب من هذا الحدث يمكن للقارئ استشراف آفاق الرؤيا. ذلك الأفق الذي لا يقرأ إلاّ تشوفا واستباقا. ولكن لن يتحقق ذلك إلاّ حين تتم دائرة القراءة.وتشدّ خيوط الظهورات والتأثيثات المتضافرة، شدّها وإيصالها بحدث الصورة .ولكن ـ كما تقول الروائية الراوية الضمنية والفعلية: “كيف يمكن لحكاية أن تبدأ أو تنتهي بصورة؟”[2]

وتضيف: “لا يدري. لكنه يعي أنّ الحكاية بدأت قبل أكثر من ثلاثين سنة خلت..”[3]

ولكن هذه العتبة ليست بداية الرواية وإنما وردت عتبة للوحة الثالثة من الرواية. ولكنها أيضا وردت عتبة لبداية الحكاية، حكاية “لخضر” الشاب/الشخصية النكرة /التعس/الجائع/الأبله/الضائع إلى آخر صفة قبيحة في عنقودية الهباء والضياع. التي تحدد تقاسيم ملامح “لخضر”وتعطيه أبعاد هويته الكاريكاتورية.

كما تعمد الروائية/الراوية إلى تقنية الكشف المسبق لاستكشاف حزم الدلالة المحورية التي تستبين عمق الانكسار النفسي والاجتماعي الذي يترصد شخصية”لخضر” على طول جغرافية المنجز السردي. وذلك في اعتقادنا ذكاء فني ينبني على كثرة من التدبر والقبض على آليات السرد الضامنة لما تصبو إليه الرواية بصفتها تعبيرا فنيا عن وقائع اجتماعية معيشة. تقول الراوية:

“كان يريد أن يتحرر من عقد البداية، ويرسم  لنفسه جهة أخرى غير تلك التي يدافع عنها الناس !كان يدرك أنه بحاجة إلى قوة هلامية ليصبح شيئا مغايرا عمّا كان من قبل، أيا كان يخطط له والده مستقبلا يصلح للبؤساء… ![4]

في بنية سردية استشرافية/استباقية تنفتح الرؤية الخطابية على واقع استشرافي يظهر “لخضر” وقد تخلص من إيهاب التعاسة والفقر الذي يلازمه حتى صار سمة جينية تطبع ملامحه وتؤطر شخصيته يقول المقطع السردي:”..عام من العمل وصارت له بذلته الخضراء الرسمية لبسها بإحساس غريب يشبه إحساس حية تغير جلدها إلى الأبد.. وحدها البذلة من حولت فشله إلى نجاح كبير في أعين الناس..أصبح مخيفا ومهما… ![5]

فهذه صورة واقع استشرافي لن يصل إليه “لخضر” إلاّ بعد أن يتنازل عن كل شيء من أجل أن يكسب كل شيء.فإدراك “لخضر” بحتمية مآله إلى دائرة البؤس والشقاء تجعله يفكر في أنجع السبل التي ستخرجه مما هو فيه من شقاء وبله،وتدخله عالما لطالما ظل يحلم به ويتمناه،عالم يسود فيه ويكون له فيه شأن وجاه.:”وربما في تلك السّن اكتشف أنه آيل إلى بؤس فتح له أبوابا مواربة كانت تصنع في يومياته ثقوبا لا حدود لها..”[6]

من هذه العتبات الابتدائية نلفي المنجز السردي “لخضر” يؤسس لفكرة محورية مفادها أنّه ليس كل من ساد وعلا في الأرض وصار له المنصب والسلطان والأمر والنهي بيده، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء بيده الخير كله،وقد يحيي ويُمِيت وهو القاهر فوق رعية ومواطنيه.ليس بالضرورة هو الأفضل وليس بالضرورة ما حققه كان نتيجة جهد وتضحية. بل إنّ سيّر الديكتاتورية عبر التاريخ تحمل نفس الملمح، ونفس الخصائص البشعة،وهذا عبر المدّ التاريخي للمجتمعات البشرية وكذلك”لخضر”

“لخضر”اسم على الرغم من سيميائية العنوان الذي ينزاح بنا جهة عوالم تعجّ بالتفاؤل والخصب والعطاء إلاّ أننا مع تقدم القراءة يصدمنا قبح الخفاء وبشاعة المستور، وهو كسر لتوقع الدلالة اللصيقة بالصوت المعجمي المشبع بدلالات النماء والعطاء.فالقراءة تكشف عنقودية مضادة لمعنى الخضرة، عنقودية من الألفاظ القبيحة مثل: التعاسة/البؤس/الفقر/الجوع/الطمع/اليأس…إلخ. وقد لخصت الروائية هذه العنقودية في قولها:”…لأنّ التعاسة مرتبطة ببؤس الفقراء فقط”[7].وقد سبّقت لهذا بخطاب له وقعه وله شاعريته في قولها وهي تلخص انكسار الشباب وخيبته في قولها:”..بأنه يعيش شبابه فحسب.يحب ويُحب، يتسلى بالعشق .يتأبط ذراع فتاة يرى فيها طموحا يعرف أنه لن يتحقق،ويتأمل في خجلها حلما يموت بالتدرج كلما مشى  خطوة نحو الحقيقة التي تقفز إلى عينيه قائلة له: الحب للأثرياء الذين يستطيعون فتح بيت وتحمل مصاريف زوجة وأطفال يولدون جياعا بالفطرة !.[8]

وفي مقطع سردي يشير إلى فداحة الهباء الذي يسكن “لخضر” تقول المتن:”لم يكن “لخضر”من هؤلاء الذين يحلمون بشيء ملموس ..كان يرى نفسه فاقدا للطموح،مثلما كان عاجزا عن القول إنه سعيد بحياديته الضاربة بعيدا في الهباء ![9]

كنا قد أشرنا سلفا أن الروائية”ياسمينة صالح” تحمل هما غير عادي وغير مبرر تجاه وطنها وتجاه المحن المتلاحقة، المتناوبة عليه. فكل أعمالها الروائية تنسج خيوط خطاباتها من مادة الوطن وظهوراته الاجتماعية والسياسية.وهذه خصيصة الأعمال الروائية التي وفقت في الجمع ما بين ما هو اجتماعي وواقعي والقيم الجمالية الفنية التي تزين بشاعة الواقعي اليومي .تنفيذا لمقولة: كل ما دخل الفن جمله الفن. وهو ما يمكن وسمه بجمالية البشاعة أو جمالية الحزن الفني، وليس الحزن الاجتماعي. ومن هذا الطرح يمكن الربط بين الرواية والحياة،فالرواية في التفسير الأخير ما هي سوى حياة افتراضية من وجهة نظر الروائي للواقع. وهذاما وافق فيه “بيرسي لوبوك” “هنري جيمس” في الربط بين فن الرواية والحياة.”فالرواية عنده هي صورة للحياة، وألفة الحياة ومعرفتنا الجيدة بها هما اللتان تجعلاننا نستعمل ذوقنا لنحكم على الرواية فيما إذا كانت صادقة مفعمة بالحيوية، مقنعة كما هي في الواقع”[10]

إلاّ أنّ الرواية ليست نسخة مطابقة للحياة بل هي قطعة من الفنpiece of art [11] فالوعي الكامل بصورة الحياة والذي تجسده الشخصيات والخطابات المتراسلة داخل المتن السردي. إنما يتحقق “على مستوى التلقي وليس على مستوى الشخصية الرئيسية التي تظل محدودة الإدراك مهما يشحنها المبدع ويوسع دائرة وعيها.”[12]

إلاّ أن الخطاب السردي الروائي ما فتيء يستثمر طاقة اللغة وتطويع بلاغة المقول السردي في بناء الصورة الفنية التي تعدّ ـ الصورةـ البؤرة البلاغية والإبلاغية التي تتكاثف فيها اللغة وتتفاعل لتحقيق وقع الإدهاش الذي نحسب تحققها ضمن النسيج السردي بناء بلاغيا يحقق متعة النص ويحقق في الآن ذاته مسعى محوريا في عملية التلقي.ذلك أنّ الغاية الأولى من القراءة والتلقي هي التمتع بقيمة النص الجمالية الفنية.”إذ أنّ التعبير الأدبي يحتاج باستمرار إلى تقنيات وأساليب من أجل صوغ جمالي ورؤية معبرة تتقاطع في نسجها وأنساق الذاتي واللاشعوري والتاريخي”[13]

ففي رواية”لخضر” تعمد الروائية ياسمينة صالح إلى تدبر أسلوبي وتقني تتشكل اللغة وتتكاثف في بنيات تركيبية تشكل ما اسميته بنية الوقع السردي الذي تخرج فيه اللغة عن سكونيتها العقلانية وعن خط سيرها النثري السردي المهادن إلى بنية توترية، تتشعر فيها اللغة ويتقصد ـ من القصيدة ـ  المقطع السردي ،فيتحقق على مستوى الحكي ما يمكن وسمه بشعرية الوقع السردي. ورأينا في ذلك إشباعا للغة وليس تضخيما لها.وهذه الظاهرة الأسلوبية لها دور المحفّز والمعاضد للنفس السردي النثري. بحيث يشكل دافعا ومنشطا لحركة سير خط السرد.الذي يتميز بالشروح والتفاسير والتعليقات التي يترتب عنها تباطؤ في حركة المدّ السردي.ومن هنا تشكل هذه المقاطع السردية النشطة وقعا له أثره الجمالي والفني على نفسية المتلقي.

ومن هذا نرى أنّ فعل الوقع الشعري في رواية “لخضر” الغاية منه هي إشباع البنية البلاغية السردية ،وتفعيل الجملة البلاغية الإبلاغية في إطار إرسالية الصورة الفنية .فالصورة بهذا المفهوم “أصبحت ولعا خاصا لتبديد المعنى المسطح واستيلاد مرايا دينامية تشخص وتنتقد وتغوي لأنها تتجه نحو الإدراك بحمولاتها وكثافتها وانشغالاتها التأويلية فهي ليست جامدة ولكنها تنمو مع التخييل ؛لأنها عريقة في استدعاء مثمر للذاتي والمجتمعي والأسطوري..لأنّ دور البلاغة في الرواية وتمثلاتها في الصورة هو دور حيوي يمنح اللغة الخلود والتعددية”[14]

من تلك المقاطع السردية الشاعرية  قول السارد/الساردة وهي ترسم واصفة شخصية”لخضر

المغلفة بالتعاسة والهباء”..كان يعشق الأفلام البوليسية،وأفلام الجاسوسية التي تشعره أنّ القوة كائن حي وأنه يستطيع بطريقة ما أن يصبح بطلا …كان يرى نفسه جاسوسا لحساب شبكة ما ،مغامرا وقادرا على تخطي الصعاب،ليلتقي في النهاية بحبيبة جميلة ودافئة تقول له:أحبك..كما تقولها البطلة للبطل الوسيم مفتول العضلات..لطالما أنقذه خياله من الكآبة والقهر اللذين يطاردانه كل يوم ولكنه كان يصعق حين تظهر ملامحه على زجاج واجهة ما،

فينكشف أنه لن يكون بطلا،وألاّ فتاة ستقول له أحبك،لأنه لايثير أكثر الشفقة كمتسول يطلب الحنان بدل الخبز..هل كان ممنوعا من الحب كعملة ممنوعة من الصرف؟”[15]

إن معاودة ثانية لقراءة تأملية لجملة الوقع الأخير”هل كان ممنوعا من الحب كعملة ممنوعة من الصرف ؟”بقدر تكشف عن خواء شخصية “لخضر” بقدر ما تحدث في نفس المتلقي هزة الإطراب وبلاغة الصورة الفنية التي ترصد عمق الشقاء الذي تعذب “لخضر” ومن ثمة يدفعه للمضي قدما باحثا عن دائرة ضوء يتخلص فيها من عتمة الوضع المعيشي،كيف لا وهو المبتلى بالسواد. وعليه سوف تكشف الرواية في مساحاتها السردية القادمة كيف أن هذا النوع من الشخصيات ونظرا لعمق الشقاء الذي يسكنه، هو قادر على أن يضحيّ بأعز ما يملك حتى ولو بشرفه فقط لتحقيق أعلى المناصب.وسوف يظل يتنازل عن مبادئه ما دام يتوغل في متاهات أحلامه ورصيده من المكاسب المبهرة يتضاعف. وفي كل ذلك هو مطالب بالمضيّ دون أن يحدد بالضبط ما هو هدفه الآتي،فقط عليه تصيّد الفرص اعتلاء الكراسي ؛الكرسي بعد الكرسي،والرتبة بعد الرتبة والقفز على المراحل.وهذه صورة رقمية ناصعة جسدت بصدق فني وخطابي مرحلة العشرية السوداء التي كانت سوداء على الشعب الجزائري وملونة ورابحة بالنسبة لفئة”x “تلك الفئة التي يصعب تبيان ملامحها في جنح الظلام. وكذلك فعل “لخضر” الذي كان يجد لذة وهو يُسيَّر مغمض العينين نحو هدف لم يختره هو،بل أختير له. وربما كان بؤسه وفقره  وضغينته رصيدا أساسيا أهّله للوصول إلى آخر أحلامه.وهل كان قادرا على أن يحلم؟

تكشف شخصية “لخضر” عن عمق المأساة الوطنية وعن بشاعة هامشها وعمقها المظلم، وعن فظاعة المسكوت عنه. ولكن هذا الكشف يظهر أكثر في جمالية التعبير عنه وليس في تيمته في حدّ ذاتها. ففي اعتقادنا أن ما يصطلح عليه بأدب المحنة كان هو في حدّ ذاته محنة إبداعية؛ في أسلوبه ولغته وقيمته الفنية الجمالية. بل أنّ بعض تلك الخطابات السردية لم يرق حتى إلى مستوى الكلام، ولم يرق إلى مستوى المقال الصحفي. لأنه يخلو من التدبر الفني والمحكاتي، وقصر الرؤيا الفنية الإبداعية. ولم يكن بريئا تماما بل كان منحازا إلى حدّ الافتضاح.

“لخضر” الهباء والغباء، اختزلته الروائية ياسمينة صالح بشكل فني، فيه الكثير من التدبر والرمزية في صورة حذائه المملوء بالثُقوب. فكان لحضور الحذاء المهترئ وقع شعري إبلاغي.بل لقد جعلت من الحذاء المهترئ هوية ناطقة مثقلة بالدلالات التي عجزت اللغة على الإحاطة بها. فإذا كان الوجه بملامحه هو الواجهة الأقوى في تقديم هوية الشخص،فإن الروائية قلبت هذه الشخصية رأسا على عقب.فكانت هويته في جزمته الممزقة،صارت جزمته بصمة يقينية على شخصيته،وهذا رمز قوي له وقعه، وله سيميائيته.

ففي مستقبل المنجز الروائي يكون للحذاء شخصيته وحضوره ووقعه. وسوف يكشف المدّ السردي كيف تنمو شخصية الحذاء الممزق ويكون له شأن وجاه وسلطة قاهرة.ومابين ماضي الحذاء الممزق ومستقبله السلطوي”الحذاء الأسود” ،حيث يظهر حذاء “لخضر” لماعا له هِبته.عبر هذه المسافة يكون “لخضر” قد أمسك بكلتي يديه على حلم أحلامه”السلطة المطلقة”

وبتوظيف الحذاء الممزق المهترئ تكون الروائية “ياسمينة صالح” قد محورت رمزا مثقلا بالدلالات ،وفتحت بذلك أيضا آفاقا للتأويل.وماذا يكون”التأويل إن لم يكن بحثا في ذاكرة الشعوب الثقافية والرمزية والأسطورية والدينية والخرافية وكل ما يشكل الوجدان الأصيل لأمة ما.إنّ أهمية التأويل في القدرة على خلق علاقات جديدة لم يكن يتوقعها أحد،أو إعادة بناء قصدية النص من خلال الإحالة على سياقات لم تكن متوقعة من خلال التجلي النصي.”[16]

إنّ قراءة انزياحية لتلك الشفرات اللسانية التي استعملتها ياسمينة صالح كأقفال شبيهة بأقفال الموشحات،يكشف ثقل المحمولات الاجتماعية والسياسية والصراعات الدرامية والتي مثلت المسكوت عنه والمحرم سياسيا وأمنيا، والذي سيظل صندوقا أسود للمأساة الوطنية يصعب التكهن والتخمين في سره النائم بين جنباته. مثله مثل الصندوق الأسود للثورة التحرير الجزائرية. ومن هنا يمكن قراءة مجموعة من الشفرات اللسانية انزياحيا للوصول إلى محظورات الصندوق الأسود للمأساة الوطنية، ولكن انزياحات أساسها شعرية الوقع السردي وجمالية البشاعة.إنها الإنزياحات الخالقة للفوارق الخلافية كما يسميها “غريماس Greimas“..وهي إنزياحات غير معطاة بشكل مباشر من خلال المادة،إنها على العكس من ذلك،نتاج المحاولات التي نقوم بها من أجل الإمساك بالشروخ الموجودة في عالم لانعرف عنه أيّ شيء،فما يشكل هذه الإنزياحات حقا هو العلاقة بين الظواهر والاختلافات الموجودة بينها”[17]

إنّ المعنى الذي يتحقق عبر ممرات الإنزياح ليس بالضرورة هو المعنى الواقعي المثبت في المنجز السردي بل هو المعنى الفني الناتج عن فعل التخييل والذي لا يوجد إلاّ في ذهن القارئ وما المعنى القصدي الذي يقول به المتن ما هو سوى معين للوصول بالمتلقي إلى المعنى الذي تنتجه القراءة.معنى يقع ضمن دائرة الثقافة الجمعية.فما تتم “الإحالة عليه يشكل في ارتباطه بالعلامات عالما ثقافيا لا يمكن اعتباره واقعيا ولا ممكنا بالمعنى الأنطولوجي للكلمة”[18]

لقد سبق وأن أكدنا على أن علامة “الحذاء “برمزيه؛ الحذاء المهترئ والمملوء بالثقوب، الذي يمثل هوية “لخضر” التعس الأبله قبل أن يصير سيدا محترما “جنرالا” والحذاء الأسود اللماع، حذاء “لخضر” السيّد صاحب السلطة المطلقة. فكلا الحذاءان يرمزان لحالة اجتماعية وحالة سياسية سلطوية. كما يمثلان تعاضديا وتقابليا على تفعيل تيمتي الدونية والسيادية. وإذا كان خطاب “لخضر” يفضح بؤسه ودونيته وهباءه ،فإنّ رمزية حذائه تومئ بحاله المزري ومستواه الطبقي “المواطن المسحوق أو المغبون بالوراثة” فإنّ سيميائيته ـ أي الحذاء المهترءـ هي أقسى الخطابات وأشدها وطأة وحلكة. فقد أرتبط مظهر الحذاء المهترئ بمواقف مأساوية ترتبها الروائية ترتيبا ذكيا ومدبرا، بحيث يأتي ذكر الحذاء كخلاصة تختصر المشهد السردي وتعمل على تعميق الحدث، لأنه ـ الحذاء المهترئ ـ أبلغ من أيّ لغة ساردة .

ففي المشهد السردي التالي ترد صورة الحذاء المثقوب وقعا له شعريته لتعمق حاله التعسة، ولتكون خاتمة كل الخطابات الحوارية:

قال رئيس العمال بصوت أراد أن يكون حميميا، وقريبا من القلب:

ـ هل تفكر في الزواج؟

قالها بابتسامة واضحة..خفق قلب لخضر وهو يستوعب السؤال. ردّ بصوت أراده مقنعا:

ـ هل يتزوج أمثالنا يا سيدي؟

ـ لمَ لا.. الجميع يتزوج، حتى المرضى.. !

ـ لكن ليس من هو مثلي.. أنظر إلى شكلي.. هل أملك شكل شخص يفكر في الزواج؟

قالها وهو يشير إلى الثقوب الكثيرة في حذائه[19]

وفي موقع آخر من المتن الروائي يصبح الحذاء رمزا مستهدفا وحلما استشرافيا يقول “لخضر” ل”نجاة ” وخيبة تعصر قلبه بعد أن أخذ والده منه راتبه خفية:

مسح براحته على شعره وهو يقول بصوت كئيب وابتسامة لا طعم لها:

ـ كنت أحلم بشراء حذاء وقميص وبنطلون جديد.. فكرت أن أشتري لك هدية.. !

تحضر صورة الحذاء هنا لتشير إلى نقطة في آفاق الحلم الاستشرافي الذي يسعى “لخضر” إلى أن يظل متشبثا به دون أن يعرف السبيل الذي يوصله إليه. وهو المجرد من كل حيلة وسند. ومن وجهة خطابية تظل الروائية محافظة على نقاط التوازن برموزها وعلاماتها قصد تفعيل وتنشيط حركة خط سير السرد.وبهذا تغدو تيمة الحذاء علامة بارزة في المد الدرامي لمنجز”لخضر”.ومع كل حضور متجدد تنفتح الحقول الدلالية لتيمة “الحذاء المهترئ” وفي كل مرة تحضر فيها هذه التيمة تنفتح آفاق التأويل وتتجدد معها حركة السرد نشطة. وهكذا تكون هذه التيمة القفل الذي يعلن عن تتمة دائرة خطابية ويكون في الوقت نفسه إذانا بتأسيس دائرة جديدة لوقع أكثر تأثيرا وشعرية. وكأني بالروائية ياسمينة صالح تتعمد هذه التقنية وتحرص على حضورها لتؤكد على قوة الهامشي والمسكوت عنه، وتؤكد في الآن على أن فهم المأساة الوطنية لا يكون إلاّ بقراءة الهامشي والحفر في ترسباته واستنطاق مستحثاته التي تختزن في ثناياها أسرارا تشيب لها الولدان… ومن هنا تحاول الصور الفنية المتلاحقة بوقعها الشعري أن تضيء بشكل فني وجمالي المواقع الأكثر وقعا والتي تتوسط خارطة المحكي. وتمنح النفس السردي دينامية متجددة. وهذا دور آخر لاشتغال الصورة الفنية في المتن الروائي.

والحذاء مرة أخرى. جاء في المقطع السردي. “وكان والده بجواره ككل مرة .قال له الجملة التي يقولها دائما:

ـ مصاريف البيت زادت. الله يعيننا على تغطية جزء منها… !

في السابق كان يضع الراتب بين يدي أبيه دون كلمة.. لكنه نظر إليه وهو يقول بصوت أراده حازما:

ـ لن أقضي حياتي بهذا الحذاء وهذا القميص وهذا البنطلون.. سأشتري ثيابا جديدة”[20].

إلى هذا الحدّ كان “لخضر” يشعر في قرارة نفسه التعسة أنه سيظل حبيس متاهة بؤسه وقبح منظره، وسيظل يدور في حلقة أو متاهة يتلمس طريقه كأعمى جهة نقطة ضوء لم يعرف كيف يصل إليها، ولأنه أصلا هو لا يعرف أين تقطع هذه نقطة الضوء من حياة.كان كمن يريد أن يخرج من إهابه، وأن يتخلص وإلى الأبد من ذاته التعسة، البائسة. يقول المتن الروائي “كان يشعر أنه يشبه الوحش في حكاية “الجميلة والوحش” التي شاهدها في السينما أكثر من مرة. ذلك الوحش استطاع أن يتحول إلى عاشق لأنّ حبيبته جميلة اختارت أن تحبه دون أن تحاسبه على شكله أو مظهره. وحدها لم تر فيه وحشا. رأت فيه إنسانا دافئا وصادقا.. كان يعرف أنّ النهاية جميلة. يتخيلها دائما بشكل مختلف، فيحب القصة أكثر من المرة السابقة. ألم يكن يشبه ذلك الوحش الحزين والوحيد؟ لكن نجاة حررته من السحر القديم الذي كان يجبره على الخضوع للعتمة.. كان نكرة في عيني أبيه وزوجة أبيه وأخوته، وبائسا في نظر الآخرين، ولكنه كان كائنا حقيقيا نابضا بالحياة في عينيها..”[21]

يهدف التعالق النصي بين المنجز السردي”لخضر” وفلم”الجميلة والوحش”إلى إقامة جسر تراسل ما بين الفنين؛ الرواية والسنيما. وهو ضرب من التصاعد والالتفاف على الشخصية المحورية “لخضر”قصد تعميق صفات البؤس والهباء التي تسم شخصية “لخضر” وذلك باستحضار شخصية الوحش المقرونة بشخصية “لخضر” سيميائيا ونفسانيا وشخصية الجميلة المقرونة بشخصية “نجاة” الجميلة. فبعد الرسم بالعلامات والرموز الدالة تعمد الروائية ياسمينة صالح بتدبر فني تيمة “الجميلة والوحش” لتعاضد بها صورة “لخضر” الوحش الذي يتقاطع مع صورة الوحش الأسطوري في الشعور بالخوف من النور بالنسبة للحوش الأسطوري والخوف من مواجهة الآخر بالنسبة لـ”لخضر” الأول قبيح المظهر والثاني قبيح الوضع الاجتماعي. أو على الأقل شعوره بقبح البؤس. المتمثل في عنقودية التعاسة التي حشدت لها الروائية قاموسا من الصفات الكريهة؛ البائس/الجائع/ المعتوه/الأبله/الخالي من الحب/ الساذج/…إلخ. وقد لخصت صفات ذلك القبح في قولها “كان عليه أن يعيش كما يعيش أيّ بائس على هذه الأرض”[22]وقولها في موقع سردي آخر”..كان الليل مسكنه…كان الليل بيته..”[23]

وفي شأن تعالق النص الروائي ببعض الفنون  يتحدث “جان ريكاردو jean Ricardou “عن ما يسميه ب”حرب المحكيات”la guerre des récits و”حرب البلاغات”la guerre des rhétoriques و”معركة الأساليب”la bataille des styles [24] وهي جميعا صيغ اصطلاحية تؤشر على أفق الكتابة لمّا تجنح صوب المزج بين الفنون والأجناس التعبيرية المتباينة[25].

نحسب أن تعالق الفنون المتباينة ليس حربا وليس معارك إنما تضافر وتعاشق يحصل بين النصوص،وما عملية الانصهار والذوبان التي تتمّ بين النصوص وبين الفنون المختلفة إلاّ دليلا قاطعا على تجاذب الثيمات ضمن سياقات ثقافية وأسلوبية. ففي المقبوس السابق “لخضر” وقصة “الجميلة والوحش” نلفي تأليفا وتوليفا فنيا بين جنس الرواية وجنس السينيما. نلفي نقطة التقاطع بين الفنيين هي صورة القبح سواء الخِلقي أو البؤس الاجتماعي والنفسي. ومن ثمة يمكننا قراءة صورة “لخضر” بصورة “الجميلة والوحش” ومن هذا المنظور تكون الروائية ياسمينة صالح قد وضعت النص الروائي إزاء تخوم النص المرئي السنيمائي. وعليه فإن اشتغال صورة “الجميلة والوحش” السينيمائية ضمن المتن الروائي سوف يدفع صورة “لخضر” إلى آفاق انزياح ما كان ليتحقق بهذا الانفتاح لولا فاعلية صورة “الجميلة والوحش”. التي تمثل مخزونا ثقافيا ضمن ذاكرة المتلقي.

تشتغل صورة “الجميلة والوحش” أيضا على احتواء العلامات الدالة على بؤس شخصية”لخضر” التي تمثل أساس المدّ الدرامي في رواية “لخضر” فقد ألفيناها مبثوثة بشكل مكثف حتى غدت علامة بارزة. ومن جهتنا نرى أن تكرارها يأتي متلاحقا ليعمق صفة البؤس والهباء ومن ذلك:”

“كان عليك أن تعيش كما يعيش أيّ بائس”

“عليه أن يظل حارسا بائسا… ليثبت أنه ليس بائسا”[26]

“لن يتغير طالما سيظل بائسا”[27]

“بدا بائسا”[28]

هل يمكن أن يرفع حمال بائس عينيه في وجه وزير بحجة أنه حر؟[29]

ومن هذا التلاقي والتراسل الحاصل مابين فني الرواية والسنيما يمكن للقارئ القبض على أهم علامات النصين، ومن ثمة مباشرة فعل التأويل وإنتاج المعنى، الذي لم يصرح به نص رواية “لخضر” لأنّ في تيمة “الجميلة والوحش” بلاغة المعنى وثراء دلالاته المسكوت عنها. وفي التعويل على ثقافة “الجميلة والوحش” يمكننا العثور على المعنى الغفل الذي لم يقم بين النصين.ولا يسكنهما.على شرط ألاّ نحمّل نص “لخضر” مستقوين عليه بنص “الجميلة والوحش” نحمله ما لم يريد قوله. انطلاقا من عناصره التكوينية الأساسية، التي تمثل ممرات انزياحية خارجه. وهذا ما أشار إليه إمبرتو إيكوحين أكد على ضرورة مراعاة العناصر الثابتة في النص في كل عملية تأويلية أثناء استقبال النص وتحديد دلالته[30]

وأما العناصر/العلامات الثابتة في المنجز السردي”لخضر” فإنها بينة وظاهرة وقد أشرنا إلى أهمها سابقا. وكلها عناصر علامية حددت من خلالها ياسمينة صالح صورة “لخضر” سواء تلك العلامات الدالة على التعاسة والشقاء والهباء أو تلك التي صار فيها سيدا يتحكم في أقدار الضعفاء والخصوم الذين يجهلهم.وحتى أعدائه الوهميين كما ترسمهم مخيلته المسكونة بالضغينة.ومن هنا تظل هذه العناصر”مجموعة من التوجيهات التأويلية التي يجب أخذها بعين الاعتبار في كل فعل تأويلي،وإلاّ تحول التأويل إلى كتابة جديدة لا ضابط لها سوى هوى القارئ وميولاته الصحية منها والمرضية .فهذه العناصر تقلص من عدد المسارات الممكنة ،بل قد تحد من عمليات التخيل عند القارئ ذاته”[31]

وهذا التأويل هو ما يصطلح عليه نقديا بالقراءة المبدعة، والتي تعيد ترتيب وضعية النص بحسب وجهة نظر القارئ. وهذاما أكد عليه “رولان بارت” في قوله “لا وجود لقراءة “طبيعية” ،”وحشية”، فالقراءة لا تتجاوز البنية، إنها خاضعة لها، إنها في حاجة إليها، لذلك فهي تحترمها، إلاّ أنها تشوش عليها”[32]

تتوسل الساردة/السارد لبرنامجه السردي في مدونة “لخضر” جملة من التقنيات والرؤى لبناء متخليه؛ من تلك التقنيات جعل تيمة “الحذاء” المهترئ الحمّالة لعنقودية السلوكات الهابطة ولهبائه المتنامي وهو يسعى إلى نيل السيّادة التي تسكن عقله، وتيمة “الحذاء اللمّاع” الحمّالة لشتى مظاهر الأبهة والزهو إلى حدّ النرجسية.وبين التيمتين “الحذائين” تتموقع تيمة “السيّادة التي تشكل نهاية البداية، بها يكتمل سرد الاستشرافي والطموح، ولكن حال البؤس ستظل تغلف نفسية “لخضر” بعد أن كانت تغلف مظهر شخصيته المزرية. بعد أن كان يتحاشى نظرات الآخرين لحذائه المهترئ المملوء بالثقوب والذي كان علامة دالة على بؤسه.ومع نيله السّياّدة والجاه صار له حذاؤه اللامع،وصار يتمنى أن ينظر الآخرون إلى حذائه الأسود اللامع.لأنه يؤشر على مكانته وسطوة سلطانه.وبين الحذائين صراع نفسي وكبت يحفر بوجع قاتل، ليتحول بطيئا ولكن بثبات إلى ظغينة تجاه الآخر،أيّ آخر حتى ولوكان ذاته نفسه .ولكن “لخضر” ظل قادرا على أن يحلم بالسّيّادة وهذا عزاؤه،فأن يواصل يحلم معناه أنه ماض بثبات جهة نقطة الضوء.ومتى ما صار له حذاء أسود معناه أنه ـ في أعين الناس ـ على الأقل أنه صار سيّدا وصاحب سلطة ومهابة:

“لفظة يا سيّدي :مفتاح سرّ العظمة والفخر..”[33]

“اقترب النادل منه بابتسامة متقنة وسأله:

ـ هل ترغب في مشروب معين يا سيّدي؟

ونظر إلى النادل بالذهول نفسه الذي نظر به إلى بائع الأحذية ..كان النادل ينتظر الردّ، وكان لخضر يشعر لأول مرة أنه أصبح سيّدا، وأنه سيكون محترما لدقائق أخرى.. فكر في الماضي القريب.. شعر بحنين غريب إلى وجه مازال يعتقد أنه الأجمل في الكون..نجاة.. ! تساءل بحزن: هل كانت ستعرفني لو رأتني الآن؟ حمحم النادل.. نظر إليه لخضر وقال بصوت أراده عاديا:

ـ عصير.. !

ـ حالا.. !

كان يجد في تلك الأماكن شيئا يشعره بقيمته إزاء ذاته.. يدفع النقود لأجل أن يسمع كلمة”سيّدي”.. ! يحس أنه ملك نفسه..”[34]

يؤطر هذا المقطع السردي بلاغة الصورة التي تجلي شخصية “لخضر” كما تكمن بلاغة هذه الصورة في تمركز تيمة” سيدي” وتمحورها وهي تحفر باتجاه عمق الهاجس المحوري أيضا وهو تحقق نقطة الضوء أي الوصول إلى رتبة السيّادة والسلطة. ما يشغل “لخضر” في النقطة من المدّ السردي هو هذا الافتتان والانبهار الأخاذ من إيهاب السيّادة التي بدأت آثار نعمها تظهر عليه.وقد بدأ يشعر بذلك التحول حين بدأ الآخرون ينادونه باحترام وتردد: ياسيّدي. هذا على مستوى الخطاب. أما على مستوى الشكل فقد لبس حذاء أسود كتلك الأحذية التي يلبسها السادة، والغامضون. كما يتحقق على مستوى الأسلوب المستوى البلاغي لرواية”لخضر”.وهنا تجدر الإشارة إلى بلاغة الرواية باعتبارها متنا حكائيا وبين بلاغة الصورة الفنية الروائية باعتبارها مبنا حكائيا. وإذا كانت بلاغة الرواية لا تتحقق إلاّ بعد عملية تجميع لعناصرها المقروءة فإنّ بلاغة الصورة تتحقق مقطعيا.والرواية من هذا المفهوم هي سلسلة من الصور الفنية،وهي أيضا تكثيف للغة الشاعرة وضمّ لها وتركيز للأسلوب. وهذا ما يجعل المواقع الأكثر إلماعا وخطفا وإدهاشا هي الصورة بصفتها وقعا شاعريا؛شعرية سرد الأشياء ـ وليكن الحذاء في رواية لخضرـ أو شعرية رسم صورة الشخصية أو تصوير المعنوي كالمشاعر والأحاسيس، الجميلة أو القبيحة. وكل يشير إلى نتيجة أساسية ومحورية في الرواية باعتبارها فنا.وكل ما دخل الفن جمله الفن. والرواية فن جميل.

وهنا نستعير من د.محمد أنقار شاهده في أنّ “بلاغة”تفاصيل الصورة” عند بيرسي لوبوك percy lubbock“1879ـ 965 1″وتمثل تلك التفاصيل في رأيي الفجوة الجمالية التي صبا لوبوك من خلالها إلى المسافة القائمة بين ثنائية المتن وحكايته،من أجل تشكيل موقف نقدي حول “الصورة الروائية” وبلاغتها المتعالية عن الثنائيات”[35]

وسبق وأن أكّدنا على أنّ جمالية الرواية تتكاثف في بوتقة الصورة فلا جمال خارج موطن الصورة، ولهذا كانت الصورة هي المستهدفة من البنية الأسلوبية ،وكل الألفاظ تشتغل تضافريا  وهي تصنع الجمالي تجري لتصب في الموقع الأكثر وقعا على نفسية المتلقي،ألا وهي الصورة،وعلى القارئ المنتج للمعنى عليه أن يقرأ ويسائلها مستعملا رصيده الثقافي وخبرته الجمالية. ولما كانت”بنية الموضوع الجمالي هي نفس بنية الصورة المتخيلة فإنّ ذلك يعني أنّ المتلقي ينبغي أن يقصد العمل الفني على الخيال، حتى يمكن للموضوع أن يتجلى.وحدوث الخبرة على مستوى الخيال هو موقف تتقطع فيه صلاتنا بالواقع، لأنّ الواقع لا يكون أبدا جميلا، فالجمال قيمة لا تنطبق إلاّ على المتخيل”[36]

فإذا ما جئنا نقرأ ثلاثية الوقع “الحذاء المهترئ/الحذاء الأسود اللمّاع/ السيّد” والتي تمثل شعرية جمالية المحكي/المسرود.ألفيناها تمثل محور تلك الظهورات الأساسية التي يتكئ عليها المنجز لسردي “لخضر”وكأني بالروائية “ياسمينة صالح”عمدت إلى تلك التقنية عمدا،وقصدت تدبرها تيميا وفنيا جماليا،نراها تغادرها لتعود إليها المرة بعد المرة.وفي كل معاودة تضاعف من درجة الوقع لتؤكد على أنّ سرد الشيء “الحذاء” وسرد الأشياء واكتتابها هو في حدّ ذاته غاية وليس وسيلة. فالرواية “لخضر” كاملة تنبني على هذه الثلاثية؛الحذاء المهترئ والذي يشير سيميائيا إلى الأرض وإلى الضعة والدونية ثم الحذاء الأسود اللمّاع الذي يشير أيضا سيميائيا إلى الرفعة والسمو ثم “السيّد”التي تعني امتلاك الشخص لذاته وسطوته على الغير.

وهنا وجبت الإشارة إلى دور الأدب وكيف يسوي جماليا بين المتناقضات.وذلك لأنه إبداع والإبداع هو ذلك الإظهار. كما يقول “هيدغير” في شأن المتخيل باعتباره موضوعا جماليا مرتبط أساسا بالمفهوم الظاهراتي”.. أسلوب لحدوث الحقيقة …وإرساء الحقيقة في العمل الفني هو إظهار لموجود على نحو لم يظهر عليه من قبل، ولن يحدث مرة أخرى.. والإبداع هو ذلك الإظهار..”[37]

تشتغل تيمة “سيّدي” وأكثرها وقعا على نفس “لخضر” “يا سيّدي” تشتغل على تطهير نفسية “لخضر” من درن الدونية والشعور بالضيم والهباء،لتمنحه راحة وزهوا لطالما حلم به.

ـ “حاضر يا سيّدي… !

قالها ولمح آثار رضى في عين الرجل الذي لم يضف شيئا، تركه وانسحب.. كان يعرف أنّ عبارة يا سيدي تعني للآخرين ذلك الوقار الذي يريدون تصديقه… سلطة وهمية  يشعرون أنها ضرورية  في حضور البؤساء .. ! فكل واحد يقولها لمن هو أرفع منه، ولهذا كان الجميع يقولها بالطريقة نفسها ليسمعها الآخر بالطريقة نفسها ![38]

يمضي السرد بطريقة فنية وحبكة محكمة وهو يحافظ على توزيع الأدوار الحضورية بشكل تناوبي وتضافري مابين الحذاء الأغبر المهترئ والسيّادة. وهذه إشارة ذكية من الروائية فلن يظفر لخضر بالسيّادة إلا إذا تخلص من الحذاء الأغبر المهترئ الذي يقول كل شيء عن بؤسه وهبائه. ويفضح حال التعسة.

..”طأطأ لخضر رأسه وهو ينظر إلى حذائه الذي صار مليئا بالغبار.. مسحه براحة كفه..”[39]

“..قالها وهو يمسح الجهة الثانية من حذائه براحة يده.. بدا له الحذاء أفضل الآن وقد مسح عنه آثار الغبار الذي علق به.. اكتشف أنّ ثمة غبارا كثيفا على بنطلونه، نفضه بحركة قوية”[40]

إلى حدّ هنا لايزال لخضر مشدودا إلى التراب، مما يشعره أنه لم يتخلص من دونيته وبؤسه الذي هو هويته وكينونته. ولكن على ما يبدو أنه مصر على  التخلص من دونيته فلفظة “نفض” التي تتكرر مرافقة للوقع تشير صراحة إلى  مبدا الرفض والتملص من حالته البائسة.

“..قالها وهو يهم بالوقوف.. عاه إلى نفض بقايا الغبار عن بنطلونه أمام ابتسامة زميله، ومشى نحو البوابة الخارجية وغادر.. ![41]

تنكتب السيّادة”سيّدي” في منجز”لخضر” لتقول تشوفها وتتمادى في حفر أغوار لخضر المتكلسة بهاجس الوصول بشتى الطرق والوسائل إلى نقطة الضوء التي تنتظره في نقطة ما من حياته، هو يدرك بيقين الرجل الخائب والبائس أن لا مخرج ولا منجا مما هو فيه إلاّ بسحر تلك اللفظة التي ما إن ينطقها الشخص البسيط ومواطن الهامش اليومي حتى يرنّ صوتها في أذن”السيّد” أيّ سيد مهما كانت خواء شخصيته، تشعره بإيقاعها العجيب والتي تشعره ألاّ أحد يعلو عليه،وأنه هو القاهر فوق الآخرين. لخضر يدرك هذا بوعي المتعطش للسيّادة مهما كلفته.بل هو قادر ومستعد للتضحية من أجلها،ومن أجل سماع رنينها السحري، فقط يسمعها من فم بائس مثله. وبعدها يأتي الحب والخبز والمال والنساء الجميلات.

“..لأول مرة يشعر فيها أنّ ما ينقصه أهم من المال ومن الحب ومن الخبز واللباس.. تنقصه السلطة التي تجعل المال والحب والخبز واللبس في متناوله.. السلطة التي تجعل الجميع  يبتسم له، حتى أكثر الناس كرها له واشمئزازا منه يبتسمون له عن خوف، وعن حاجة إلى نيل رضاه[42]…..

* أستاذ جامعي وناقد جزائري

 


[1] ـ تزفيطان تودوروف: الأدب في خطر.ترجمة:عبد الكبير الشرقاوي. دار توبقال للنشر.الدار البيضاء ـ المغرب. ط1/2007.ص:45

[2] ـ ياسمية صالح: لخضر.المؤسسة العربية للدراسات والنشر.بيروت.ط1   /   1.2010 ص:18

[3] ـ لخضر:ص:18

[4] ـ لخضر: ص:9

[5] ـ لخضر .ص: 16

[6] ـ لخضر .ص:18

[7] ـ لخضر .ص:19

[8] ـ ـ لخضر .ص: 18

[9] ـ لخضر .ص:19

[10] ـ نقلا عن :ديفيد لودج:الفن الروائي: ماهر البطوطي .المجلس الأعلى للثقافة .القاهرة.2002ص: 20

[11] ـ المرجع نفسه.ص: 32

[12] ـ مجلة :بلاغات. بلاغة الرواية. المغرب.ع:1. 2009. ص: 37

[13] ـ مرايا التأويل .تفكير في كيفيات تجاور الضوء والعتمة. شعيب حليفي. المجلس الأعلى للثقافة.ط1 2010.ص:35

[14] ـ مرايا التأويل .تفكير في كيفيات تجاور الضوء والعتمة. شعيب حليفي. ص:40

[15] ـ رواية لخضر. ياسمينة صالح.ص:46

[16] ـ السرد الروائي وتجربة المعنى. سعيد بنكراد.المركز الثقافي العربي.ط1. 2008.ص:43

[17] ـ Du sens.seuil.1970.p9 . Greimas

[18] ـ jean michel Roy.sémiotique .philosophie et théorie du language.in au nom du sens.grasset2000p279

[19] ـ رواية.لخضر. ياسمينة صالح.ص:69

[20] ـ رواية ,لخضر:ص:77

[21] ـ رواية .لخضر. ياسمينة صالح. ص:79

[22] ـ رواية .لخضر.ياسمينة صالح.ص:129

[23] ـ ـ رواية .لخضر.ياسمينة صالح.ص:130

[24] ـ jean Ricardou.le nouveau roman.ed ;seuil ,p :102 /103 /108

[25] ـ استراتيجيات التجريب في الرواية المغربية المعاصرة. د.محمد أمنصور. شركة النشروالتوزيع المدارس.الدار البيضاء.ط1. 2006 ص:136

[26] ـ رواية لخضر. ياسينة صالح. ص: ص:132

[27] ـ  رواية لخضر. ياسينة صالح. ص:137

[28] ـ رواية لخضر. ياسينة صالح. ص:142

[29] ـ رواية لخضر. ياسينة صالح. ص:93

[30] ـ umberto Eco.lector in fabula.p.67

[31] ـ françois Rastier.sens et textualité.éd.hachette universitè.1989p.15

[32] – R. Barthes.s/z .éd.seul.p.16

[33] ـ رواية لخضر: ص:100

[34] ـ رواية لخضر.ص: 100

[35] ـ مجلة :بلاغات. بلاغة الرواية. مقال :مفهوم الصورة عند بيرسي لوبوك. د.محمد أنقار.المغرب.ع:1. 2009. ص:33

[36] ـ د.آمنة بلعلى.المتخيل في الرواية الجزائرية من المتماثل إلى المختلف.الأمل  للطباعة والنشر والتوزيع. ط2 /2011. ص:29

[37] ـ توفيق سعيد: الخبرة الجمالية،دراسة في فلسفة الجمال  الظاهراتية.ط1 .المؤسسة الجامعية للدراسات والنشروالتوزيع.بيروت.1992.ص:113

[38] ـ رواية لخضر. ص:101

[39] ـ رواية لخضر.ص: 102

[40] ـ رواية لخضر.ص: 102

[41] ـ رواية لخضر:ص: 104

[42] ـ رواية لخضر.ص:108

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق