قراءات ودراسات

قراءة في “سيرة مرضية “

عبدالله المتقي

على هامش المعرض الوطني للكتاب التونسي في نسخته الثانية ، وفي زيارة لرواق ” دار ديار للنشر والتوزيع ” ، أثار انتباهي ديوان ” سيرة مرضية ” للشاعر الفلسطيني أشرف فياض ضمن منشورات الدار ، والحق أني اقتنيته بشلال من البهجة والحرقة في نفس الأن ، خاصة وأني كنت ملهوفا لقراءة هذا الشاعر والتشكيلي الذي مر من تحت إبط الإعدام ، لتكون عقوبة القصيدة ثماني سنوات مازال يداولها في سجون السعودية بتهمة الإلحاد والازدراء بالدين والتي أصبحت خردة من سوء تداو، وحتى لا يسقط منا سهوا ، لا يسع أصدقاء القصيدة حقا، إلا يثمنوا هذا الصنيع الثقافي لداره موقفا واختيارا شعريا، والذي يحسب لها في ميزان ديوان الشعر العربي .
إن أول ملاحظة تستوقف المتصفح لغلاف الديوان ، هو عنوانه الذي جاء جملة اسمية خارقا للانتقاء المألوف ، إذا لا يمكن وصف السيرة بالمرض ، مادامت غير قابلة للإصابة به ، وهذا الخرق م ن شأنه اصطياد فضول القارئ، للقبض على معنى هذا العنوان المربك ، والأكثر منه ، إنتاج جمالية قرائية جديدة ، بديلا للقراءة الاستهلاكية
بيد أن هذا الإرباك الحاصل في العنونة ، ريثما ينجلي بعد التوغل في أراضي الديوان ،والاحتكاك بثقافته النصية ، ويتم تشخيص الكثير من العلل والإصابات المرضية ، وهذا، ما تعززه الصيغة الإهدائية الدالة على بيت داء المعدة :” إلى حرقة المعدة التي لم تفارقني منذ الولادة ” ، كما يعضد هذه الأعراض المرضية عناوين أكثرية قصائد الديوان :” تشققات جلدية ، الرائحة الكريهة ، بخصوص الرائحة الكريهة، الرجل السرطان، في مكان بارد وجاف ، لمعالجة البقع الصعبة ، جلطة دماغية ” .
وعليه ، يكون لسان العنونة حاميا وطويلا، وأفشى بنية الديوان وأسراره، ومن ثم ، برمجة المتلقي لاستقبال حياة عليلة، وسيرة إنسان وعالم يكابدان من كثير من الأعطاب والصداع ، وهو ما يتحكم في القصائد :
” العالم هذا الصباح ، يشبه معدتي المصابة بالحرقة
يشبه الصداع الذي يقضي عطلته الأسبوعية في
رأسي ، يسبه أكوام الزجاج ، التي تملأ ذاكرتي “ص64
وعموما ، لمن هذه السيرة ؟ من أين جاءها المرض ؟ من الحياة ؟ من المكان ؟ من الصدفة ؟ من الخسران والهزيمة ؟ من وعيها الحاد ؟ من جنونها المعقلن ؟ من أين تأتي العلة ؟ أسئلة تبدو غامضة كلها للوهلة الأولى ، وتشبه الألغاز ، بيد أن القارئ الحصيف والمنتج ، ريثما يضع يده على مفاتيح هذه الألغاز ، كلما توغل أكثر في أراضي هذه السيرة الشعرية والمصابة بسرطان المرحلة .
أول أعراض هذه العلة ، الاحتفاء بثقافة الموت :
” القتل مصدر فخر في كثير من الأحيان
لدرجة أننا قد تمنح أوسمة ومكافآت وألقابا ,,
بل يصل الأمر إلى أن نحكم العالم لأننا قتلنا عددا
كبيرا من البشر ” ص32
المقطع أعلاه تصوير جارح لتلذذ الإنسان المتسلط بالقتل ، الإنسان العديم الرحمة ، والمهووس بسحق آدمية الآخرين وتلمظها دون شفقة ، لتصل قمة هذه الوحشية ، تكريم القتلة والاحتفاء باتجازاتهم القاتلة ، وفق ثقافة ترسيخ عقدة التحكم والازدراء بحقوق الإنسان وكرامته .
وفي ظل هذا المناخ العاصف والسادي ، ليس بدعا ، إذا تحول العالم الى مرتع خصب لذيوع حيونة الإنسان وشراسته ، فعندما يقول الشاعر :
” قرر الإنسان أنه ليس كباقي الحيوانات
ثم أطلق على نفسه إنسانا
وبدأ في البحث عن سبب وجيه واحد
لكونه بهذا الشكل
وفي مكان ما … ضل الطريق ” ص30
فإنه يعني ، موقفه الساخر والمستفز من فقدان الانسان للطريق إلى الإنسان ، عبر رصد فقدان بوصلة الكرامة والتيه في صحاري ناشفة من القيم الحقيقية التي تليق بهذا الإنسان الذي يأكل الخبز ويمشي في أسواق وعلى أرصفة الحياة .
هكذا يمضي أشرف فياض في تعرية الأعراض الجانبية لهذه العلل التي أفرزها عصر بلا قلب ولا قيم ، فحتى الحب أضحى وباء ، ومسه المسخ ، ليتم تسليعه وتسويقه بكل وقاحة :
” قلت :”ليتني أملك الأبد “
قلت :” سنبقة كذلك إل الأبد “
ثم حصل مصادفة أن الأبد قد تم بيعه مقابل
شجرة تقع في مكانا .. فوق السماء” ص 80
تتوقف العين في الشاهد النصي أعلاه ، على تبضيع الحب ، فبدل أن يعاش بالمسام والجوارح ، أمسى ملغوما بالخيانات والالتباسات ، وفي نسخة فريدة ومنقحة ، ومن ثم ، فقدان الإنسان المعاصر لأي أريج للحب .
إنها الذات في عريها الوجودي ترسم تعبها في هذا الزمن الذي حول الإنسان إلى كائن مرهق من جراء ثقل هذا العالم :
” تعبت من صفتي
تعبت من اسمي
تعبت من قدرتي على التحمل ” ص11
هذا هو حال الإنسان المعاصر ، الذي يتحدث الشاعر بلسانه ، إنسان خارت قواه ، فقد هويته ، ولا هو قادر على تحمل مثاقل هذا السرطان الذي نخر العالم .
ويحدث أن يحضر الوطن في سياق هذا المناخ المرضي ، نقرأ في الصفحة 108 :” حقيقة أن الوطن طبق بيض عديم الرائحة ..كيس تفاح معطوب .. لعبة بلاستيكية مقاومة للماء..
احتباس في البول .. وإسهال مزمن .. علبة مارلبورو عالية النيكوتين ..غثيان مراهقة أساءت الظن في طعم الفودكا .. لحية تصدر الكثير من البذاءات “
عندما نقرأ هذا المقطع من قصيدة ” ” نكتشف أن الوطن لا يشبه سوى علته وفوضاه ، ويحفز على الغثيان ، لأن أعراض المرض كثيرة ومتنوعة :” معطوب ، احتباس ، إسهال ..” ، ولنخلص أن الوطن مزدحم بالخلل وتنقصه الترتيبات اللازمة ,
ولا يكتمل الحديث عن ” سيرة مرضية ” ، دون الإشارة إلى الحساسية الفنية الجديدة لهذه الباقة الشعرية ، قصائد خفيفة من الجزالة والإطناب ومساحيق البلاغة الموغلة في قدامتها، وثمة ملمح فني جديد يتجلى في التقسيم الفقري للقصائد وعنونتها ، إنه هدم لمعمارية القصيدة ، هدم يبرره إنتاج جمالية بصرية جديدة ، كما يجسد التمزقات والتشظية النفسية التي يعيشها الشاعر.

ومجمل القول ، جاء ديوان ” سيرة مرضية ” لأشرف فياض ، ليشخص مدى استفحال هزائم والكوابيس الانتكاسية التي مست الحياة ، ويتعقب الكبوات التي عطلت الأحلام ، وإنها على كل حال ، قصائد بصيرة ، تنبثق من رحم عالم ليس على ما يرام .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق