ثقافة المقال

“خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر”..

دكتور السيد إبراهيم أحمد

لَيْلَةُ الْقَدْرِ: عظيمة القدر، كثيرةُ الخيرِ، شريفةُ القدرِ، عميمةُ الفضلِ، كثيرة البركة، فيها.. أنزل الله تعالى القرآن العظيم، وفضلها عنده سبحانه عظيم، وفيها، يقدّر الله الأرزاق والآجال وما هو كائن، أي ما يكون في ذلك العام، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام من الأجل والأرزاق، والمقادير القدرية.

وقيل ليلة القدر؛ لأن الأرض تضيق بالملائكة لكثرتهم فيها تلك الليلة، من “القدر” وهو التضييق، أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق؛ تعظيمًا له.

ليلة القدر: ليلة قدرها عظيم جليل، وليس لها في دنيا الناس مضارع أو مثيل، وفيها يضاعف الله تعالى كل عمل ولو قليل، حتى جعل العمل فيها خيرٌ من ألف شهر، يقول ابن كثير في تفسيره: (أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر).

عن أنس قال: “العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر”.
والألف شهر تساوي 83 سنة وأربعة أشهر، والعمل في هذه الليلة من حيث الخيرية لا يعادل ألف سنة كما اعتاد الناس أن يقولوا بل العمل فيها “خير من العمل” في ألف شهر.

ليلة القدر: ليلة أمن وسلام فلا يقدِّر الله تعالى فيها غير الأمن والسلامة، من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه من الصغائر والكبائر وفضل الله أوسع من ذلك، كما قال الإمام النابلسي، ومن حرمها من المسلمين فقد حرم الخير كله.

ليلة القدر: أنزل الله في فضلها سورة كاملة من سور القرآن العظيم.

ليلة القدر: ليلة حقيقية في المفهوم الإسلامي، معلومة الوقوع، ومتيقن حدوثها، وهي في العشر الأواخر من الشهر الكريم، وفي أوتار هذه الليالي أي في الليالي الفردية لا الزوجية، ولكنها مخفية، وللإخفاء حكمة في تحري المسلم عنها، والدأب على أن يصيبها أو يدركها هو ما لا يجعله يتوانى أو يتكاسل عن بقية الليالي، حتى إذا علمها يقينًا قام ليلتها فحسب، وتحريها في العشر الأواخر تقطع الحديث عن التساؤلات الكثيرة أنها إذا كانت في قُطر ليلة فردية وفي القُطر الآخر ليلة زوجية، ذلك أن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر، فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي رمضان، على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر، فيباهي الله تعالى بهم ملائكته.

يقول الفخر الرازي في تفسيره معللًا سر إخفاء ليلة القدر: (إن الله أخفى هذه الليلة لوجوه:
أحدها: أنه أخفاها كما أخفى سائر الأشياء فإنه أخفى رضاه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل، وأخفى غضبه في المعاصي ليحترزوا عن الكل، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات، وأخفى قبول التوبة ليواظب المكلَّف على جميع أقسام التوبة.
ثانيها: أنه أخفاها ليجتهد المكلَّف في طلبها فينال أجر الاجتهاد.
ثالثها: كأن الله يقول: لو عينتُ ليلة القدر وأنا عالم بتجاسركم على المعصية فربما دعتك الشهوة في تلك الليلة إلى المعصية فوقعت في الذنب فكانت معصيتك مع العلم أشد من معصيتك لا مع علمك.

ولقد ثبت في السنة المطهرة ما يدل على أنها ليلة إحدى وعشرين، وأنها ليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخر ليلة من ليالي رمضان المبارك.

كما أنه قد ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم:”تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ”.
وفي هذا ما يدل على أن هذه الليلة المباركة تتنقل في العشر الأخيرة من رمضان، ولهذا وجب على المسلم أن يتحريها ويجتهد فيها بالعبادة من صلاة وقيام.

ولقد أورد البخاري في صحيحه، قال عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ:”إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ”.

ليلة القدر: للمسلم فيها أعمال يقوم بها لما ثبت في حقها من فضل معلوم، وهي:

ـ “قيام تلك الليلة”، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. [أخرجه البخاري].

ـ “الدعاء فيها”، لقول السيدة عائشة رضي الله عنها: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: “قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي. [الترمذي].

ـ “الاجتهاد في العبادة فيها وفي العشر الأواخر”، فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: “كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ” [البخاري ومسلم]، وعنها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ [مسلم].

ـ “الاعتكاف في العشر الأواخر”، ولقد “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ” كما قالت عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري.

على أن ليلة القدر لها علامات، منها الذي لا يصح، ومنها الذي يصح، ومن العلامات الصحيحة: تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها، ويطلع القمر فيها مثل شق جفنة، قال القاضي عياض: (فيه إشارة إلى أنها إنما تكون في أواخر الشهر لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلا في أواخر الشهر)، أن تكون الليلة معتدلة لا حارة ولا باردة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليلة طلقة لا حارة ولا باردة تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة” [رواه ابن خزيمة وصححه الألباني]، كما أن من علاماتها الصحيحة أنه لا يُرمى فيها بنجم، حيث تكون كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم “إنها ليلة بَلجة” أي منيرة، الرياح تكون فيها ساكنة، أي لا تأتي فيها عواصف أو قواصف، وتكثُر فيها الملائكة، ويكون فيها الطمأنينة، والانشراح في الصدر.

ليلة القدر: خير من ألف شهر، تُراد للدين لا للدنيا، كما قال ابن باديس، ويستحب أن يكون الاجتهادُ في يومها كالاجتهاد في ليلتها، كما قال الشافعي.

ليلة فضلها عظيم جليل القدر اختص به الله تعالى أمة عظيمة القدر، عرضنا فضلها، لمن أراد القيام بحقها، ويفوز بثواب أفضل من عبادة ألف شهر، وذلك لمن طمع في الثواب وجني الأجر، ومن هرول استجابة لأمر الله تعالى فعمل وامتثل من باب الأدب والطاعة فله فوق الثواب ما لا يعلم قدره إلا الله، فلنجتهد فيها عباد الله.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق