ثقافة السرد

التسوّل

زهير عبد الرحمن

كنتُ على وشك أن أعبرَ الجسر الوحيد الذي يفصلُ بين بيتنا ومحطة الحافلات الملاصقة لمحطة القطار، عائداً من عملي الذي يبعد مدة ساعة بالحافلة، عندما استوقفني شاب لايصغرني كثيراً بالعمر، سائلاً أن أعطيه نقوداً أجرةَ الحافلة لتقلّه إلى منزله الريفي كما شرحَ لي. وبدأ يسردُ لي أسباب تسوّله وهو بمقتبل العمر وأتذكرُ منها، أنّه لايجدُ عملاً بالرغم من حصوله على شهادة المعهد المتوسط المهني، والتي يُفترضُ أن تؤهّله بسهولة للحصول على عمل في أحد المصانع. حقيقةً، لم أولي كثيرَ اهتمام لتفاصيل حديثه حيثُ بادرت إلى سحب محفظتي لتفقد محتوياتها لأرى ماذا أستطيع أن أساعده. كانت محفظتي تحتوي ورقتي نقود فقط واحدة من فئة مئة ليرة والأخرى من فئة خمسين. أمسكت ورقة الخمسين لأناوله إياها ففوجئت به يمد عنقه للأمام وقد شاهد الورقة الأخرى قائلاً أعطني ورقة المئة.
لا أستطيع أن أفهم سر السلوك الانساني، والدافع وراء الرغبة بمساعدة الآخرين. هل هي أملاً بالثواب وتحاشياً لعقاب الآخرة؟ أم هو نزوع انساني يَسِمُ الطبيعة البشرية؟ كنتُ ممن ينتمي لتلك الفئة من البشر، التي لاتنتظرُ ردّ الجميل يوماً، ولا تَعتبرُ ذلك مِنّة لهم، وخاصة أن معظم المتسولين هم أناس مجهولون بالنسبة لنا. وكثيرة هي الحالات التي نعطي فيها ونحن نعلمُ يقيناً أنهم ربما كانوا ممن امتهن حالة التسوّل وليست حاجة عابرة. كما يتمنّى أن تكون عليه الحال أغلب المتصدقين.
بالنسبة لي، كنت دائما في حيرة من سلوكي، فأحياناً أتصرّفُ الصوابَ وأحياناً أخرى أتصرفُ بغرابة أبدو معها مغفلّاً. وفي أحيان أخرى أشعر بالندم الشديد لترددي باتخاذ الخطوة الصحيحة في الموقف الواضح. ولكن يبدو أن كثيراً من الأفعال وكذلك ردود الأفعال تعكسُ شخصيتي المترددة ومزاجيتي القلقة إلى حدٍّ كبير، والتي طبعَتْ حياتي بسِمَة المعاناة والاحساس بالخيبة. فأنا بالرغم من إيماني الشديد بالله والآخرة، إلّا أني لا أعيرُ كثيرَ اهتمام لمفهوم الثواب والعقاب. فعندما أتذكر وصف الجنة المليئة بأنهار الخمر واللبن والحوريات، أشعر بالحزن يأخذني أخذاً، فأنا لست ممن يعشق الخمر لأجد فيه مكافأة عظيمة. فأنا لا أحتسيه إلا حين تنتابني لحظات كأبة. فألجأ لكاس نبيذ علها تدفع عني هذا الشعور المضني. وبالنسبة للعسل فأنا بطبيعتي البسيطة المؤمنة لا أحتسي منه أكثر من ملعقة في الصباح، فنفسي تكتفي بذلك وإن زدت منه فًاصَابُ بالغثيان. وأما عن الحوريات فما كنتُ لأستطيعَ أن أفهم الحاجة لهنّ في الآخرة.
لشرحِ الوضع يكفي أن أقول أن المبلغ الذي أحتاجه يومياً للوصول إلى عملي جيئة وذهاباً كانت خمسون ليرة. أذكر أنه عندما فاجأني بقوله أعطني ورقة المئة، أنني أجبته بسذاجة هذا كثير، مازال عليّ الذهاب غداً للعمل، وناولته ورقة الخمسين ومضيت في طريقي(يصعب عليّ أن أشرح له أن هذا المبلغ كان كل ما أملك حينها ومازال هناك يومين لاستلام مرتّب الشهر الجديد).
بعد أن مضيتُ في طريقي، رحتُ أتساءلُ عن هذه الجرأة في أن يحدّد هذا الشاب مايرجوه مني! ثمّ ،ولماذا يتسوّل المرء؟
كان وما زال الدافع الأساسي عندي في عدم رد المتسولين، هو شعوري الدائم بأنهم أناسٌ مهمشون، مقهورون في داخلهم، يعيشون على وقْعِ بقايا أحداثِ حياة الآخرين. مهما كانت أفعالُ البعض منهم تنطوي على محاولة احتيال، فجميعهم يشتركون بأن كرامتهم مهدورة، ووجودهم مُشيّئ. يُغيّبُ البحث عن لقمة عيشهم، قدرتهم على التواصل مع ذواتهم الانسانية، ويدفعُ نحو الحضيض قدرتهم على استرجاع احساسهم بوجودهم الآدمي.
تأتي التجربةُ الثانية لي، حين قُدّر لي أن أسافرَ وأعملَ في إحدى دول الخليج. كنتُ في رحلة استجمام في إحدى المدن على الخليج العربي، وحدث أن تصادفَ يومَ عودتي إلى مدينتي عند الصباح بعد الخروج من الفندق، وبمجرد اقترابي من سيارتي، وإذْ بشابٍ يقترب مني بلطف قائلاً: عفواً أستاذ، هل يمكن أن تسدي لي خدمة؟ فأجبته تفضل، ما الموضوع؟ قال: أنا قادم من مدينة بعيدة وقد تعطلت سيارتي، وأشار بيده نحو سيارة بيك أب مركونة على مسافة من مكان وقوفنا. وقد استدعيتُ ميكانيكياً لاصلاحها وتبين أني أحتاجُ لمبلغ ثلاثون ريالاً إضافية لإصلاحها. هل تتكرم وتعطيني إياها؟ نظرت إليه، ووجدت أنه من المعيب ألا أقدم له المعونة. فتحتُ محفظة نقودي ولم تكن تحتوي نقوداً ورقية سوى ورقة بقيمة مئتي ريال. فباشر فوراً بالقول إذا سمحت سأصرفها من السوبرماركت المقابل وأعيد لك الباقي. لم أشعر على الاطلاق بأي احتمال لمفاجأة ممكنة، ببساطة ناولته النقود وتابعتُ فتحَ باب السيارة لتوضيب أغراضي بداخلها، ورحتُ أتابعه ببصري.
عبر الشارع ودخل باب السوبرماركت ذو الواجهة الزجاجية، واستمر ماشياً باتجاه الجانب الآخر منه، وبدا لي واضحاً الباب الآخر للسوبرماركت مطلاً على الشارع الآخر. أدركتُ مباشرة بما سيحصل. حثَّ الخطى مسرعاً وخرجَ من الباب الأخر وانطلقَ جارياً.
أحسستُ بالخيبة، لم أشعر إطلاقاً بخسارة النقود. بل بالعكس، شعرتُ بإهدار قيمة الانسان، وبضحالة وجوده، نعم شعرت بالوجود الضحل للإنسان في هذا العالم.
القرار الذي اتخذته اثر هذه الحادثة، هو التريث ملياً قبل المبادرة للاستجابة للسائل. لم يدم طويلاً قراري هذا قبل تحويله إلى مقاطعة حقيقية لأي سائل لمدة قاربت خمس سنوات. قد يكون مؤلماً اتخاذ قرار كهذا، لكنه لم يكن عشوائي. فقد حدث بعد عودتي لمدينتي بفترة قصيرة، وقبل أن تجفّ أثار الخيبة تلك، تصادفَ أن كنت عائداً من السوق سيراً على الأقدام. وبالقرب من منزلي، وإذ بشخص يصيحُ باتجاهي، فألتفتُ لأرى شاباً ترجّل من سيارته، دون أن يغادرها حيث بدت أسرته معه. فاقتربتُ منه استفسرُ منه عن حاجته. قال لي بلهجة آسيوية: صديق هل من نقود تعطيني، نريد أن نأكل. نحن عائدون من الحج وقد نفذت نقودنا. فتحت محفظتي وقد نسيت فكرة التريّث، لأن الموضوع يتعلق بإطعام أسرة، وناولته مبلغاً يكفي لوجبة واحدة لأسرة. فأمسك بالنقود ونظر إليّ صائحاً: ماهذا؟ كم يكفينا هذا، نحن أسرة. وانطلق.
ربّاه يالتعاستي… مالذي يجري في هذا العالم! رحتُ أصغي إلى نداءٍ خفي بداخلي. توقف … كفى … كان هناك إحساس بالإهانة. لست أدري لماذا انتابني هذا، ربما لأنه رفع صوته. من المؤكد ليس لأنّه لم يشكرني. ومع ذلك قلت في نفسي حسناً. سأتوقف عن ذلك.
نعم مرت سنوات خمس، كنت أتجنب فيها أي سائل يقترب مني بسرعة، قبل أن أقرأ تلك القصة وتدفعني لأعود إلى طبيعتي. تروي القصة أن فارساً مرّ في الصحراء بأعرابي يُبدي حاجة فلما ترجّل واقترب منه ليسأله حاجته، انتهز الأعرابي الفرصة وامتطى حصان الفارس ومضى. فناداه الفارس: ياأعرابي قف واسمعني: أرجوك ألا تحكي القصة أمام أحد كيلا تموت المروءة بين العرب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق