الموقع

كيف لي أن أرقد حينما يتكلم الأثاث ؟

بقلم: أورهان باموق

ترجمة: صالح الرزوق

في بعض الليالي حينما أنهض من الفراش ، لا أستطيع أن أستوعب لماذا يبدو الموكيت على الأرض بهذا الشكل. لكل مربع عدد غير محدود من الخطوط. لماذا ؟. وكل مربع يختلف بالشكل عن غيره. ولاحقا ، أكون بنفس الحالة أمام أنبوب دخان الموقد. يبدو لي كأنه يئن من الضغط ، لو شئت القول ، كم أشعر بالضجر له. أرغب لو أكون الموقد لقليل من الوقت ، و ليس أنبوب الدخان…

و المصباح غريب الهيئة أيضا. لو أنك ترى حبابة المصباح تستطيع أن تتخيل الضوء و هو يشع من كوعه المصنوع من الزنك و من تحت غطائه الحريري. و كما ترى ، بهذه الطريقة تشع وجوه الأشخاص – شيء من هذا النوع. و أعلم أن هذا يحصل معك أيضا : و هكذا ، على سبيل المثال ، لو هناك حبابة مصباح تحترق في جمجمتي ، في مكان ما بأعماقها ، بين العينين والفم ، سيكون الإبهار الناجم من الثغور بمنتهى الجمال. أنت قادر على مثل هذه الأفكار كذلك. الضوء ينهمر من وجناتنا وجباهنا : و لا سيما في المساء عندما ينقطع التيار الكهربائي …

ولكن لن تعترف بمثل هذه الأفكار الطارئة.

وأنا أيضا. لا أخبر أحدا بها.

وإن تلك الزجاجات الفارغة المهملة أمام الباب لا تعود ملكيتها للعالم و لا لغيره. الأبواب ، على أية حال ، لا تكون مسدودة و لا مفتوحة على مصراعيها و هذا يترك مجالا للأمل. و طوال الليل ، حتى الفجر ، إن الأشكال الحلزونية في غطاء الكنبات لا تكف عن الضجيج ، و تقول : ” نحن نبرم و ندور و لا أحد ينتبه “.

و في مكان بالجوار ، تحت الأقدام بمقدار ثلاث بوصات أو حتى داخل السقف ، تجد يرقات صغيرة تقرض الحديد و الإسمنت ، مثل الدودة القارضة.

و إن المقص على المنضدة يباشر بالعمل فجأة ، و يعكف على قطعة طالت الحاجة إليها و الرغبة فيها ، ثم إنه يهاجم أي شيء أمامه ، و لكن هذه الدراما الدموية لا تستمر ما يزيد على خمس عشرة دقيقة.

و إن الهاتف يخابر هاتفا آخر ، و لذلك هو يسقط في غياهب الصمت.

أنا لا أخبر أحدا بهذه الهواجس ، و قد مرت أوقات عصيبة ، انتابني فيها القلق لأنني لا أستطيع أن أشارك أحدا هذه الخيالات فوق الواقعية ، لا أحد يتكلم عن أشياء من هذا النوع. و ربما كنت أنا وحدي من يراها. و إن الإحساس المتواصل بالمسؤولية ما هو إلا حمل ثقيل. و يخطر للمرء أن يسأل لماذا لا يرفع الستار عن هذه الأسرار العميقة في الحياة إلا أمام صاحبها ذاته.

لماذا إن منفضة السجائر تلك لا تخبرني إلا عن الحزن و الهزيمة ؟. و لماذا أنا المقر و المعترف بهذه الموضوعات أغلق عليها الأبواب المصنوعة من بؤسها الخاص ؟. و لماذا أنا الوحيد الذي يعتقد أنه بفتح الثلاجة سوف أتصل بعالم كنت أعرفه من عشرين عاما مضت ؟. و لماذا يجب أن أصغي وحدي لأصوات طيور البحر ، و لتلك المخلوقات الصغيرة التي تتحرك في أساس الجدران ، بعد ساعة معينة ؟.

هل أمعنت النظر بالخيوط في نهاية السجادة ؟. أو لتلك الإٌشارات الدفينة في التصميم ؟.

حينما يتلألأ العالم بعدد لا يحصى من الإشارات و الغرائب ، كيف بمقدورنا أن نغمض أجفاننا و ننام ؟.

ها أنا أحاول أن أهدئ نفسي و أخبر الناس أن أحدا لا يهتم بهذه الإشارات البسيطة.

و بعد فترة قصيرة ، عندما أغط بالنوم ، سوف أصبح جزءا من هذه القصة.

– من كتابه ألوان أخرى و هو يتألف من سلسلة من المقالات عن نشأته و مدينته إسطنبول و الظروف المحيطة بكتابة أعماله الأساسية بالإضافة إلى محاضرته يوم استلام جائزة نوبل و قصة قصيرة واحدة.

المصدر :

When The Furniture is Talking, How Can I Sleep. Other Colours , by : Orhan Pamuk. translated from Turkish by : Maureen Freely .Faber and Faber. 2008. P.p. 26 – 27 .

الترجمة 2010

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق