ثقافة المقال

قلنسوة

فؤاد عبد النور

الله يِخرب بيتك يا نوري السعيد!
كتبت في موضوع ” قاقون ” عن الجولة التي قمنا بها مع الأستاذ كنعان سلامة إلى ” برج العطعوط وبيارة الحاج نمر النابلسي “، ورجعنا إلى قلنسوة بلدة كنعان، وتوجهنا إلى بيت الحاج مفلح مثاني – عمره 88 سنة – ووجدناه في بيت ابنه. ورغم تقدمه الكبير في السن، ومعاناته من العجز عن الوقوف على قدميه، إلا أن ذاكرته بقيت حيّة، والحديث عن قلنسوة يُمتعه، خاصة وأن عمله السابق كان مع التلاميذ والأساتذة كآذنٍ في المدارس، وقيل عنه أنه قد قرأ كتباً في حياته أكثر بكثير من الأساتذة أوالطلاب الذين كان يخدمهم. وأعجبني أن يتحدث عن أوضاع قلنسوة أيام كان الجيش العراقي يحميها. قال:
” كان الجيش العراقي يمنع أهالي فرعون وأرتاح ( في الضفة الغربية ) من فلاحة أراضيهم الممتدة إلى الغرب، بسبب وقوعها في المنطقة المخصصة للدولة العبرية بقرار التقسيم!! فهم الناس من ذلك أن الجيوش العربية لم تقدم لمساعدة الفلسطينيين على دحر الصهاينة، ولكنها قدمت لتنفيذ قرار التقسيم، بكل بساطة! استلمنا الجيش الأردني بعد انسحاب العراقيين، وبعد أحد عشر يومٍ سلًمنا الجيش الأردني إلى اليهود. مكث المختار فارس الناطور أحد عشر يوما بعد هذا التسليم، فقع ومات. حل ابنه مكانه في المخترة.
” كان التهريب لإسرائيل قوي كتير. ما كان ممكن تنقطع العلاقة مع قرايبنا في الضفة بسرعة. كنا بحاجة لكل شي. سكر.. طحين .. قهوة.. زجاج للقناديل اللي تِضوي على الكاز. . للثياب العربية.. كان الواحد منا يتسلل لجلب كيس طحين، وزنه 50 كيلو، ويحمله من ارتاح أو من طولكرم على ظهره لقلنسوة، مسافة أكثر من ثلاثة كيلومترات تقريباً.. يشتريه بعشر ليرات إسرائيلية ويبيعه بثلاث اضعاف. ولما أخذت الأشياء تتوفر في إسرائيل، ضعف التهريب نفسه. ” فسألت:- لهذي الدرجة كانت الأمور صعبة عليكم، حتى تحتاجوا تهربوا الطحين؟ فعاد إلى حديثه:
” الأحوال عند اليهود كانت عاطلة كثير. أخذت الأولاد عند الطبيب في الخضيرة القريبة، وكان لا بد لذلك من تصريح، ولما رجعنا لقيت عند محطة الباصات امرأة تبكي وهي مستندة على عامود الإنارة قرب المحطة. لباسها محتشم، وهيأتها حسنة، وبتقدر تقول كانت حلوة. أشفقت عليها، واقتربت منها، توقعت تكون بحاجة لشي، حدا سرقها، أو هيك. رطنت معها بالعبرية اللي بعرفها، جاوبتني بالعربية. فهمت من تيابي إني عربي، وتبين إنها من يهود العراق. لعنت إسرائيل، واليوم اللي أجت فيه لإسرائيل. جفلت منها، خفت تكون بدها تجر لساني أحكي شي ضد إسرائيل. قلت لها: “لازم تكوني فرحانة.. صار إلكم دولة وحكومة! قامت جاوبت: يلعن هيك وهيك حكومة! شو هالحكومة وأنا ميتة من الجوع؟ الله يخرب بيتك يا نوري السعيد! وإنت يا بن غليون! الأول بياع، والثاني شرّأ ! وبعدين فاجأتني بالسؤال: إنت من فين ؟ قلتلها أنا من قلنسوة. صرخت.. خذني لقنسوة! أروح معاك.. تجوزني وخلّصني من العيشة! ما عرفت شو أجاوبها. أبوي إمام مسجد قلنسوة. كيف أجيب له يهودية لقلنسوة؟ ثم أنا قاطع عهد لبنت عمي.. مستحيل أجيب لها ضرة.. تركتها ومشيت”

يابا العادة.. العادة يابا!
تفتخر قلنسوة، الجيل القديم على الأقل، بالشيخ محمود التكروري، صاحب الكرامات- حياً أو ميتاً – ويذكر عنه العم مفلح بعض القصص، والتي يؤيدها بالطبع العديد من أهالي قلنسوة:
” شوف يا سيدي، أخفت أيام الثورة مجموعة من الثوار أسلحتهم، منهم الحسن أبو نعيم وماهر أبو محمود من قلنسوة، كانوا مْخبّـينها على شجرة معينة في بيارة الحاج نمر النابلسي بالقرب من قلنسوة، أُو راح كل واحد على بيته في الليل. صبّحوا في الصباح حتى يسترجعوا الأسلحة لقوها غير موجودة. اختلفوا. صار كل واحد يتهم الثاني. الكل أنكر إنه إله علاقة. اتفقوا يروحوا عند الشيخ محمود التكروري يعرضوا عليه مشكلتهم. رفض الشيخ محمود يتدخل، خاف يتمشكل معهم، ثوار ومسلحين. أصروا عليه يُحكم، وتعهدوا كلهم إنهم سيقبلوا حكمه، ويمشوا عليه.
” كنت وقتها أفلح في مقتاة ( المقتاة في المفهوم العامي الفلسطيني قطعة أرض مزروعة خضرة مثل خيار وغيره ) قريبة، سمعت بالقصة ورُحت أسمع. قال للجماعة اقعدوا قدامي. قالهم شوفوا يا شباب. راح أعمل بشعة ( مقلاة معدنية) واحميها على النار قدامكم حتى تحمر للآخر. ألحسها قدامكم. البرئ بلحسها وما بصير له شي. السارق لسانه بدوب، أُو بموت! بالفعل حمى نار حامية. حط المحماص إللي كله حديد قدامهم على النار حتى صار كله أحمر. قالهم شوفوا.. أنا بلحسه قدامكم. لحسه فعلا قدامنا. اختفى وجهه وراء البخار الطالع من ثُمه. شمينا ريحة لحم مشوي. زاح البشعة. فرجانا لسانه ما فيه شي. ذهلوا. اشفق عليهم. قالهم إتركوا المسألة لبكرة.. تعالوا بكرة مثل هالوقت. قبلوا بسرور. ما رجع حدا منهم بكره. ولكن الأسلحة رجعت مكانها، وانتهت المسألة بسلام!”
وسمعت قصةً أخرى عنه أكثر غرابة، مثل القصص التي نسمعها عن فقراء الهند والذين يمارسون الأرواحية، الذين يسيرون على النار، ويقومون بأعمالٍ خارقةٍ للطبيعة. إليكم القصة الثانية التي تُروى عنه:- أخذوا الشيخ محمود للحرب أيام تركيا. بعتوه لليمن. كان الشيخ مُرسل لحيته. بعد مرور ست أشهر على وجوده هناك، قال له الضابط المسؤول لازم تقص لحيتك يا شيخ. نرفعك لرتبة ضابط. رفض. قال له الضابط: بتقصها والا أبهدلك قدام الجنود؟ وأكد لي العم مفلح أنه قد سمعها شخصياً من زميل الشيخ الذي كان معه في السفر بللك. كان قبله بعشر سنين. جاب القومندان الحلاق، ونهر الشيخ محمود وقال له: بدك تعصى دولةعليا؟ قال له ولا بد؟ قال نعم. كانوا قريبين من الفرن إللي بِخبزوا فيه للجيش. قام الشيخ محمود ودخل الفرن، والفرن مشتعلة فيه النار. إنجن القومندان. أخذ يصرخ: إطلع سيدي الشيخ.. إطلع. خلاص ما حدا بحاكيك. خليك بلحيتك. ما حدا بطلب منك شي من يوم وطالع! بعد ما طلع الشيخ من الفرن أخذ القومندان يقبله ويعتذر له. وأعطاه فرمان إعفا من الجيش، وسمح له بالرجوع لقريته. بعد ما رجع سألناه عنها، قال كذب. وقال ما تصدقوهم!”
المهم أنه لا يكفي أن تكون صاحب أعمال في حياتك، ولكن يجب أن تبقى كراماتك بعد مماتك. ويحلف الشيخ مفلح أنه قد شاهد هذه الحادثة بنفسه:
” لما مات الشيخ محمود أجا أربع شباب يحملوا النعش من البيت. لصق النعش بالأرض! من الجملة اندفع محمد الناطور، كان كبير ضخم الجثة، طويل، ولكنه تراجع وهو يزفر من الفشل. ثم هجم على النعش الأربعة واستطاعوا يرفعوه وهم يتصببوا عرق. وأخذ واحد منهم يتمسخر: شو ما بدك ترَوّح؟ وشاركه التانيين بالنكات والهزؤ. عنده بنت عزبا على اسم زوجة خالد ابني – صفية اسمها. حِمقت من سخريتهم، قامت وحملت المحجانة وضربت النعش وصرخت: يابا العادة.. العادة يابا. صار النهش يهتز. مرة للشمال، ومرة لليمين. صار صعب السيطرة عليه. بان عليهم التعب. ما قدر حدا يقرّب يحمل عنهم. ولما وصلوا لدار الناطور، كانت هناك ستة دونمات مزروعة صبر، زادت حركة النعش، وصار النعش يدفع فيهم للصبر بدو يرميهم فيه. صار العرق يتصبب من جبينهم مثل حب المطر. يشدوا بكل قوتهم حتي يمنعوا توجه النعش من الرواح للصبر، والابتعاد عن سير الجنازة. وإذا بشيخ لابس أبيض في أبيض، ظهر هيك في الهواء، أُو بحمل محجانة في إيده، ضرب النعش بالمحجانة، وصرخ: إلى مكانك يا شيخ!. إذا بالنعش يهدأ، واستطاعوا تكملة المسيرة للمقبرة.”
لم يُدفن الشيخ في مقبرة القرية العامة، ولكن في قبر خاص كبير وقريب منها، وقرب شارع القرية العام. لما أراد المجلس المحلي توسيع الطريق، اقتربت الجرافة من القبر وحاولت قلعه. تعطلت، وتكرر تعطلها مع كل محاولة. تُرك القبر لحاله، واضطرت الطريق إلى الانحناء احتراماً له.
قلنسوة قرية تاريخية غنية بالآثار، قد تكون من أغنى القرى العربية كلها. القرية مبنية على طبقات سُكنت قبلها، مثل قرية يمة القريبة، وغيرها من القرى أو الخرب الأثرية. ولكنها تختلف عن غيرها في أن آثارها لا تزال بارزة فوق الأرض، مثل القلعة الصليبية، والكنيسة القديمة. جزء من الكنيسة لا يزال قائما، وزيد عليه بناء المسجد القديم منذ مئة وثلاثين سنة. توجد تحت الجامع عقودٌ لا تزال في حالةٍ جيدة. وبئرٌ ارتوازيّ صالح. وأخذني كنعان إلى سردابٍ تاريخيّ مغلق في الحارة القديمة. والقرية القديمة كلها تُعتبر منطقة أثرية امتلكتها الدولة، ولكن سلطة الآثار لا تبدو أنها مهتمة بها، أو لم يأت دورها بعد، أولاً لكونها داخل منطقةٍ سكنيةٍ محيطةٍ بها، وثانياً بالتأكيد لأن لا علاقة لها بالتاريخ اليهودي.
ومن الجدير بالملاحظة أن قلنسوة باجمعها قائمة على أرضٍ تبدو منخفضة قليلاً من بعيد، ولكن المنحفض في الحقيقة هو أراضيها الخصبة. وحصل أكثر من مرة أن هطلت أمطارٌ غزيرةٌ، وغطت السهل كله، ما عدا محيط القرية نفسه بقي جافاً، لم يغرق تحت الماء.
يمر نهر الإسكندر العريض نوعاً ما في وسط القرية. لا يعلم أحدٌ من أين أتى الإسم ” الإسكندر “. ونفس الأمر ينطبق على أم الفحم إلى الشمال، فلديها ” جبل الإسكندر ومقام الإسكندر” على قمته.
لم تخسر قلنسوة الكثير من أراضيها، بالعكس اضافت إليها عن طريق الشراء. نشط أهلها في الزراعة، خاصة التوت الأرضي والزهور، وتميزوا بتصدير زهر القرنفل. وكانت معظم الأراضي مزروعةً سابقا بالعنب، ويحيط بكل حقل عنبٍ سياجٌ كثيفٌ من شجر الصبر المثمر. مرضت كروم العنب، فقلعت الجرافات العنب والصبر، وكان ذلك في مصلحة القرية، إذ تنوعت المحاصيل بعد ذلك، وأخذ المزارعون النشطون يُلبّون حاجات السوق المختلفة، وابتكروا وسيلة بسيطة للتنقل فيما بين القرية والحقول بأن أضافوا للجرارات الزراعية عربة مجرورة ثبتوا فيها مقعدان متقابلان، خدما كوسيلة مقبولة للمواصلات الداخلية، تلبي حاجات المجتمع فعلاً.
توجد في قلنسوة بئرٌ تاريخية بناها قلاوون- السلطان المملوكي – في سنة 737 ه. وبنى إلى جانبها سبيلاً للمسافرين والقوافل المارة إلى الشمال أو الجنوب، وثبّت شاهدٌ تاريخيٌّ على البئر، مدقوقٌ من الحجر الأبيض. وسمع بهذا الحجر تجار الآثار، ومدراء المتاحف، فحُرِّض زعيمٌ بارزٌ في قرية الطيرة المجاورة، متعاونٌ مع السلطة بشكلٍ بارزٍ وواضحٍ، وأرسل الزعيم شابين إلى قلنسوة في الليل، معهم عدة، وقلعوا الشاهد بالمطرقة والإزميل، وانطلقا به، لولا أن شابٌ من قلنسوة شاهدهما، وعرفهما، فأخبر المجلس بما تم.” كان سكرتير المجلس زلمة، قد حاله. خبّر الرئيس، وحمل الهاتف واتصل بالمسؤول عن هذين الشابين السارقين، وقال له” يا هذا.. أُحذرك أنه إذا لم يرجع الشاهد خلال ساعتين إلى مكانه ستجد جميع أهالي قلنسوة في بيتك هذه الليلة!”
رجع الحجر قبل أن تنتهي الساعتان. ولئلا تتكرر محاولات السرقة ثُبت الحجر على واجهة جامع قلنسوة الجديد. وذهبنا إلى هناك، والتقطنا عدة صورٍ للجامع والشاهد، وهذا نص الكتابة:
” بسم الله الرحمن الرحيم ولتجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون أمر بإنشاء هذا الحوض المبارك السعيد في أيام مولانا السلطان عبد الناصر الفقير إلى الله تعالى المعز الأشرف السيفي عون الأمة كهف الملة ضوء الدولة قوصور الناصري السافي أعز الله أنصاره وختم بالصالحات أعماله ابتغاءً لوجه الله تعالى للسيد البار خلق الله تعالى والوقف عليه القطعة الأرض غربي الحوض في العشر الأخير من ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبعمئة والله الموفق.”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق