قراءات ودراسات

الهندي جيت ثايل: الكتابة كمزاج ومساحة للتأمل

د. عثمان بوطسان*

يعد جيت ثايل، الشاعر، الموسيقي والروائي، أحد أبرز الكتّاب الهنود المعاصرين، خاصة الذين يكتبون بالانجليزية. يشتهر ثايل باعتباره روائيا أكثر من كونه شاعرا، بلغة إنجليزية تشبعَ بها في بلاده، جعلته مختلفا ومميزا عن باقي الأدباء والشعراء الهنود. بمعنى آخر، إذا كان ما يميز الكاتب هو الأسلوب واللغة وطريقة السرد التي ينهجها في خلق عوالم رواياته الممكنة وغير الممكنة، فثايل جعل من اللغة مزاجا كالمزاج الذي تصنعه المخدرات، لدرجة أن القارئ الملم بالأدب الإنجليزي والهندي، سيدخل في حيرة كبيرة ويشعر أحيانا أن ثايل ليس كاتبا إنجليزيا أو هنديا، بل كاتب يختلف عنهم تماما. لكتاباته الروائية ولشعره مزاج آخر، يختلط فيه الواقعي بدخان السجائر وبياض المخدرات وتختلط فيه الحقيقة بسراب السريالية. ولعل هذا ما يجعل القصائد التي يكتبها مختلفة من حيث البنية والتخيل. وجدير بالذكر أن روايته “ناركوبوليس” وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة (المان بوكر)، وهو أكبر إنجاز له على الصعيد الروائي، كما أنه حصل على جائزة “دي. أس. سي” لشمال آسيا التي تُمنح خلال مهرجان “جيبور” الأدبي.
يتشابه الروائي الهندي جيت ثايل مع ’’دومينيك أوليس’’، بطل روايته الجديدة “Low”. كلاهما كاتبان، ولديهما خبرة طويلة في إدمان المخدرات، وهما حاملان لفيروس التهاب الكبد الوبائي سي. ويشترك المؤلف مع شخصيته أيضًا في مأساة فقدان زوجة شابة. في رواية “Low”، تنتحر ’’ آكي’’ زوجة دومينيك بعد أن تركت حلمها في النشر، وتحقق رغبتها في الموت من خلال تعليق نفسها في شقتها في نيودلهي، قبل أن يعود الزوج ليجد زوجته الشابة جثة باردة معلقة تفوح منها رائحة حزن شديد. هي رواية هندية ملونة وممتعة بشكل مدهش. حيث تدور القصة حول دومينيك الحزين، الذي يحمل رماد زوجته في جرة بيضاء، ويطير في رحلة إلى مدينته (مسقط رأسه) مومباي. وسيسعى بطل الرواية من خلال هذه الرحلة، أداء الطقوس الهندوسية لغمر رماد حبيبته في المياه النقية والمتدفقة، والتي لم يتم العثور على أي منها في دلهي. ولكن القارئ سيلاحظ أن الوجهة الحقيقية للبطل هي النسيان، من خلال الابتعاد عن كل الأمكنة التي تذكره بزوجته. بعد وصوله إلى مومباي، سيصطدم بمدمني المخدرات، والراقصين، والسياسيين، وينتهي به الأمر في السقوط في فخ المخدرات. كلما ارتفع تعاطيه للكوكايين، ينعكس عليه بشكل سلبي ويتذكر بشكل خافت كل شيء عن آكي. يحاول الكاتب تسليط الضوء على الدور الذي يلعبه الأشخاص من حول بطل الرواية في مساعدته على معالجة الحزن الذي يسكنه، كما لو كان مريضًا بشكل دائم. وهنا يُطرح السؤال: هل الحزن دائما سبب مقنع لتعاطي المخدرات القوية والقاتلة؟ سيتألم دومينيك ويغرق في الحزن والشعور بالذنب، سيدفعه هذا الواقع المر الى تناول المزيد من الكوكايين والهيروين وحبوب النوم والأفيون وكمية كبيرة من الكحول.


قد يلاحظ القارئ أن حبكة الرواية هشة إلى حد ما، فاهتمام دومينيك بموازنة أعلى مستوياته وقاعه، والوجوه العلوية والسفلية، والخميرة والمسحوق يولد نوعه الخاص من الديناميكية السردية. من حين لآخر، يتوقف بطل الرواية للتأمل في كل هذه العناصر، وهنا يدخل القارئ في متاهات لا مدخل ولا مخرج لها. متاهات لا يمكن الدخول اليها الا عن طريق الهلوسة. في نهاية الأسبوع، وفي سلسلة من جولات سيارات الأجرة والحانات الخافتة وأجنحة الفندق، يشرك دومينيك زوجته المتوفاة في حواراته المهلوسة. ينظر الى روحها المجردة، يتأمل رمادها حول مومباي، يتذكر ذكرياتهما كزوجين في نيويورك ودلهي، راسمًا آكي كشخصية محزنة ومشبعة بالدم. يتذكر أنه أخبر آكي في بداية علاقتهما: “منذ أن كنت صغيرًا، أردت الموت”. على الرغم من أن القارئ سيكتشف احساسه “بالفشل المدقع كزوج ورجل”، إلا أن الرواية لا تنجح أبدًا في التحقيق بشكل مقنع في طبيعة هذا الفشل، ولا القلق الذي “كان يتدفق دائمًا في مخيلة دومينيك، ولا العاصفة المستمرة للكحول والمخدرات التي حاول طمسها “.
فرواية ’’Low’’ لا تظهر كدراسة دقيقة للحزن والانتحار، وإنما كسلسلة مخدرة من خلال التحريضات السطحية، مثل تأثير الصدمات التي تجعل من قراءتها أكثر متعة. بالرغم من هشاشة الحبكة، إلا أن رواية ’’ Low’’، تعكس لنا واقعا مأساويا يتكرر باستمرار في الهند. تتداخل مجموعة من العناصر فيما بينها كمسألة الدنيوية، والالتفاف الأناني للوقت حول انحناءات الخسارة لتقرب القارئ من عالم الشخصية الداخلي الغارق في الهلوسة. بمعنى أنه كان يجب على دومينيك، بغض النظر عن شعوره بالذنب أو الخسارة، أن يستجيب لحتمية “ما بعد الموت”، عوض الدخول في سلسلة من الأسئلة، بحيث غالبًا ما كان ينتهي به الأمر قائلاً “لماذا لا “، دون التفكير قي الأمر مرتين. لذا، ينتقل بطل الرواية من حالة إلى أخرى، “السقوط من عالم إلى آخر” مسلما نفسه لظلام الحزن من دون مقاومة.


هي أيضا رواية رمزية بامتياز. لم يركز الكاتب كثيرا على الحبكة بقدر ما ركز على سيكولوجية شخصية مدمرة في مدينة متناقضة. مومباي ليست أي مدينة، بل المكان الأكثر صخبا في الهند إم لم نقل في العالم. مدينة كانت ولا تزال مركزا لكل الفوارق السياسية والاجتماعية والاقتصادية. مدينة البأس والفقر، حيث شبح الموت يخيم في كل مكان. المدينة الأكثر حضورا في المشهد الأدبي الآسيوي والعالمي، حيث تباع كل أصناف المخدرات والبشر ويطلق عليها أحيانا بالمدينة المدمنة نظرا لكثرة المدمنين على المخدرات القوية والكحول. فوجود شخصية هشة وفاقدة للأمل كدومينيك في مدينة كمومباي يدفعنا للتساؤل عن خطة ثايل السردية. اختيار هذه المدينة راجع الى تاريخها ورمزيتها، مدينة طُمِس تاريخها، لذا يحاول كُتَّاب كجيت ثايل وآميت تشودري إحياء شمسها الغائبة.

مومباي، بحسب ثايل ، “تتدهور أمام عينيك” عند النظر اليها. بالنسبة لثايل كانت فكرة المدينة مرتبطة دائمًا بالنقطة الريفية. الثنائية التي عبر عنها “بودلير مقابل وردزورث”. إن المدينة، في تصور ثايل بودلير المستوحى، هي “مكان فيه الحرية وإمكانية إخفاء الهوية”، وهي أرض الحرية التي يتم تقليصها بسرعة من قبل شبح العولمة والتسييس المتزايد للمساحات الحضرية في الهند. يستمتع ثايل برسم المعالم الشهيرة في المدينة – بوابة الهند، وفندق تاج محل بالاس من خلال تنقلات دومينيك. هذه المدينة تشبه أوكار العالم السفلي من خلال تناقضاتها المتعددة. فالرواية تتخذ من مومباي البيئة التي تنحرف فيها الشخصية عن الأمل نحو الألم والضياع. يحاول ثايل تأكيد الرابط القوي الذي يجمعه بهذه المدينة، التي تلهمه وتنفره في نفس الوقت.
ما يميز الرواية هي الطريقة الهزلية التي يتطرق بها الكاتب الى السياسة مصورا مجموعة من المشاهد الهزلية تنتقل بنا من ترامب وتمثال شيفاجي المخطط في مومباي إلى مسرحيات اليوغا التي قام بها رئيس الوزراء ناريندرا مودي. قام ثايل بقلب مهزلة الصورة الأكبر إلى مأساة شخصية. فقد مزج بين المخدرات والسياسة ورماد آكي. بشكل لا يصدق، قام الكاتب بتجنيس هذه الكارثة، بطريقة لا يستطيع إلا ثايل أن يفعلها. على متن القارب، أعلن ثايل أن دومينيك لا يستحق التسامح، حيث كان “تدميره الذاتي مضمونًا”. لأنه شخص يتصرف في الوقت الحالي، ويتأمل لاحقًا. ولهذا كتب ثايل : “كان يواجه الطريق الخطأ. لقد انقلب نحو الماضي”. ولعل من المواضيع المهمة التي تعالجها الرواية، مسألة الزمن أو الصراع مع الزمن. ومعروف أن ثايل يتميز عن باقي الكتاب بفلسفة زمنية خاصة بقوله في أحد الحوارات: ’’ أريد للتاريخ، في القصيدة التي أكتبها أنا، أنْ يتسلَّل إلى ما هو شعري ويبقى خفيّا، وبالتالي فإن التعامل مع التاريخي مقصود بالفعل، لكن لا أشير إلى التاريخ بوصفه جملة وقائع وأحداث. لحظة التاريخ لنقل، إنَّ التاريخي هنا هو نوع من الماضي الذي يلحّ؟ – بالتأكيد، لأنك تستطيع أنْ تعرِّفَ الشعر أو تصفه بأنه لحظة يتكثف فيها الماضي إلى صفحة واحدة أو فقرة من تلك الصفحة، أو حتى جملة منها. أيضا الصورة الشعرية هي صورة سريعة لشيء مضى، وينبغي أن نلاحظ هنا أن الشعر يسمح للشاعر بهذا النوع من الممارسة الابداعية؛ يسمح لك الشعر أن تلعب مع الزمن، بل هو مساحة للعب مع الزمن بمعنى ما.’’ لذا يتعمد ثايل وضع شخصياته في نوع من المواجهة مع الزمن، ويظهر ذلك في هذه الرواية عن طريق الهلوسة التي تقود دومينيك إلى استحضار الماضي من خلال استحضار روح آكي وذكرياتها الأليمة. حتى لو لم يتعلق الأمر هنا بكتابة شعرية، إلا أن شخصية دومينيك تحاول اللعب بالزمن عبر تعاطي المخدرات في سبيل نسيان الحزن والعزلة.


دومينيك نموذج للشخصية الفاشلة، المظلمة وسهلة الانكسار. فالبرغم من أنه سيقرر فجأة أداء الطقوس الأخيرة لآكي. حتى في هذا المنعطف المهم في حياته، فشل في ترجمة أي شيء مقنع أو متماسك. حتى في هذا المنعرج الهام للرحلة، يرفض ثايل ببراعة غمس الشمعة أو تعتيم الأضواء للتهويل. قد تكون هذه الرواية أحد أطرف الكتب التي تتطرق للحزن كموضوع. بطريقة ما، يثبت جيت ثايل كيف أن المرور من خلال الخسارة هو رحلة شخصية، تغمرها رمزية القلق أو عدمه. بطريقة مختلفة وبأسلوب فريد، ترسم لنا الرواية طريقا مختلفا، حيث أن معظم الهنود عادة ما يتم دفعهم من قبل الأقارب والأصدقاء وغيرهم الى ما وقع لدومينيك، على الرغم من أنها مجرد شخصية. وتظهر العزلة، في هذا البلد على الأقل، امتياز لا يستطيع الكثيرون الاستمتاع به أو تحمله. فثايل يترك للقارئ مجالًا للتفكير الهزلي في هذه الأشياء، يترك لنا مساحة كافية للتأمل والحكم على الوضع. لذلك فإن ثايل هو بالتأكيد كاتب يتقن مهارة استدراج القارئ الى هذه المساحة دون الخروج عن سياج الرواية. لا يكتب ثايل من أجل سرد القصص والأحداث، وإنما من أجل التأمل والدفع بالقارئ الى التساؤل والتفكير في أمور غاية في الأهمية…..

*كاتب وباحث مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الهندي جيت ثايل: الكتابة كمزاج ومساحة للتأمل”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق