ثقافة السرد

المثقف

بقلم : الزهرة حمودان

عادة ما كانت تكلمها صديقتها عن ابن خالتها المثقف. في إحدى المرات، قالت لها  بصيغة تجمع بين الإعجاب و الفخر :

ـ  ابن خالتي، دائما يتأبط الكتب. عندما نتزاور، أبدو أمامه كالبلهاء، و كثيرا ما يسخر مني عندما لا أفهم بعض عباراته….

أحاديث من هذا النوع، أثارت فضول المراهقة الحالمة… و زود إيقاع التصاقها بصديقتها.. أدمنت سماع الحديث عنه. حديثها عنه يبهرها. وبالأخص عندما تصف لها جديته، وآرائه السياسية الجريئة، وقدرته العجيبة على النقد، وعلى التقاط أخطاء المجتمع.

في إحدى تلك المرات ، حدثتها صديقتها:

ـ بالأمس زارنا ابن خالتي، عيرنا، أنا و أختي،  بكوننا لا نقرأ كثيرا، و بكوننا “نخاف من ظلنا”

اشتد الفضول بابنة السادسة عشرة ربيعا…باتت ليلتها ، و هي ترسم صورته في خيالها :

ـ لا شك أنه رشيق ، فالمثقف  الذي تؤرقه سلبيات مجتمعه ،لابد أنه يحرق الكثير من الكالوريات ، من شدة التفكير المضني. و لابد أن يكون أنيقا… لأنه  ابن عصره . متمدن و مطلع ….

ثم تتدارك انقيادها وراء الشكل، فتحتمي بشخصية الالتزام و الجدية، و كأنها تفر من حقيقة عمرها الفتي ، فتردد بينها و بين نفسها :

ـ و ماذا إذا لم يكن بهذا الشكل، يكفي أنه مثقف. و مما لا شك فيه ، أن أفكاره ستكون عميقة ، و رصينة…. إنني متأكدة أنه سيعجب بي ، عندما يعلم شدة ولعي بالقراءة .

كان رذاذا ،  من رشاش كلمات صديقتها المهذارة، لا زال يضج في سمعها. تحبل اللحظة  بلؤم اليفاعة  البريء . يتسلل خيالها ، باتجاه خط سيرهما اليومي ، رفقة صديقتها تلك ، من الثانوية الى أن تفرقهما السبل. توشوش لها بنات أفكارها ، بحلم آت لا محالة. تبتسم بمكر أنثوي غريزي . تغمر روحها الصغيرة سكينة خفيفة ، تخرجها من لجج تفكيرها ، لتلقي بها في أحضان نوم هنيء.

* * * * * * *

بعد أيام ، وهي ممددة فوق سريرها ، تداعب جديلتها ، بينما عقلها الصغير ، يسترجع وقائع لقاءاتها هي و صديقتها بقريبها المثقف ، الناسفة لكل توقعاتها. كانت الأحلام الصغيرة قد تهاوت ، و تحول ركامها إلى جثام ، يقلق انشراح صباها.  داهمت شفتيها ابتسامة مرتبكة، حائرة بين الاحتقار و الشفقة ، تفشي سر خيبة أمل مبكرة، جرفت حلمها الجنيني .

بحركة تلقائية …استوت واقفة. ألقت بجديلتها وراء ظهرها. نثرت خطوات قليلة فوق أرضية أ حجرتها.. توجهت نحو النافذة… أخذت نفسا عميقا، ثم عادت بعد ذلك لتسترخي فوق كرسي مكتبها الصغير، و من على الرف الحاني، المقابل لها ، التقطت كتابا، لتبدأ رحلة من نوع آخر.

و  كمن عاد من سفر مضن ، أرهق حلمها . كانت تردد مع نفسها ، و حس الطفولة ، يلقي بظلاله بين كوامنها :

ـ هـه… مثقف لم يحفظ سوى جملة وحيدة لنيتشة هي ” عش في خطر ” ، و كتاب واحد لا يفارقة ، هو كتاب مختصر السيرة الذاتية لنفس الفيلسوف ، للكاتب المصري عبد الرحمن بدوي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق