قراءات ودراسات

جدلية علاقة الحدث بالمعنى في قصة “أنيس وزهرة نيس” للكاتب بشير عمري

قراءة: سارة جقريف*

-1- تمثل علاقة الحدث بالمعنى إحدى ركائز بناء القصة، فليس المعنى شيئا مستقلا عن الحدث يمكن أن نضيفه إليه أو أن نفصله عنه، فالحدث المتكامل هو تصوير الشخصية وهي تعمل عملا له معنى. فلكل حدث معناه الذي يميزه عن غيره من الأحداث. والمعنى ينشأ من الحدث نفسه فهو جزء لا يتجزأ منه. هذه العلاقة  تتجلى في قصة “أنيس وزهرة نيس” للكاتب  بشير عمري.

-2- منذ البداية يضعنا القاص أمام حدث مهم، يتمثل في رحلة البحث عن الهوية على لسان بطله “ألتحق بهم أنا أيضا لأمزق الحجب الأولى وأكتشف معهم من أكون، وأين أكون”، ثم يربط الكاتب رحلة بطله أنيس بالأسوار الأربعة. وإذا افترضنا أن  الجدار هنا، وظف للدلالة على الحدود في ما بين كيانين تنبني العلاقة بينهما على الصراع، الذي يشير إليه الكاتب “الجميع يحفر الحوائط بأسنانه وفأسه” فإن معنى الحدث الأول، المتمثل في التحاق البطل أنيس بالمقبلين على تهشيم الأسوار يزداد وضوحا، ليعبر عن الرغبة في التحرر من حدود المكان المتكون من أربعة أسوار والذي يرمز إلى السجن، الذي يعكس بدوره المعنى من مغامرة أنيس. هذا التكامل بين الأحداث والمعاني، يتيح للكاتب إعادة صهرها ليخلق منها أحداثا ومعاني جديدة في كل مرحلة من مراحل القصة.

-3- تواصل الأحداث خدمة المعنى، عندما يبدأ البطل باستحضار ذاكرة والده وربطها بالزهر والأرض فيقول الكاتب على لسان والد البطل “الناس هجروا الزرع وذهب الوادي بما فيه إلا الزهر الذي انحجب عن الكل” فحدث الانحجاب هذا، يخلق معنى آخر، يرتبط بالحدث الأول متمثلا في بحث البطل عن كينونته، وربطها بالزهر إنما هو ربط بمعني الجمال الروحي، لتخلق لدينا علاقة بين العالم العلوي ممثلا في الجدران والعالم السفلي المرتبط بالأرض. فالقلعة وجدرانها تحمل معاني أشواق الروح الفياضة والمندفعة بقوة نحو السماء، ويظهر هذا في عبارة الكاتب “أنظر في قمتها وأحسد النحل والطيور إذ أرقبها وهي تتخطى الحوائط بأسهل ما يمكن تلكم الجدران، لتنعم بجمال زهرة نيس”. ومن هنا يصبح حدث تهشيم الجدران العازلة للزهور، وتسلق أسوار القلعة إنما هو بحث عن التواصل مع العالم العلوي وتجاوز الانغلاق وتلك الحدود الفاصلة بينه وبين العالم السفلي، والتي تتجلى في استحضار الكاتب للصحراء بما تحمله من رموز الانفتاح والتحرر.

-4- ولتأدية المعنى من الحدث دائما، يختار بشير عمري كلماته بدقة للتعبير عن الحدث،  فعند حديثه عن اكتشاف الصحراء، استعمل كلمة “ريح باردة”، وكلمة باردة هنا، أعطت معنى أقوى لهذا الحدث، الذي جعل الرؤية تتطلب تنبيها وصحوة تحركها برودة الريح. وبالرغم مما تحتويه  القصة من كلمات صحراء، زهور، حدائق، واد وغيرها، غير أن الكاتب استخدم لوصف حال المقبلين على تهشيم الجدران بالجوع “كان الكل جائعا لشيء ما” ولم يقل متعطشا. وفي هذا التوظيف يزداد معنى الإقبال على التهشيم، لارتباطه بالجوع الذي ليس من السهل إشباعه على عكس العطش الذي تكفيه شرفة ماء، وهو المعنى الذي يبقى قائما في القصة، عن طريق استمرار قضية الجوع إلى ما بعد معركة قلعة الرمال التي يصورها القاص.

-5- تتعزز علاقة الحدث بالمعنى في كل مرحلة من مراحل قصة “أنيس وزهرة نيس”، فيأتي حدث الانهيار ليزيدها قوة “الأسوار وهي تتداعى وسط صخب وغضب الجميع حتى سويت مع الأرض”، حدث تهشيم الأسوار وتسويتها مع الأرض، جاء لتوضيح المعنى الأول المرتبط بالبحث عن الكينونة، ليعبر عن تلك العلاقة بين الجدار والإنسان فكلاهما يمر بمراحل عمرية تنتهي بالانهيار والموت. ليكتمل الحدث في نهاية القصة، بانتهاء معركة قلعة الرمال واغتنام الغبار وبقاء الجدران “وأراني من جديد ماكثا وراء جدران أعلى وأعتى من تلك التي هدمناها”، ليكتمل معه معنى الحدود والفواصل.

بشير عمري ربط الأحداث على اختلاف معانيها من بداية القصة حتى نهايتها، لخدمة معنى كاملا، معتمدا على التلاعب بالكلمات للحصول على معاني مضمرة، تتيح أكثر من قراءة للقصة، وتثير الجدل لدى القارئ.

*صحفية وكاتبة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق