ثقافة السرد

الدمعة الأولى.. الدمعة الأخيرة

بقلم مصطفى ملح*

هل هو حالة أم ظاهرة أم حادث أم حدث.. ؟ أم عدم يصيب الوجود أم وجود يصيب العدم..؟ أم كلاهما : تلاحم يتّضح إلى حدّ الغموض، ويلتبس إلى درجة الوضوح..؟
لنقل هو الموت وكفى. الأيدي القروية الغليظة نصبت خيمة خلف شجرة الزيتون الوحيدة. امتلأ المكان بسرع. نواح النسوة يرتفع حتى يكاد يكون انسجاما. نواح يشبه موسيقى مقتولة. ويشبه أيضا صلوات غامضة .
كان ذلك النواح يزداد صخبا كلما كثرعدد النسوة. بالقرب من شجرة الزيتون تلك، يربض الكلب الأحمر ذو العينين البليدتين. هو حتما لا يدري ماذا حدث، ولكن في عينيه ما يشبه الفجيعة .
قبل هذا في الزوال، قالت لأمي: سأموت. اعتبرنا المسألة دعابة، فقد كانت امرأة مضحاكا. ثم وضعت يديها على رأسها وسقطت على الزليج مثل أي شيء بسيط: قطعة صابون، كأس زجاج، حبة رمان، حدث هذا التحول أمامي فالتقطته بحواسي ولازلت لحد الان أحاول استيعابه. الانتقال من الحركة إلى السكون. من الوجود إلى العدم. من الكينونة إلى الانقراض .
حملتها أمي بمساعدة أختي ووضعتاها في الغرفة. كان صدرها يعلو ويهبط بشدة. صوت يشبه خوار الثور..

قلت :أعادت الحركة من جديد أم أنه رقص طائر مذبوح؟
قال عمي :أين فقيه الدوار؟
بعد قليل ارتفع الصوت الحنون بالقرآن. الرحمن علم القرآن
ثم حدث الذي كان مكتوبا. انطفأت الشمس فسال الليل في وادي الأبدية. القناص لم يجد الغزالة فأطلق النار على نفسه. حدث الانقلاب البيولوجي الأخير: ماتت عمتي !
فماذا أسميه إذن؟ حالة أم ظاهرة أم حادثا أم حدثا..؟ أم أقول الموت وكفى .

مرت أعوام ولم أتمكن من زيارة قبرها. أتمنى لو أزورها وأرمي فوقها وردا وعطرا وشعرا. أتمنى لو أعرف كيف تعيش وماذا تأكل وماذا تشرب؟ وهل يعاملها رجال البرزخ جيدا؟ وهل كونت علاقات إنسانية مع جيرانها: أولئك الموتى الذين يسكنون تحت؟ وأحلم لو أعرف هل هناك يمين ويسار؟ وهل هناك حروب ومعاهدات ؟!
الموت مرة أخرى؟
لو يتركني الموت أكتب آخر رسائلي. وحتى أقول للعالم كلمتي الأخيرة .
أنا مصطفى المولود يوم الإثنين في بيت مسكون بالدخان. أكثر من مائة فقيه زار بيتنا بحجة إخراج الأشباح. الأول يدعي أنها تسكن المرحاض ولن تخرج حتى يذبح ديك أسود في يوم غائم على عتبة الباب الكبير. يدعي الثاني أنها مخلوقات سديمية تطير في الهواء ولن يحرقها إلا تقديم قربان عظيم لكل مزارات المنطقة. بينما يؤكد الثالث أنها تسكن حظيرة المواشي، وأنها مخيفة ومزاجية ومشاكسة، ويتطلب قتلها سلاحا صارما. قيل :
وما السلاح الصارم ؟
أجاب: الصبر !
فيما أكد الأخير أن الأشباح تولد في المرايا، وقتلها يستدعي تحطيم المرايا .
لكننا حطمنا المرايا ولم نتغلب ولو على دراكيلا واحد..! تأكدت مع مرور الوقت أننا نحن الذين نلد تلك الأشباح! لكنه اكتشاف متأخر، لأن أشياء كثيرة قد تكسرت عن آخرها، وقد فات أوان ترميمها .
أنا مصطفى المولود في صباح مشرق؛ تقول أمي :
حين خرجت إلى الدنيا لم تبكِ كثيرا ..
ولكنني الآن أبكي بملء فمي. أبكي بكل شهواتي. عادة ما أكون ماشيا في الشارع صامتا ساكنا كمقبرة.. كتمثال يمشي على رجلين. ولكن في داخلي كانت تندلع رعود استوائية عنيفة. كنت أبكي. القطط الليلية الشريدة والأشجار المقطوعة في الشوارع وبرودة الاسمنت في الرصيف.. هذه هي الأشياء تسمع صوت براكيني في الوقت الذي أخرج فيه أبو محمد آخر أمراء الأندلس من الحديقة العربية، بكيت عندما لسعني الحب أول مرة ذات خريف، كان ذلك الاصطدام العاطفي الأول بالمرأة. لسعتني نحلة الحب المجنونة فبدأت أجري ملسوعا مثل ثعلب مذعور. بكيت عندما سمعت عبده الحامولي ومنيرة المهدية، كانا يتفقان على تدميري. يسقطان فوقي فأنهار. بكيت عندما اكتشفت أن المرأة التي كتبت لأجلها أربعين قصيدة قد غرقت في الهواء، كان غرقها مفاجئا لأن الهواء كان هوائي، ولكني لم أستطع أن أوقفه حتى تمر تلك المرأة. بكيت أيضا عندما رأيت شعبي يطردني من قبيلتي بتهمة الشعر و مدح الأشجار ورثاء الليل.

وأنت أيها القارىء ما الذي يجمعني بك؟ دم الكناية أم حليب اللغة أم نهار لم يطلع بعد؟ كيف نلتقي في هذه المحطة التي يأوي إليها الموتى والأحياء؟ فالأحياء يسافرون إلى حروبهم نهارا وإلى زوجاتهم ليلا، بينما الموتى يسافرون إلى أكفانهم .
سأقول للموسيقى رفقا. بي وأقول للشرطي رفقا بي. وأقول لله رفقا بي. ثم أكتب القصيدة الأخيرة لأجلك أيها الذي لا يعرفني. أنت تسكن الآن مختفيا بشعر النخيل وفقاعات البحيرات معتقدا أنني لا أراك .
أنا لأجلك ولدت من الصخر والكبريت والدخان.لأجلك أجوب الخريطة جميعها لأجمع الأعشاب المسحورة من جبال الهند والماء المقدس من ثلوج الشمال، ثم أدخل الخليط إلى مختبري الشخصي وأعصره عصرا كيميائيا كي أصنع لأجلكَ المحلول السوسيوشعوري العظيم.. أصنع لأجلك القصيدة كلها، أيها الكائن الذي لا يعرفني !
سأقول للموسيقى رفقا بي. فأنا طفل صغير لم أعانق دمية لم أحتفل بميلاد لم أرقص في عيد. وأقول للشرطي رفقا بي. فأنا كائن بسيط من سلالة الطين .أنا لحمٌ دمٌ لغةٌ. لم أحارب ضد الأشجار. لم أقد انقلابا ضد قطيع الماعز الجبلي .لم أفتح بابي للمغول. ولم أحفر قبرا. ولم أترشح للبرلمان !
وأقول لله رفقا بي. فأنا عبدك المذنب. الخطيئة عجوز شمطاء تجرني جرا قهريا إلى كهفها، ولكنني متأكد أنني سأغلق كهفها يوما. وأنني سأقبّل التراب لأنه أبي. وحين سأموت يصير وطني. وحين أبعث سيكون جدي!!
سأقول لك أنت أيها الغريب: نحن بعيدان لكنني أراك في المرآة بكل تفاصيلك وأنت تُلَوِّحُ لي بذلك المنديل الأبيض الذي يسمى النهار.
وهل تعرف أنك تحمل حضارتك معك ؟ أليس كل جسد حضارة شخصية ؟
عادة ما يحتفل الأركولوجيون بقيمة حجر ما. يقولون إنه يوحي بوجود حضارة عريقة قد انقرضت. يهتمون بالأنقاض والأطلال والأجداث التي لا نطق فيها ولا حركة. ويقيمون الاحتفالات الرسمية لذلك، ويسمون هذا انتصارا للعلم، لكنهم لا يولون أي اهتمام لأم الحضارات: الجسد البشري بكل جغرافياته وأبعاده وتشكلاته. فكرت بهذا وأنا ممدد على سريري. الحمى تقعدني والسعال وصداع الرأس. ألست حضارة بكاملها ؟ هب لو أن الموت سرقني في غفلة من الجيران والحواس و الأصدقاء والحكومة، أليس هذا عيبا؟
هذا الجسد: جسدي الذي يتآكل مثل خشب قديم، وداخله روح كسيحة، من يتحدث عنه؟ أليس أعظم من تمثال بوذا وقبور فرعون وحدائق بابل والبرج المائل؟ من الأفضل: أنا (الإنسان) أم قطعة حجرية منفية في جبل ؟! أليس الجسد ثقافة خالدة: هو مركز استقبال التفاصيل ومرسل الشفرات إلى الآخرين .
وهو “الشيء” الذي تتجلى فيه معجزة الحياة وبراعة الصانع وصيرورات الأعضاء و مطالب الغريزة .
شربت الدواء “سيبرادين” للحركة و”كالسيبرونات” للسكينة و”أبراز” لجلب النوم . ولكن ليس هناك أقراص للأمل وأخرى للشجاعة وثالثة للطموح .
قلت سأسمع صوت خوليو في هذه الليلة. ربما أتمكن من مد الجسور بين برشيد والأندلس في لحظة استثنائية أسرقها من عمر الزمن. وفي أحلام اليقظة رأيت أربعة أشخاص: الأول يقتلني والثاني يغسلني والثالث يدفنني والرابع يرثيني. وفي الأخير أصبحوا جميعا أصدقاء .
إنها أحلام الحمى. ثم رأيت أبا فراس الحمداني في أحد سجون الروم. تقدم نحوي وأمرني بأن أفكه. كانت يداه داميتين وفي عينيه بريق كبرياء. أطلقته من أسره فخرج ومضى ولم يلتفت .
ورأيت الحطيئة أمام الباب مزمجرا، كان يلعن نفسه وأمه والعالم وعمود الشعر. كان غاضبا مثل رعدة مفاجئة أو طعنة باردة تأتي من صديق، ومخيفا كان مثل حريق حدث في منتصف الليل، ومتدمرا كان مثل سحابة متشائمة. قال :
لماذا أنت هنا؟
حاولت أن أبكي لكنه أسكتني بإيماءة من يده الآمرة وقال :
ستبقى هنا حتى أعود.. سأتسلق الهواء قليلا..
ثم خرج قاصدا قصر الخليفة. انتظرته فلم يعد. مرت قرون ولم يعد. هل يعود يوما؟ إلى أين تأخذني يا خوليو؟
ألا تعرف أن أشجار الأندلس صارت جثثا وأن الأبيض المتوسط صار لها كفنا؟ فعلا لقد عبر يوما “طارق” هذا الماء بالزوارق الخشبية والعواطف العربية وتسلق الصخرة ونشر فوقها صهيلا قبليا جبارا يمتد من الصخرة ذاتها إلى آخر خيمة في الشام، لكنه أخيرا اصطدم بالحائط الكوني المتين: قيل له
– قف !
فتوقف. ثم انطلقت المأدبة الفجائعية الكبرى. أقبل طائر أسود وانتزع منه أنفاسه انتزاعا، وترك جسمه يتحلل ويعود إلى عناصره الأولى .
لا تتعجل.. سوف أشعل لأجلك شمعة في ليل الكناية. فالطائر الأسود هو الموت. وإني أسميه رحمة بك وخوفا عليك، أيها القارىء، من غموض المجاز. أعرف جيدا أنك ظُلمت كثيرا. كانت تنزل على رأسك رماح الكنايات الملتبسة نزولا. كنت تسمع وترى ولا تستطيع الكلام. كان جسمك ينزف وروحك تعوي، لأن المجاز الذي يفترض فيه أن يحميك هو من اغتالك !
– إلى أين تأخذني يا خوليو؟
هكذا كنت أتساءل وأنا في غرفتي بين الحياة والموت. كان صوته يحملني ببطء كأنه يداعبني، ثم يحركني بقسوة، وعندما أصرخ متألما يضعني برفق ولما أتنفس الصعداء يعيد حملي بالقسوة نفسها. وأحيانا بقسوة مضاعفة. كان صراخي شاسعا واسعا، ومخنوقا محروقا. ولأنه كذلك فقد كانت تستيقظ داخلي أسئلة قلقة كثيرة :
لماذا أنا هنا؟
متى ألتقي بنفسي لأتبين هل تشبهني حقا؟
من اغتالني من قبل أن أولد؟
هل يمكنك أن تكون عربيا بلا نخلة ولا طلل ولا عيون ليلى؟
وكم دمعة سيدرف عازف الفلامينكو الحزين؟
ومن يحفر قبري إذا مت، ومن يخيط لي كفنا؟

*عضو اتحاد كتاب المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق