ثقافة السرد

الجزء 22 من رواية المأساة الفلسطينية (حرمتان ومحرم)

للروائي صبحي فحماوي

  مداعبة!

يعود أبو مهيوب متأخراً من العمل كعادته، فيلتقي ماجدة المخنوقة من الحر في غرفة الجلوس تقرأ مجلة نسائية بقميص نوم شفاف قصير زهري، وهي تضع ساقاً فوق ساق، مما يظهر مفاتن كثيرة من فخذيها الممتلئين إغراءً!
“السلام عليكم”. يقول الرجل . فترد ماجدة عليه السلام وهي على هذا الحال، فلا ترتبك، بل ترفع ساقاً وتفتحها ثم تنزلها إلى جوار الساق الأخرى، فتظهر مزيداً من الاغراءات الأنثوية، ثم تقوم بهدوء، وتدخل خدرها، فتلبس عباءتها فوق القميص، وتعود وهي ما تزال تلبس متجاهلة المشهد السابق، ثم تبادر الرجل بسؤالها:
” أين كنت حتى هذا الوقت؟ لقد خفنا عليك!” فيجيب مرتبكاً وهو ينظر إلى الأرض:
“أين سأكون في غير طرقات البحث عن لقمة العيش!” تحزم ماجدة حزام العباءة القماشي وهي تقول له:
” في الحقيقة نحن نخاف القعود وحدنا.”.. تقول هذا ثم تعاتبه بدلال أنثوي قائلة : “وأهلنا يعتقدون أننا حرمتان، ومعنا محرم، ولكننا قاعدتان حرمتان بلا محرم! وأنت يا أبو مهيوب دائر على حل شعرك!” فيعتذر الرجل ويعود ينظر إليها وقد احتشمت أمامه:
“أنا عائد من العمل يا بنت الناس! قولي لي: الله يعطيك العافية، بدل قولك كسائر النساء؛ أين كنت حتى هذا الوقت؟ وأين سأكون يا ترى؟ حياة كلها تعب في تعب! “
تظهر تغريد على صوتهما، فتقعد الصبيتان معه، بينما يكمل الرجل حديثه بثقة :
“أنا لا أفهم معنى للحياة سوى العمل. (إنما أصل الفتى ما قد فعل)!” فتجيبه ماجدة بقسوة:
“اسمع، بلا ما قد فعل، ولا ما قد حصل! نحن مخنوقتان في هذه العيشة المُرّة، ونريد حلاً!” فيدهش أبو مهيوب مما يسمع ويقول: “ما هو الحل؟ ماذا تريدانني أن أفعل لتهدئة خاطريكما؟” فتقول له ماجدة:
” طلبنا سهل وبسيط.” وكانت الصبيتان قد قتلتا الأمر بحثاً واتفقتا قبل دخوله عليهما.
” هاتي، تفضلي يا ست الحسن والدلال!” فتقول ماجدة:
” نقترح عليك شراء سيارة، وأن تدفع أنت نصف ثمنها، ونحن ندفع النصف الآخر، (وللذكر مثل حظ الأنثيين) وتقودها لتنفيذ أعمالك، وتوصلنا من وإلى المدرسة، خاصة بعد رحيلنا إلى شقة أوسع وأنظف وأبهى وأبعد عن هذا الحي الشعبي الملاصق للمدرسة.” فيمازحها أبو مهيوب ساخراً :
“والله صرتِ برجوازية يا بنت أبو جهاد الله يرحمه !”
تفهم ماجدة قصد محرمها، فترد عليه بحزم هذه المرّة:
” احترم نفسك يا أبو مهيوب، فأنت تعرف أن أبي – تحت الاحتلال- خلق صناعة ومهنة محترمة، وعض على الحديد بأسنانه ليقاوم العدم!” لم لم تتمالك نفسها لتكمل قولها بل تجهش بالبكاء. وتنفعل تغريد، فتبكي مع صديقة عمرها، مما يسقط في يد أبو مهيوب، الذي يعتذر لهما:
” أنا آسف، لم أقصد سوى المداعبة، وأنتما تعرفان أننا في الهمِّ شرق! اللعنة على هذه الحياة المرهقة، حتى لو مزحنا لإضفاء النكتة والهزل، فإن مزاحنا ينقلب إلى نكد . يبدو أن الإنسان الفلسطيني مكتوب عليه النكد والزعل ومرارة العيش، مهما كان وضعه الاجتماعي، ومهما تحسن دخله! (اسمعن يا بنات): أنا موافق على طلبكما، سأشتري سيارة مستعملة، وأنا في الحقيقة أسوق السيارات، ولكن ليس معي رخصة قيادة، وسأتقدم لها، وأحصل عليها إن شاء الله بأسرع وقت ممكن، وسأحقق لكما هذا الطلب .” تمسح ماجدة دموعها، وتبتسم فرحة بخبر السيارة، بينما تخرج تغريد من حزنها وتقول بدلال: “ما أحسنك يا أبومهيوب. نحن نعرف أن وعدك قريب، وأنك على قدر أهل العزم!”


لا يُكذِّب الرجل خبراً، وبإقل من شهر من تاريخ المناوشة، وإذ بالسيارة تقف على باب بيت جديد، إذ يرحل الثلاثة إلى شقة في حي أرقى، وبيئة أنظف، وجوٍّ أشرح!
ومنذ ذلك اليوم تتغير الأحوال، وتزداد مطالب البنتين ودلالهما عليه، ويزداد تجاوب الرجل، وأول مطلب لهما هو الذهاب معه إلى السوق، وبالفعل زاروا محلات أدوات التجميل، ومعارض الملابس النسائية، وفي هذه الجولة، يشترى لهما زجاجة عطر، مكتوب عليها (ياسمين يافا) ويقول لهما: “إن زجاجة واحدة تكفيكما، فإذا وضعت كل واحدة منكما عطراً من نوع آخر، فرائحة كل عطر، تضرب الرائحة الأخرى. أفَضِّل أن أشم في البيت رائحة موحدة، ولتكن رائحة الياسمين، فما بالكن برائحة ياسمين يافا!” تشكره البنتان على هديته، وتنظر كل منهما إلى الأخرى، ولكن مع وقف التعليق!
ترتسم الفرحة على وجوه الجميع، فالرجل فرح بقيادته الجديدة، وبكونه يمارس صلاحيات أوسع في المسؤولية، ويزداد المزاح والمداعبة الودِّية البريئة، وبينما هم يتجولون بسيارتهم في شوارع الواحة، تقول لـه ماجدة بحزم:
“اسمع يا أبومهيوب: نحن بصراحة نريد منك طلباً، وإذا رفضته، فسوف نبكي ونجمع عليك السوق كله!” فيخاف الرجل ويستسلم لهما قائلاً:
“يا ساتر! ما هو الطلب يا ترى؟ اللهم خفف طلباتهما عليّ!” فتغير ماجدة نغمة حديثها، وبتدلُّه هذه المرّة:
“لا، أبداً، الطلب خفيف، وبسيط!”
” ها، أخبراني، هل تريدان أن أطير بكما بهذه السيارة الجربوعة إلى السماء؟ ” فتصرخ تغريد شاهرة إصبع المعارضة:
“لو سمحت، لا تقل جربوعة، فهذه سيارة محترمة، مثل سيارات العالم!”
يضحك الرجل فرحاً ويقول:
“انظري وقارنيها بسيارات الشبح، أو سيارات الدفع الرباعي، أو حتى بالسيارات الحديثة، تجدينا نقف في ذيل الصف!” فتضيف تغريد بصوت أنثوي هذه المرّة: “ليس في ذيل الصف، ولنقل في وسط الطريق!” وببراءة مطلقة ينطلق صوتها الجميل فتغني:
(وفوسط الطريق ومشينا وسلمنا وودعنا ياقلبي،
ودموعنا في عنينا ياقلبي..) فتعلق عليها ماجدة:
“يا عيني عليك يا نجاة الصغيرة!” ويضيف أبو مهيوب :
“والله ياعمي السيارة احلوّت بهذا الصوت الساحر!” وتعود ماجدة لطلبها :
” خلونا في الموضوع، نريد أن نذهب يوم الجمعة القادم إلى البَرّ، وأن نتغدى هناك في الصحراء.” وتضيف تغريد :” ولا تنسي كرة القدم، فأنا أحب اللعب بها!” فتعارضها ماجدة بدلال أنثوي: ” أنا أحب كرة المضرب.” ويتدخل أبو مهيوب ساخراً: “ما رأيكما أن تشكلا فريق كرة قدم، وتلاعبا فريق الزمالك، وتغلبا الأهلي؟ “
“يا عمي لا أهلي ولا زمالك، نحن نريد الذهاب إلى البر والسلام.”
وبالفعل يأتي يوم الجمعة محملاً بمتطلبات الرحلة، وبعد صلاة الجمعة، تركب ماجدة إلى جوار المحرم، فتحتج تغريد مازحة:
“لماذا تجلس هي إلى جوارك، ولست أنا؟” فتجيب ماجدة:
” احترمي السن يا بنت، فأنا أكبر منك بشهر، معنى ذلك أنني أهم منك بدهر!” فيصحح أبو مهيوب: “المثل لا يقول هذا، بل يقول: (أكبر منك بشهر، أعلم منك بدهر!) وليس أهم منك، وحتى هذه المقولة، ثبت بطلانها، وها أنا أكبر منكما سناً، فهل أستطيع أن أعلِّم البنات لغة عربية مثلاً!” فتجامله تغريد ملاطفة:
“ونحن أيضاً لا نعرف كيف نُطَعِّم أشجار الحمضيات أو أن نقود السيارة مثلك، فكل شخص لـه مهارات مختلفة.” وهنا تتدخل الثرثارة ماجدة قائلة :” ولكن من المؤكد أن أطفال الكمبيوتر والإنترنت والخلوي والبلوتووث، قد صاروا أكثر معرفة منا!”
– نحن فقط نداعبك يا رجل، وكما تقول شادية (وان ما اتدلّعش عليك إنت…!) تضيف تغريد. فتعلق عليها ماجدة :” يا عيني على شادية، تعرفي أنها ما تزال حتى اليوم /دلّوعة الشاشة/ ولم ينافسها في الدلع سوى نانسي عجرم!” فتفضحها تغريد قائلة:” والله إنني صرت أخاف منك، يا متابعة الدلوعات! هذه علامات مخيفة! هذا ضوء أحمر! لو قلتِ إنك معجبة بأحمد زويل أو زياد رحباني، لكان الموضوع فيه نظر! ولكن..!” فيعترض أبو مهيوب مازحاً :” يا حسرتك يا أبو مهيوب، ليس لك اليوم سوق في عصر (التنك لوجيا) هذا! ” فتضحك تغريد قائلة :”اسمها التكنولوجيا وليست (التنك لوجيا )، وبالعربي التقنية !” وتضيف ماجدة:
– ورغم كل التقنيات، فأنت أهم شخصية في حياتنا يا أبو مهيوب، ألا يكفي أنك تتحمل نكدنا، وتشاركنا همومنا ومتاعبنا ومشترياتنا وطعامنا وشرابنا ونزهاتنا، وأنت صابر مكافح؟
يتجه ثلاثتهم بسيارتهم إلى سوق المُثنى، فيشترون كل ما يلزمهم، ويتجهون إلى البر، فيصلون إلى منطقة تنزُّه شعبية معروفة، تؤمها عائلات متناثرة هنا وهناك. يقعدون تحت ظل شجرة سدر، والشمس تنحدر نحو الغروب، فتستغل الصبيتان الوقت بلعب كرة القدم، وهذه تضربها يميناً، فتتجه إلى الشمال.. وما هي إلا ألعاب صبايا لم يلعَبن ولم يفرَحن من قبل، فتطير الكرة إلى الفلاة البعيدة، حيث يقضي شابان وقت غدائهما في البرّ. تصل الكرة إلى حوطتهما، فيلتقطانها ويمضيان باللعب بها، وبسرعة يعيدها أحدهما إلى الصبيتين اللتين تتجهان نحوه، فيناولهما الكرة، فتشكرانه وتبتسمان لـه، ثم تعودان لتتابعا اللعب بها، فتضلُّ الكرة طريقها مرة أخرى باتجاه الشابين، وهنا يجري حوار بين أربعتهم.
يناديهما أبو مهيوب غاضباً، فتركضان باتجاهه حييّتين.
– ما الموضوع يا صبايا ؟ فتقول ماجدة بكل ثقة بالنفس: “أبداً، شكرنا الشابين، وأخذنا الكرة.” فيتجهم أبو مهيوب قائلاً: “منذ البداية قلت لكما: لا داعي لهذه الكرة، إنها تجلب المشكلات!” فتقول تغريد مساندة لرفيقتها: “لا مشكلات ولا شيء، نحن كبيرتان يا أبو مهيوب، ولا يُغَرِّر بنا أحد، وطول عمرنا نكلم الناس؛ شباناً كانوا أو شابات!”
يشعل أبو مهيوب نار الكانون، فيرتفع اللهيب، ثم تهمد النار، وتزهر قطع الفحم متوهجة، بينما ماجدة تحضر قطع اللحم، وتُتَبِّلها، وتستل تغريد أسياخ شواء اللحم، فتشكُّها، وتشك مع كل سيخ رأساً من البصل الصغير وحبة بندورة حمراء صغيرة، وقرن فلفل حار، وبعد النضوج ترفع ماجدة الأسياخ عن النار، وترش عليها الملح قائلة لتغريد: “الملح يجب أن يرش بعد الشواء، للحفاظ على عنصر اليود، فلو رششنا الملح مسبقاً، لتبخر اليود، واحترقت حبيبات الملح، ولا أعرف ما بعدها من علوم ومعلومات فارغة.!” فتجيبها تغريد وهي تسحب قطعة لحم محمرة:
“ما دامت معلوماتك فارغة، فلماذا تُنفِّذينها بدقة يا أم المعلومات؟” فتضحك ماجدة وهي تقدم سيخاً ناضجاً يتصاعد من طرفه دخان إلى رغيف أبو مهيوب قائلة:
” إذا لم نتحدث في الملح واليود والفلفل والبهارات، فبماذا نتحدث؟ ولماذا جئنا إلى هنا أصلاً ؟”
تغرب الشمس، فيشعل أبو مهيوب ضوء البطارية، فيحوّل الليل إلى نهار.
يأكلون ويشبعون وهم يتحدثون ويقهقهون، ثم يجمعون أمتعتهم، ويعودون فرحين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق