ثقافة المقال

“الكفاح” الدرامي العربي.. صهينة الإنسان

 أنور محمد

سَيَخْرُقُ الطفلُ زياد في مسلسل “مَخْرَجْ 7” (كتابة خلف الحربي؛ إخراج أوس الشرقي وتمثيل: ناصر القصبي، حبيب الحبيب، راشد الشمراني، عبد المجيد الرهيدي، ريماس منصور، إلهام علي، أسيل عمران) قانونَ الأسرة العربية في قناة mbc، ويُقيمُ تواصلًا عبر الإنترنت مع الولد عزرا الإسرائيلي، ما يُخوِّف والده الموظَّف دوخي، الممثِّل ناصر القصبي، خشية الوقوع في فخ حرَّاس الأمن القومي العربي، ويتحوَّل الأب والابن إلى خونة (قناة mbc وحتى الحلقة 9 والتي أفردت لهذه الحادثة الحلقة 3). هذه النقطة- خيانة فلسطين في المعتقد القومي عند العرب- ومنذ حرب 1948 هي بلون (أحمر)؛ إلاَّ أن تخون قضية فلسطين، التي تحوَّلت كما في مسلسل آخر يُبَثُّ على ذات القناة باسم (أم هارون) إلى إسرائيل، والذي كان يحمل اسم “أم شاؤول” (كتابة وسيناريو الأخوين البحرينيين محمد وعلي عبد الحليم شمس؛ بطولة: حياة الفهد، محمد جابر، أحمد الجسمي، فخرية خميس، سعاد علي، عبد المحسن النمر، فاطمة الصفي، فؤاد علي، محمد العلوي، روان مهدي، آلاء الهندي، فرح الصراف، إلهام علي، آلاء شاكر، ماجد الجسمي، وأمل محمد، ومن إخراج محمد جمال العدل) والذي يعرض حياة يهود الكويت الذين سكنوا وعملوا فيها خلال حقبة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم، والتي ما إن خَرَجَ الاستعمار البريطاني منها حتى أعلنت إسرائيل، كما في المسلسل، عن قيام دولتها فوقها باعتبارها أرضها،
“دراما “مَخْرَجْ 7″ و”أم هارون” هي استمرارٌ لدراما سرطانية لصهينة الإنسان العربي “
وكأنَّ لا فلسطين على الخارطة ولا فلسطينيين على الأرض.
ميلودرامات شائخة تقوم بدور الأم الحانية على إسرائيل هكذا علنًا؛ بل وتناضل في الدفاع عن حق الإسرائيليين في استملاك/ استعادة أرضهم، وكأنَّ الناس الفلسطينيين دخلاء على وطنهم!! ومن ثمَّ ما الذي يمنع دولة عربية ما، وهذا ما جاء على لسان الممثلين في مسلسل “مَخْرَجْ 7″، من إقامة علاقة تجارية معها مثل الجَدّْ الممثِّل راشد الشمراني المتحمِّس والمستعجل لإقامة علاقة عمل مع رجال أعمال إسرائيليين، إذ يطلب من حفيده الطفل زياد التواصل مع الطفل الإسرائيلي عزرا في أن يُعرِّفه على رجال أعمال إسرائيليين للشراكة في البزنس، وهذا ما يستنكره الأب دوخي، الممثِّل ناصر القصبي: “وش هالكلام تقول إنك تبي تسوي بيزنس مع الإسرائيليين”.
يبدو أنَّ الدراما العربية تقوم بما لم تَقُمْ به الحروب السابقة: 1948، 1956، 1967، 1982 في الكفاح الدرامي والاستبسال لمدِّ الجسور؛ جسور الإخاء والصداقة مع الدولة الصهيونية، ما دفع القناة 12 الإسرائيلية للتعبير عن فرحها بهذين المسلسلين فتبث مشاهد من الحلقة الثالثة من مسلسل “مَخْرَجْ 7” مُترجمةً إلى اللغة العبرية، وكأنَّ المسلسل/الحلقة قصيدة مديح، قصيدة غزل بالدولة الصهيونية. ولِمَ لا، وقد صار عندها في هذه الدراما عُشِّاقًا مُغامرين، عشَّاقًا فحولًا أقوياء، وبدون ماكياجاتٍ ولا عطور يخطبون ودَّها.
ما هذه العملية/ العمليات الجراحية التجميلية بين قناة mbc التي تنوب هنا في مثل هذين المُسلسلين عن العرب العاربة والمُستعربة في تجاهل الفلسطينيين وزجرهم وردعهم عن المُطالبة باستعادة وتحرير أرضهم؟ كفى دولة مثل السعودية التي يتحدَّث الممثلون باسمها – هنا الممثِّل راشد الشمراني الذي يؤدِّي دور الجَدّ جبير- تقديم المساعدة والعون للفلسطينيين: “دخلنا حروب علشان فلسطين، قطعنا النفط علشان فلسطين، ويوم صارت سلطة ندفع رواتب نحن أحق بها، وهم ما يصدقون فرصة هالكبر يهاجمون السعودية”. وكان الممثِّل الجد راشد الشمراني قد مرَّر في حواره مع الأب ناصر القصبي قائلًا: “العدوُّ الحقيقي هو اللي يَسِبَّكَ وينكر تضحياتك ووقفتك معه، ويسبك ليل نهار أكثر من الإسرائيليين”.
ما هذه التدليكات، والحمَّامات، ما هذه المراهقة التي تُستعمل فيها الحبوب المُنشِّطة التي تتنكَّر للتاريخ وتتسامى على البطولة؛ على دماء من ماتوا/استشهدوا في الحروب العربية الإسرائيلية من 1948 وحتى 1982؟ ما هذا التماهي الذي يخرق خطوط المنطق، ويتجرَّأ على العقل ليُعيد إنتاج التسلُّط متنكِّرًا ومُتجاهلًا حقَّ الفلسطينيين بأرضهم؟ ما هذا (المَخْرجْ) الذي يستعير نماذج زائفة، فيساوي بين ما تحويه مخادع العجائز وخزائن الملوك؟ ما هذا المَخْرَجْ الذي لجأ إلى الدراما باعتبارها الحقل الخفي لكي يفعل ما لم يفعله الساسة والجنرالات؟ ما هذا التواطؤ؛ بل والخيانة في تجريد الإنسان الفلسطيني والعربي: سوريًا أو مصريًا أو مغربيًا أو كويتيًا أو سودانيًا أو إماراتيًا أو سعوديًا أو قطَريًا من ملكاته العقلية وممكناته الروحية لتبقى رقبته تحت سكين المُتسلِّط المُتصهين؛ باعتباره كما يروِّج لنفسه أَعرفَ وأصلحَ وأَقدرَ وأَفهمَ وأرجلَ مَنْ يُقرِّر أنَّ فلسطين هي أرضٌ إسرائيلية!!!.

“مَخْرَجْ 7″ و”أم هارون” مسلسلان يسعيان عبر سيناريو وحوار، ومكان مُغلق داخلي هو “فيللا” العائلة، وآخر في دائرة عمل دوخي الممثِّل ناصر القصبي، إلى فكفكة وكسر طوق تقديس العمل العربي لاستعادة فلسطين، وفي مثل هذه الدرامات سنقبض على الجذر الأعمق لإعادة إنتاج التسلط والاستبداد والتخلف. دراما تبدو صورية منفصلة عن الواقع، بل وتأبى الانصياع لمنطق الواقع، فتُرغم المُشاهد طوعًا أو قهرًا على الخضوع لشروطها إنْ مِنْ خلال الكوميديا أو التراجيديا، إذ وعلى لسان الممثِّل راشد الشمراني بدور جبير: “إسرائيل بشر زيهُم زيَّك. إسرائيل موجودة عاجبكم ولاَّ مو عاجبكم”. ما هذا الانتقال الفجائي من الطفولة إلى الرجولة؟ في الدراما الاجتماعية والسياسية، ومنذ المسرح اليوناني، بعدما يقوى الممثِّل في لعب دوره يضع الأقنعة على وجهه، وهنا في الدراما (الأمبيسية) لا داعي للأقنعة، وكأنَّنا مع بيان سياسي تعدَّى مرحلة المنشور السري، يُلقي فيه الممثلون (كلامهم)، يرمون به المشاهدين رميًا، حتى إنَّ الملامح التي يتمُّ رسمها على جسد الممثِّل والتلوينات الفنية/ الشخصيات التي يمثلونها صارت نمطية في معظم المسلسلات، بل إنَّ ممثِّلًا مثل ناصر القصبي وآخر مثل راشد الشمراني يتحولان إلى “روبوتات” فلا شعرية ولا جدلية ولا حماسة في لعب أدوارهما، وحتى الحوارات التي تنمو بها الأفعال هي عملية تحريك شفاه.
دراما تمارس طقوسًا، أو تدفعنا لممارسة طقوسنا وشعائرنا إِنْ في المدرسة أو الكنيسة أو المسجد حسب ما يقرُّه جهازها الأيديولوجي الذي يعدُّ نفسه ليلعب أدوارًا حاسمة في تربية ذائقتنا وتشكيل وعينا بما يناسب المستر (كورونا) الذي حلَّ محل (الأخ الأكبر)، كونه المُخيف الذي لا يخاف أحدًا. دراما وجدت وسيلتها وفرصتها فتتعامل معنا كفرخ ذئب أو نمر أو أسد باعتبارنا متفرجين بصفة أطفال غابة.

مُخيفة هذه الدراما؛ هذه الحرب التي تشنها على المشاهدين، فتدفعهم أو تدفعنا لنلاقي حتفنا أو نستسلم لها. إذ هي تشكِّكنا بقوَّتنا السياسية والثقافية والاقتصادية، وإن أثبتنا عكس ذلك، فهي تعدُّ لحروبٍ وحروب درامية أبطالها ذئاب وآلهة بشرية، وإذا ما قاومنا فقد تتعامل أو هي تتعامل معنا بصفتنا ديدانًا وأمواتًا غير رسميين.

دراما “مَخْرَجْ 7″ و”أم هارون” هي استمرارٌ لدراما سرطانية لصهينة الإنسان العربي فيرعى في جنَّة فسادها المتنوِّع، وهذا ما يثير عندنا الرغبة ويدفعنا لمواجهة الفاجعة؛ فاجعتنا بمنتهى القوَّة والشجاعة: فلسطين عربية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق