قراءات ودراسات

(لا شأن لي) للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري

أيمن دراوشة*

تعريف بالشاعر عبد السلام العطاري*: شاعر وكاتب مِن مُواليِد بلدة عرّابة مُحافظة جنين العَام الـ 1965 -أَحد المٌؤسسين لِـ كثيِر مِن المُواقِع وَالمجلات عَلى الشَبكة العَنكبُوتِية -عضُو إتحَاد الكُتَاب وَالأُدبَاء الفلسطينيين – مدير الآداب والنشر بوزارة الثقافة يَميِل الشاعر، عَبد السلام العطاري.. إِلى مَدرسَة تَعتمدُ التَأصيِل تِلك اَلتِي تَقُوم عَلى أَن أسَاس الإِبدَاع تطَور مِن لُغتِنا الَتي كَانت أُم العُلوم الإنسَانيَة وَالآَدَاب العَامَة. ولا ينفي أَنه حداثي الاتجاه إنمَا عَلى طَريقَته هو تِلك التي يَقرأ للجَاحظِ فِيهَا قَبل مَاركِيز وَللمقَفع قَبل بَاولُو كويِلُو وَللمُتنَبي قَبل لُوركا أَو رَامبو. لإيمَانٍ مِنه حَتى نتمَكَن مِن الانتمَاء إِلى مَدرسَة مَا … عَلينَا أَن لاَنغفِل كُل اَلذِين أَسَسوا للثقَافَة العَالمية وَليِس للعَربية وحدهَا..وَيُحذّر مِن الانسيَاق ورَاء ديِكُور الحدَاثَة دُون مَعرفَة السَلف الأدَبِي العَربِي الإسلاَمِي… فلا يزال يَبحَث عَن عَالمٍ خَالٍ مِن الضغَائِن وَالأحقَاد وَعَن مَدينَة تنَام عَلى هَزجِ القصَائِد..إِلى عَالمٍ يُدرِك أَن مَن يَعرفُ أَين هُو الشَر لاَيَحق لَه أَن يخطئ*

من إحدى قصائده المكثفة ، اخترت هذه القصيدة ؛ لكي أتناولها بالعرض والتحليل
عنوان القصيدة / لا شأن لي
النص:
لا شأن لي بالفرقاء وإن اختلفوا …لا شأن لي
لا شأن لي إن عزلونا بأسيجة من القهر
والوعود الكاذبة …لا شأن لي

لا شأن لي بطقوس السلام والعناق
وبريق ومضات عدسات التصوير …لا شأن لي

لا شأن لي إن جاءوا بأقلامهم
ومهروا صحائف الدجل
والصلح الشجي
وقالوا:  نأسف يا سادة …انتهينا …لا شأن لي

لا شأن لي غير أن أرى غزة هنا
تجلس على تلة تطل على يافا
تشرب قهوتها
تحملق في بحرها
تغازل أ؟جساد بيارات البرتقال
تتحسس مواقد الماس بعينيها
وتقطف زهرة لوز نامت تحت فيئها فلاحة
نضج جسدها قبل نضوج كروم العنب في الخليلِ

لا شأن لي غير أن أحمل جنين ومرجها سلة
أهديها لغزة تتنشق عبيرها الطازج
وتغمض على برد رام الله وتنام في (قصر الحمراء)

لا شأن لي غير أن أجلس في المحطة / في غزة
وتحت ظل السدرة / وأقول لا شأن لي

لا شأن لي غير أن أجالسهم
في كل مكان كتبوه خارطة حلم هناك
وأسمع الصوت دون وساطة
أسمع ضحكاتهم وقصائدهم عن الحب
عن الوطن، عن البحر
عن فتيات يعبرن الليل بكامل عطرِهنَّ
وأقول… أنت أنت…أنت مَن كتبت / مَن ضحكت / مَن بكيت / مَن نمت في العراء وتشهدت باسم الله والنبي ولَعنت أصنام القرن الجديد ومت / وعدت/ وولدت/ وكبرت/ وصرت أنت أنت.
لا شأن لي يا سادة غير ان تتركوا لي حلمي… لا شأن لي بكم.
……………………
لا شك أن القصيدة التي أمامنا هي قصيدة ثورية على الواقع الراهن وما أصاب (بلاد العرب أوطاني) من خلافات سياسية أو طائفية أو حتى عنصرية، في عصر الثورات العربية ازداد الفرقاء وازداد معه الاغتيال ، وازداد الحقد بأبشع صوره، حتى مللنا، ربما تحدث الشاعر عبد السلام العطاري عن قضية الفرقة والاختلاف في بلاده إلا أننا نستطيع التعميم على كافة أرجاء الوطن العربي سواء تلك التي قامت بها الثورات أو تلك البلاد التي تؤيد هذا وتعارض ذاك.
لا شأن لنا وهو شأن الشاعر أيضاً ما هو إلا تمرد وحركة لا نتيجة لها في أرض الواقع ، وتبقى احتجاجاً غامضاً لا ينطوي على نظام أو مذهب ، فالتمرد هنا محاولة لتكييف العمل وفقاً لفكرة ابتغاء تشكيل العالم داخل إطار نظري إنها عملية تغيير جذري وتطهير جذري شامل.
لا شأن لي بالفرقاء وإن اختلفوا …لا شأن لي
لا شأن لي إن عزلونا بأسيجة من القهر
والوعود الكاذبة …لا شأن لي

لا شأن لي بطقوس السلام والعناق
وبريق ومضات عدسات التصوير …لا شأن لي

لا شأن لي إن جاءوا بأقلامهم
ومهروا صحائف الدجل
والصلح الشجي
وقالوا:  نأسف يا سادة …انتهينا …لا شأن لي

هكذا برؤية عميقة للواقع، يرفض الشاعر فيه دعوات الصلح والسلام فما هي إلا أكاذيب ودجل ، فلا بد لنا من رفض عناصر الوهم ودجل الفرقاء ، وإعادة الوجود الإنساني  في شكل جديد ، فهو فعل ثوري من نوع خاص، وضمان حقيقي لهذا الفعل.
إنه حال لسان ذاق طعم القهر والظلم والاضطراب في حياة متناقضة متداعية، وتمرِّغ في وحل العذاب والاضطهاد.
الشاعر هنا لا هم له سوى الوطن أما الفرقاء فلا تهمه بشيء ويتضح ذلك من خلال المدن الفلسطينية التي اوردها بشعره غزة / يافا / الخليل / جنين / رام الله…
البناء الفني للقصيدة وحدة متكاملة ، وعلاقات متجددة ، فقضية البناء هنا قضية تلاحم وتفاعل وتناسب وتكامل – فاللفظ رمز يشكل صورة في سياق لغوي. والصورة عنصر إيقاعي في الإطار الموسيقي للقصيدة ، وحركة هذا الإيقاع تترجم طبيعة المناخ الشعري ومدى ارتباط الحركة العضوية بمضمون العنوان (لا شان لي).
وهكذا فالعنوان جمعي لا يمكن الخروج منها بصيغة المفرد وإن كان مفرداً .
لا شأن لي غير أن أرى غزة هنا
تجلس على تلة تطل على يافا
تشرب قهوتها
تحملق في بحرها
تغازل أ؟جساد بيارات البرتقال
تتحسس مواقد الماس بعينيها
وتقطف زهرة لوز نامت تحت فيئها فلاحة
نضج جسدها قبل نضوج كروم العنب في الخليلِ
اللغة هنا هي لغة الأنا الجمعي، والأسلوب الشعري هو الأنا الفردي والنص هو القصيدة الذي (تموضع الذات) وتقدم الموضوع مذوَّتاً.
لغة القصيدة واقعية وهذا بحد ذاته موقف محمل بالإثارة والتمرد والتفجير، وهذا ما جعل قراءتها سهلة قريبة من الذوق العام وتنفذ إلى الأعماق فتؤدي فعلها ببلاغة محكَّمة.
لا شأن لي غير أن أحمل جنين ومرجها سلة
أهديها لغزة تتنشق عبيرها الطازج
وتغمض على برد رام الله وتنام في (قصر الحمراء)

لا شأن لي غير أن أجلس في المحطة / في غزة
وتحت ظل السدرة / وأقول لا شأن لي

الألفاظ حملت الدلالات والرموز، وكثفت حالة الشعور الكلي للقصيدة فهي عنصر جمالي أدى فعله وحده. وإن كلمات كهذه ليست كلمات تركب جملة وتنقل معنى مباشراً فحسب، بل هي رمز وطاقة شعرية تنطق بكل الدلالات والمعاني التي جمعها عنوان (لا شأن لي).
لا شأن لي غير أن أجالسهم
في كل مكان كتبوه خارطة حلم هناك
وأسمع الصوت دون وساطة
أسمع ضحكاتهم وقصائدهم عن الحب
عن الوطن، عن البحر
عن فتيات يعبرن الليل بكامل عطرِهنَّ
وأقول… أنت أنت…أنت من كتبت / من ضحكت / من بكيت / من نمت في العراء وتشهدت باسم الله والنبي ولعنت أصنام القرن الجديد ومت / وعدت/ وولدت/ وكبرت/ وصرت أنت أنت.
لا شأن لي يا سادة غير أن تتركوا لي حلمي… لا شأن لي بكم.
( عزلونا بأسيجة من القهر / كروم العنب / تحت ظل السدرة  / تتركوا لي حلمي … ) فعزلونا فقدان للحرية بكل أشكالها ، وإعدام للقيمة والفعل ، أما كروم العنب وتحت ظل السدرة وغيرهما من أمكنة ، فهما أغنية للوطن التي تمثل صدى كل الذكريات القديمة والعمر الضائع …
لغة الشاعر رمزية توظف اللفظ غاية ، وليس كبديل للفظ آخر، وتحوله لرمز جديد في عملية التجديد اللغوي، وهو انسجام للانفعال في قالب جمالي.
القصيدة تجربة مأساوية ، ومعاناة من غول الواقع، إنها حيرة واضطراب ، وعنصر الحركة القائم بالأفعال ( تجلس / تشرب / تحملق / تغازل / تتحسس / تقطف … ) حركة درامية تحمل في ثناياها آلآم  التمزق والتشرذم، وتصور جدلية القصيدة حتى تصبح انفجاراً داخليا لا يتوحد إلا في غطار نبرة مأساوية تشمل القصيدة كلها.
وكان استخدام الفعل الماضي  مكثفاً بآخر القصيدة ويتساوى تقريباً مع الفعل المضارع من حيث العدد  ، فلم يأتِ -الفعل الماضي- إلا عند التداعي الذي هو ذاكرة الشاعر، وفي التداعي تبرز التفاصيل والجزئيات لترسم لنا مسار التحولات في القصيدة ، كمـا انها ترمز لوقائع وأحداث، وما استخدام الفعل المـضارع بكثرة إلا لضرورة فنية، هو انطباق الفعل المضارع على الحضور والاستمرار على مضمون التجربة.
لقد عبر الشاعر عن رؤيته التي هي موجودة بلجة التفرق، وفي وسط مساحات الخرائب والهزائم والاحباطات، إنه يعيش في مخاض طويل ومؤلم ساحق، ومع ذلك فقد حمل الشاعر بعمق كل معاني الحنين والتشرد والتمزق والفرقة والتشبث بالأرض والثبات.
__________________________________________________

* من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
*ناقد من الأردن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق