ثقافة السرد

الصداقة تُصاب بالعدوى

طه بونيني 

أتى حميدو من إيطاليا بداية شهر أبريل 2020، إلى مسقط رأسه وهران، في عطلة مسبّقة، كانت مبرمجة في جوان، لكن ظروفا وصفها بالقاهرة، أرجعته إلى حضن أمّه في وقت سابق لأوانه.
وما إن استقرّت روحه واسترجعَ أنفاسَه، وقام بالتحديث اللازم، اتّصل بصديقه مراد، الساكن بنفس المدينة. مراد صديق طفولته، ورفيقه القديم، والذكريات بينهما شتّى والغربة التي أخذت حميدو، أخذت جزءاً من صداقتهما الماضية والحاضرة، وجعلتها كالأطلال، تُرمّم كلّما استدعى الأمر ذلك، أي كلّما عاد المُغترب إلى وهران.
يعمل حميدو في مؤسسة تصنع الأجبان، في ضواحي فلورانسا، ويعمل مراد كأستاذ للموسيقى الأندلسية في المعهد الموسيقي بوهران، وقد زار مراد حميدو مرّة في إيطاليا، حُبّا في جمال فلورانسا وفنّها الراسخ. لكن حميدو الذي يعيش قاب قوسين منها، لا يهواها، أو لعله ليس مولعا بالفنّ كصديقه. ولهذا جال مُراد وحيداً بين المتاحف والآثار دون صديقه. وكانت تلك الزيارة مدعاةً للأسف.
وغاب بعدها حميدو في غربته، واغترب مراد في غيبته، وضاعت صداقتهما بين الغربة والغيبة. لكن بعض الصداقات تحتمل كلّ ذلك، إذا كانت لها جذور.
ردّ مراد على اتّصال صديقه:
” وردني أنّك هربت من كورونا يا صانع الجبن. كيف الحال يا حميدو؟”
“الحمد لله، هل نلتقي؟ أمرّ عليك بالسيّارة ونراجع ما فاتنا من أحداث”.
“ابتعِد عنّي، يرحم والديك…هل تحسبنا في الجزائر لا نلتزم باحتياطات السّلامة يا حميدو”.
“يا سيدي البس كمامتك، واتّخذ احتياطاتك، وسأمرّ عليك بالسيّارة”.
وقد كان مراد ممّن التزموا الحجر الصحّي منذ أسابيع، بعدما توقّفت الدراسة في المعهد الموسيقي. ولم يكن يحبّذ الخروج إلا للضرورة.
“فهل هذه ضرورة؟ حتما ليست كذلك!”.
سأل مُراد نفسه، لكن ما بيده حيلة، ولو كانت بيده، لتملّص من هذا اللقاء.
وبعد دقائق حيرانة، سُمع صوت البوق، وبعدها بثوانٍ صلصل صوت الجرس. ولأنّ مراد يعيش رفقة أمّه وحيدين، فقد نادت عليه.
” يا الحاجةّ، إنّه صديقي حميدو”.
“حسنا يا بُنيّ. اذهبا في أمان الله. بلّغ سلامي إليه”.
التقى الصديقان، وأمضيا نصف ساعة من الزمان، ثمّ عاد كلاهما إلى المنزل، والتزم بجنباته.
وبينما هما كذلك، كان الفيروس الخبيث قد استشرى بين النّاس، وراح يفتِك بالخلق، ويطيحُ بهم يمينا وشمالا، ويعصف بالحياة مثلما يشاء، ويعبث بأرزاق النّاس كما يُريد. وكأنّ إشارات المرور التي تنظّم سير الدّنيا قد استقرّت على الأحمر.
وبعد أسبوعين، اتّصل حميدو كَرَّة أخرى بمُراد: “كيف الحال يا صديقي الفنّان؟”
“الحمد لله وأنت يا حميدو؟ هل اشتقت إلى إيطاليا؟”.
“كُح ..كُح..أنا مريض..أعاني الحُمّى والسعال والبلغم وصداع في الرأس..كُح كُح ..يا صديقي أنا مصاب..كُح كُح…”
أجاب حميدو، وغالبه السّعال.
“مصاب بماذا يا صاحبي؟..”
ثمّ ربط مُراد سريعا بين هذه الأعراض وبين حديث السّاعة. ولم يكُن هناك حديثٌ حينها غير وباء كورونا تلوكه الألسُن، وتنشغل به الأذهان.
“أنا مصاب بكورونا المستجدّ يا مُراد. لقد رُحتُ في داهية.”
” هل أنت متأكد؟”
“نعم متأكد للأسف”.
كان مراد واقفا في غرفته، يذرع الغرفة بينما يستمع إلى حميدو، والصدمة تغشى وجهه السّاذج. خرج إلى الفناء وواصل حركته المُطّردة جيئة وذهابا.
“هل أنت معي ؟ ألو.. ألو..”
“أنا معك يا حميدو، عليك أن تتّصل بالمستشفى.”
” سأفعل فيما بعد، لكن لديّ مهمّة عليّ إتمامها. هل تتذكّر تلك العصابة الحاسدة التي تسمّيها أصدقاؤك، والذين لم يتوانوا يوما في أكل لحمي، والكلام في أهلي وفي كلّ من يتّصلون بي. حتّى أنت لم تسلم منهم، فعادوا يشتمونك كلّما صادفوكَ معي”.
“تقصد الإخوة شطارة ..أصدقاءنا القُدامى؟ رفقاء الطفولة والمدرسة؟ ما بهم؟”
” نعم هم..كُح كُح.. أصدقاء الفشل وأعداء النّجاح..كُح..كُح..”.
” ما بهم يا أخي؟ نحن نتحدّث عن الخطر الذي يحدق بك وأنت تتكلّم عن ضغائن الماضي؟”
“اسمعني جيّدا.. لطالما دافعتَ عنهم يا مُراد. وقد تردّدت في إخبارك، وها أنا أخبرك بما سأفعل. مهمّتي الأخيرة في هذه الحياة، هي الذهاب إلى أولئك الملاعين الثلاثة المدعوون الإخوة شْطَارَة في محلّ البقالة الخاص بهم. سألمسُ كلّ بقعة فيه، وسأسعلُ في وجوههم، وألوّثهم بما لذّ وطاب من الفيروسات بيديّ ما استطعت. ولستُ أدري إذا ما في الدّنيا بقيّة حياة أو لا. ولهذا فلن أضيع هذه الفرصة. وسأنفذ المهمّة الآن.”
“دعك من هذا الهراء. إنّها الحُمّى تعبث بأطراف عقلك. فلتتصل بالمستشفى الآن، وكفاك هذرا”.
” نعم سأفعل يا صديقي، لكن بعد المهمّة..كُح كُح.. لا يفوتني طبعا أن أودّعك. وداعا يا صديقي المُقرّب”.
عندما أقفل حميدو الاتّصال، كان مراد مصعوقا، لم يُصدّق ما سمعه. هل يتحوّل حميدو إلى وحش كاسر، وشرير ماكر في لحظة يأس. وراح يخاطب نفسه، بينما يواصل حركته المتواصلة في فناء المنزل.
“صحيح أنّ علاقة حميدو لم تكن طيبة مع الإخوة مصطفى، عزيز وسليم. لكن ليس لهذه الدرجة! لا بُدّ أنّه يمزح! ماذا لو كان جادّاً! خاصّة في حالته هذه، لعلّ هذيانه يُعميه.”
وحالما انتهى الاتّصال حاول التواصل مع الإخوة شطارة، لكن دون جواب، وأعاد مراراً ولا من يردّ على الاتصال. فهرع مُهرولا نحو الخارج. وقد كان دائم الاحتياط في حالاته العادية، لا تُفارقه الكمامة أو المُعقّم، حفاظا على نفسه وأمّه المُسنّة. لكنّه في غمرة هذه الظروف، ومخافة أن يصاب أولئك الإخوة بالعدوى، وكلّ زبائنهم، هرع مُسرعا إلى محلّ البقالة. وعندما وصل أخبرهم بما سيجري، فأغلقوا المحلّ. وفي طريق العودة، أخذ يسعُل، وقد ضاقت نفسه من الهرولة والجري. فتريّث واستجمع أنفاسه، ثمّ غذّى السير نحو بيته. ولمّا دخل البيت، غسل يديه، ألقى بملابسه في الغسّالة، أخذ حمّاما، واستلقى أمام التلفاز، معتزّا بما فعل.
وسرعان ما عاودَه سُعالٌ تُصاحبُه حمّى خفيفة، فعَزَا ذلك للدشّ البارد الذي أخذه على جسمه الحارّ، وغالبه النّعاس، ولم يستيقظ إلا على رنين الهاتف، فأجاب وهو مصاب بالدّوار:
“ألو ..من معي؟”
“أنا سليم…لقد مرّت أربع ساعات ونحن نراقب مجيء ذلك المعتوه لكنّه لم يأتٍ. ربّما تكون إحدى ألاعيبه المجنونة. سنعيد فتح المحلّ الآن على كلّ حال، وإذا حدث شيء سنعلم الشرطة”.
“ماذا؟ لم يأت..ألاعيب..ماذا ..حسنا ..حسنا ..”
أغلق مراد السمّاعة. وأحسّ بأنّه في دوّامة، ثمّ غفا من جديد. وأعاده إلى اليقظة اتّصال آخر.
“كيف الأحوال يا صديقي المُقرّب؟ صحيح أنّي ودّعتك منذ ساعات..لكن أردت أن أُعلمك بأنّي في المستشفى، وقد أخذوا مني عينة دم وفحصوني، وسأخضع قريبا للعلاج.”
“من؟ حميدو؟ ..أنت في المستشفى؟..لستُ أسمعك جيّدا أنا مصاب بالغثيان”.
وقام مُراد من فراشه، ومشيَ مُترنّحا في الرواق، ولمّا توازنت خطاه واصل الحديث:
“أنت في المستشفى؟”
“نعم.”
“لم تذهب حيث أخبرتني بأنّك ستذهب. صحيح؟”
“طبعا لا. كنتُ أمزح فقط. لستُ شريرا أو مخبولا لهذه الدرجة يا مراد.”.
اشتدّ السعال والصداع على مراد. فجلس على الأرض كالمغشيّ عليه. وواصل حميدو:
“لكنّك أنذرتَهم، أليس كذلك؟ فهذا من شِيمك”.
“صحيح”.
لقد شعر مُراد أنّه في خضمّ كابوس، وبأنّ هذا اليوم من بدايته إلى تلك اللحظة لا يزيد عن فيلم رُعب غامض ولا معنى له.
“هل تدري ماذا فعلتَ لتوّك يا مُراد؟”
“ماذا فعلت؟”.
“لقد أصبتَهم بالعدوى”
“كيف يا حميدو يا أيّها المجنون؟ ..كُح كُح..”
“لأنّك أنت نفسك مصاب..ألا ترى ذلك بعد.”
“كيف أُصاب وأنا لا أغادر البيت”.
“بل غادرتَه للقائي ألا تذكُر”.
أنهى مراد الاتّصال وشكّل الرقم 3030، وبعد دقائق حملته سيارة الإسعاف الى المستشفى، وأخذوا أمّه كذلك لفحصِها. وبعدما أعلمهم بما جرى، ذهبوا ليفحصوا الإخوة شطارة وأغلقت السلطات المحلّ.
وتمدّد مراد في غرفة الإنعاش في المستشفى. وبينما هو ينظر إلى سقف الغرفة كانت عبارة واحدة تجول في خياله: “يا ليتني ما غادرتُ المنزل!”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق