ثقافة المقال

الكُتَّاب المغاربة والمكتبات.. محمد ديب نموذجاً

بوعلام رمضاني

لا داعي للتأكيد من البداية أن الحدث الهام الذي احتضنه المركز الثقافي الجزائري في باريس أخيراً يعني الكتاب الفرنكوفيين ما دام قد تم بالتعاون مع معهد النصوص والمخطوطات الحديثة، الأمر الذي يؤكد مجدداً التوجه اللغوي الذي يطغى على الجهة المستقبلة للمركز الفرنسي في غياب توازن ثقافي وأدبي ما زال معلقا رغم بعض المحاولات المحتشمة.
في المركز الذي ينتظر تعيين مدير جديد، خلفاً لإبراهيم حاسي، منذ الصيف الماضي، أضحت علاقة المكتبة بالكاتب مسألة مشوقة ومعقدة، وتتجاوز بالأسئلة الكثيرة التي تطرحها الأفكار المسبقة التي يمكن أن تطلق على هذا الكاتب، أو ذاك، نتيجة إسقاطات تعسفية خرج بها معجبون، أو أحباء، عرفوا عدداً من الكتاب بطريقة مكنتهم من دخول مكتباتهم كضيوف لاحظوا، أو شاهدوا ما لم يشاهدوه في مكتبات كتاب آخرين. الأمر مفتوح على عشرات الأسئلة الجدلية التي لا تكشف بالضرورة، وفي كل الحالات عن شخصية ومزاج وتوجه الكاتب بشكل أوتوماتيكي يجعل من المكتبة قاعدة مرجعية موضوعية تسمح بتحديد تأثيرات مشتركة وغير مشتركة في الوقت نفسه بين كتاب دون غيرهم، كما أن العلاقة الغامضة والخاصة والمختلفة شكلا ومضمونا بين الكاتب والمكتبة التي قضى فيها معظم حياته في عزلة تامة ليست علاقة تتوقف عند وظيفتي القراءة والكتابة وتتعداهما إلى قضايا فرعية مثل ترتيب وحفظ آلاف الكتب في فضاء مادي ومعنوي ليس ككل الفضاءات ما دامت رمزيته لا تقدر بثمن وتخلد أصحاب الكتب التي ألفت وسط كتب سابقة غارقة في تاريخ الإبداع البشري، وهي الكتب التي استلهموا منها النزعات والأفكار وربما سرقوا منها مقاطع أو بنوا على أساس بعضها توجهات بدت جديدة عند البعض وقديمة عند البعض الآخر.

الأسئلة بدل الأجوبة
الأستاذ كريستيان دل فنتو، الذي خلف الروائي الجزائري حبيب طنغور في برنامج اللقاء، والمتخصص في الأدب الإيطالي في القرن الثامن عشر، كان أول المتدخلين من منطلق نظري ومنهجي سمح للجمهور القليل من تلمس عمق الإشكال الذي يواجه دارس مكتبات الكتاب من منظور الأسئلة التي تطرحها كثير من المفاهيم المتعلقة بالنقد الجيني للمكتبات، كوسيلة للكشف عن أفكار ومواقف وسلوكات وذهنيات وأمزجة وعادات الكتاب. بحسب دل فنتو، الأسئلة التي تثيرها علاقة المكتبات بالكاتب مبهمة، وغير دقيقة علميا، لأنها لا تفسر وحدها كل ما قرأه، ولم يقرأه، وكل ما كتبه، وكل ما لم يكتبه، بحكم تداخل وتنوع الأسباب واختلافها في الزمان والمكان من كاتب لآخر. ويبقى في تقديره كتاب “مكتبات الكتاب” لدنيال فيرار، وباولو دوريو، الذي أصدراه قبل عشرين عاما، كتابا مرجعيا للاطلاع على مسألة في غاية التعقد والغموض. واستدل نظريا برولان بارت الذي طرح عام 1968 سؤال: “ما هو الكاتب؟”، في إشارة إلى الفرق المفترض بين المؤلف والكاتب عمليا من منطلق إبداعي يخضع لأي من اعتبار عند التحدث عن علاقة الكاتب بمكتبته بعيدا عن كل ميكانيكية قسرية تبسط وتسطح ظاهرة متشابكة التفسير بامتياز. تحدث الأستاذ دل فنتو بتدرج منهجي في مداخلته النظرية عن علاقة المكتبات بالكاتب متناولا المفاهيم الرئيسة المحيطة بها انطلاقا من التعريف اليوناني للمكتبة، كتاريخ مادي وإنساني متنوع وعميق يخضع حتما لذاتية تعكس طرقا عدة لترتيب الكتب في رفوف تأخذ مساحات كبيرة، الأمر الذي يقتضي تحديدها ونقلها لفضاءات أخرى حسب ظروف وإمكانات وأمزجة كل كاتب أو كاتبة. تأثير الكتب على الكاتب إبداعيا قضية في غاية الصعوبة، لأنه من الصعب قياسه ميكانيكيا، لأن عادات الكتاب تختلف من كاتب لآخر، سواء تعلق الأمر بطريقة تسجيل وحفظ التعاليق والملاحظات في الجذاذات، أو الدفاتر، أو في الكتب المقروءة نفسها، أو الاقتصار على التوظيف الذهني للقراءة التي لا تجبر الكاتب على التعليق كتابة، الأمر الذي دفع الأستاذ الإيطالي دل فنتو إلى التحدث عن مفهوم المكتبة الافتراضية التي أطلق عليها الأستاذ غي دوقا لاحقا وصف الذهنية التي تلازم الكاتب فكريا داخل وخارج الزمان والمكان. سياقات العلاقة التي تربط المكتبات بالكاتب متغيرة ومتحركة ومختلفة، فلا يمكن معرفة ماذا قرأ هذا الكاتب، أو ذاك، وماذا ترك جانبا، ولماذا، وهل إبداعه صورة مصغرة لمكتبته، وهل قلد، أو نقل، أو أضاف، أو وظف، أو جدد حقا متأثرا بما قرأ؟ أسئلة كثيرة يمكن أن تضاف للأسئلة التي طرحها الأستاذ دل فنتو حول ماهية العلاقة المتصورة بين المكتبات والكتاب على أكثر من صعيد، في ظل تطور تكنولوجي غيّر، حسب كثيرين، من طبيعة تأثير الكتاب بمفهومه التقليدي على عامة وخاصة الناس، وهو الأمر الذي غير مفهوم المكتبة في حد ذاتها، وعادات تعاطي الكاتب مع المادة المكتوبة التي أصبحت متوفرة في كل الفضاءات المغلقة والمفتوحة على السواء، من خلال وسائط ثورة تكنولوجيا الاتصال. وإذا كانت الأقلام بما فيها أقلام الرصاص هي وسيلة الكاتب وآلات الرقن التقليدية عند كتاب القرون القريبة الماضية، فإن زمن اليوم قد رمى الكتاب في أحضان الحواسيب والهواتف الجوالة واللوحات التي غيرت جذريا مفهوم علاقة المكتبات بالكتاب سلبا وإيجابا. أشكال علاقة المكتبات بالكاتب تزيد مع تقدم السن وكلما تقدم كلما بدأ الكاتب في البحث عن طرق تخليد منتوجه الفكري بطرق تختلف من كاتب لآخر وعندها تفرض مسألة الخيارات في علاقتها بحجم التركة كما حدث مع فولتير، وتتراوح الخيارات حيال هكذا سياق أخير بين التوريث والإهداء والبيع.

كتاب مغاربة وقصص ونماذج
بعد عرض نظري للمفاهيم المحيطة بعلاقة المكتبات بالكاتب، أو المؤلف، على خلفية تساؤل بارت، أسهب الأستاذ غي دوقا، المتخصص في الأدب المغاربي الفرنكفوني، في إعطاء أمثلة عملية مشوقة عن هذه العلاقة من خلال دراسته لعدد غير قليل من الكتاب الذين عرفهم شخصيا ودخل مكتباتهم كصديق وكدارس، الأمر الذي أكد صحة تشابك المعايير التي تسمح بتحديد مدى تأثر الكاتب بكتب مكتبته إلى درجة تكشف عن نسب التقليد، أو النقل، أو التوظيف، بطريقة أو بأخرى، وعن الإضافة الإبداعية الخالصة في الوقت نفسه، وهذا ما دفع به في بداية مداخلته إلى لفت الانتباه إلى الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى نقيض ما قيل عن هذا الكاتب، أو ذاك. عاد منهجياً الأستاذ دوقا إلى المفاهيم التي حللها الأستاذ دل فنتو موظفاً التحليل الجيني لكتابات جول روا، وألبير ميمي، في مرحلة أولى قبل أن ينتقل إلى كتاب آخرين. في هذا السياق، لم يتوقف الأستاذ دوقا عند تراوح هوية الكثير منهم بين الطابع الفرنسي، وليس الفرنكفوني اللغوي والمغاربي خاصة، علماً أنه أشار إلى أن كثيراً من الكتاب الذين درسهم قد هاجروا من بلدانهم الأصلية، وعاشوا الاستعمار الفرنسي، وتأثروا بثقافته، سيما أن كثيراً منهم ولدوا في الجزائر الفرنسية (الأقدام السود)، وعوض أن يدخل مباشرة في التطبيق العملي للمفاهيم النظرية التي تناولها نظريا زميله دل فنتو، راح يكرر المصطلحات الكثيرة التي تحدد طبيعة العلاقة المعقدة التي تربط الكتاب بمكتباتهم، الأمر الذي ترك سيدة تعلق على التطويل الذي أساء لحيوية ندوة فكرية هامة مبدئياً قول الأستاذ دوقا إن جان سيناك لم تكن لديه مكتبة بسبب فقره، وقرأ رواية “الطاعون” لكامو من دون أن يشتريها. هي حقيقة تؤكد أن ليس كل الكتاب عاشوا وسط مكتبات ضخمة، وأن بعضهم يملك مكتبة ذهنية وتجريدية تعد ثمرة قراءات غير منتظمة في أماكن مختلفة، وعبر وسائل كثيرة لا تسمح بدراسة المسار الجيني والتاريخي لقراءاتهم وإبداعاتهم، لأنهم كانوا غير قادرين على العيش في ظروف مريحة نسبياً، الأمر الذي دفع ببعضهم إلى اللجوء إلى مكاتب القراءة، أو للمكتبات العمومية، لأخذ كتب تبقى في حوزتهم مدة طويلة، ويضطرون في كثير من الأحيان إلى إهداء بعض الكتب مقابل تلك التي ضيعوها، وحدث هذا حسب المحاضر مع إدمون شارلو، الذي أصبح لاحقاً صاحب مكتبة تعرضت لاعتداءين استعماريين في الجزائر الفرنسية. علاقة الكتب بالكتاب الذين وصفهم المحاضر بالمغاربة فقط متغيرة ومتحركة ومبهمة، ولا تعبر دائماً عن ما يقال عنهم بحكم تدخل عوامل شخصية ونفسية ومزاجية تؤثر في حياتهم وفي إبداعهم بوجه خاص بعيدا عن التأثير المفترض لقراءاتهم. كتاب من أمثال جول روا، وألبير ميمي، وإيمانويال روبليز، وإدمو شارلو، وجان سيناك، وجان عمروش، وألبير كامو، وجان بيليغريني، وكاتب ياسين، ومحمد ديب، وآخرين جمعتهم عوامل اللغة الواحدة والترحال والاستعمار والظرف الواحد المتفاوت في طبيعة صعوبته والهجرة، وإذا كانت هناك عوامل جمعت بينهم انطلاقاً من التاريخ المشترك الذي عاشوه، فإن كثيراً من الأمور تفرق بينهم على الصعيدين الإبداعي والشخصي، في علاقتهما بالكتابة والقراءة، وتجربة ألبير ميمي التونسي الفرنسي الذي عرفه المحاضر شخصياً تعد خاصة جدا بحكم إبداعه باللغة الفرنسية لاحقاً، وليس بلغته العبرية الأم. وزادت خصوصيته حينما تداخل طرحه الفكري للمستعمَر (بفتح الميم) مع طرح فانون حسب البعض، الذي لا يعد كذلك حسب ما ادعى ميمي على حد قول المحاضر دوقا.
رغم طول مداخلته، يمكن القول إن افادته الجمهور القليل كانت من دون حدود، الأمر الذي اتضح حينما تحدث عن روبليز، الذي توفي عام 1995، مستنجداً بكتاب: “ابن الحقد”، لرشيد بوجدرة، ليفهم ما كان يحدث في الجزائر من تقتيل على حد تعبيره. وعدَّ المحاضر تعاليق روبليز على هوامش صفحات كتاب بوجدرة نموذجاً حياً على عادات كتاب تركوا في مكتباتهم كثيراً من الكتب التي علقوا عليها بأقلام الرصاص تعبيراً على تأثر سريع وذاتي قوي. وراح إلى أكثر من ذلك حينما ذكر أنه قرأ تعليق روبليز في كتاب بوجدرة: “الإبراهيمي قاتل جان سيناك” من دون أن يعلق على التصريح الخطير أمام حاضرين يجهلون ربما خلفيات العلاقة بين ابن العلامة البشير الإبراهيمي، ووزير الثقافة والإعلام والخارجية السابق، والكاتب، جان سيناك. ذاتية الكاتب وعلاقته بالكتب التي يقرأها ويتركها بعد رحيله وقف عندها مجدداً الأستاذ دوقا، مذكراً بسقوط صورة ألبير كامو، وهو طالب شاب في الثانوية، من كتاب جان غرونييه عن صاحب رواية “الغريب”الشهيرة، وفي رأي المحاضر الذي درس مكتبة روبليز، فإن القصة الحقيقية تعكس ذاتية حب كبير ربطه بكامو، لكن هذا لا يعني أن روبليز هو الذي وضع صورته في كتاب جان غرونييه.

محمد ديب في شريط قصير
بعد أن طغى الجانب النظري والمفيد على اللقاء الفكري الهام، إلى درجة دفعت بأحد الحاضرين إلى النوم، رغم تواجده في الصف الأول، عادت الحيوية إلى الرجل الذي تابع مع الحاضرين الآخرين الشريط القصير الذي أشرف عليه الباحث هرفيه سونسون، بالتعاون مع كوليت ديب، زوجة الأديب الراحل محمد ديب. وجاء الشريط حول مكتبة ديب، كنموذج مصور حي عن علاقة أحد أهم الكتاب المغاربيين الفرنكفونيين الذين كانوا من القراء الكبار. وحسب الباحث سونسون، فإن دراسة مكتبة ديب تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك علاقة التأثير والتأثر بين إبداع الكاتب، ونوعية كتب مكتبته، ولا أدل على ذلك من ولع ديب بالمحلل يونغ، وليس بفرويد، انطلاقاً من تركيز الأول على علاقة الإبداع باللاوعي، فضلاً عن قراءته كبار كتاب العالم غرباً وشرقاً. واتضح من خلال مكتبته أن أدونيس كان من بين الكتاب العرب المفضلين عند ديب، مترجماً إلى اللغة الفرنسية بطبيعة الحال. كان الشريط الذي عكس روحاً هاوية خالصة مقاربة فنية بسيطة وعملية خففت من الوطاة النظرية للقاء الفكري المطول. الفسحة السينمائية التي كانت ترفيهية أيضاَ أكدت أن مكتبة ديب كانت مرآة صادقة عن توجهه، وعن ميوله الفكرية والفنية وأذواقه، ومصادر تأثره. حسب زوجته كوليت، التي قامت بدور المرشدة للباحث سونسون، فقد فضل زوجها ترتيب كتبه في بيته في ضاحية سان كلو غرب باريس، حسب الأنواع الأدبية والفكرية. فإلى جانب رفوف الروايات والدواوين الشعرية والأخرى الخاصة بالعلوم الإنسانية، لاحظ الدارس لمكتبة ديب أن اهتماماً خاصاً أولاه الراحل الجزائري للآداب الأنجلوساكسونية، والآسيوية، والفارسية، والصينية بوجه خاص، ولمسرح برتولد بريخت، الذي ترك أثره على عدد غير قليل من المسرحيين الجزائريين، من أمثال ولد عبدالرحمان كاكي، وعبدالقادر علولة، وعلال المحب. كما كان منتظراً، توقفت الكاميرا عند رفوف الكتاب العرب المترجمين إلى اللغة الفرنسية، والمغاربيين الفرنكفونيين بوجه خاص. وكثيرة هي الكتب الجديدة التي كان يتلقاها ديب باستمرار من كتاب مغاربيين كثر، لكن يبدو أنه لم يقرأها كلها حسب دارس مكتبته، لكنه قرأ كتب آسيا جبار، التي كرمها أكثر من مرة على حد تعبيره. ومكتبة ديب كانت شبه متحف بلوحات وصور وتحف كان يقتنيها من أسواق الحاجات القديمة. وكشفت مكتبته عن الذاتية الغارقة في علاقات شخصية وأدبية حميمية أبرزتها البطاقة البريدية التي أرسلها جان سيناك إلى ديب عام 1971، وهي البطاقة التي ما زالت في بيت الراحل حتى هذه اللحظة.
سؤال يفرضه علينا ضميرنا المهني والأخلاقي، ونطرحه بالمناسبة ما دمنا قد حضرنا الندوة المذكورة في مركز ثقافي من دون مدير منذ حوالي ستة أشهر، كما علمنا في عين المكان: “هل ستعين الجهة المسؤولة عن المركز مديراً جديداً يفتح الأبواب أمام كتاب جزائريين بارزين يجيدون اللغتين الفرنسية والعربية ولآخرين معربين لدخول المركز الذي ما زالت لغة فولتير طاغية عليه بدعوى طبيعة الجمهور والمكان، كما قيل لنا من قبل المدير السابق؟”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق