ثقافة المقال

كوفيد 19: كيف يمكن للبيوتيقا أن تساعد في مواجهة الاختيارات المفجعة

 مرسلي لعرج*

يثير الوضع الاستثنائي الناجم عن جائحة كوفيد – 19 أسئلة أخلاقية صعبة في صنع القرار الطبي والسياسي والاجتماعي. في الحياة اليومية يمكن لعلماء البيوتيقا أن يساعدوا على الرؤية بشكل أكثر وضوحًا.
يجري تدريب هؤلاء الخبراء المتعددي التخصصات لتحليل القضايا الأخلاقية الخاصة بعوالم الصحة (الرعاية الصحية، الصحة العامة). في أوقات الأزمات هذه، يُطلب منهم التعبير عن آرائهم بشأن القضايا المتعلقة بتخصيص الموارد أو الحجر الصحي للسكان.
يقوم هؤلاء الخبراء بتوجيه وانتقاد المبادرات الحكومية عند الضرورة، وبذلك، فإنهم يساعدون الصحفيين وعامة الناس على فهم مبررات وحدود القيود المختلفة التي نخضع لها، مثل تقييد حرياتنا باسم الصالح العام، والتحديات التي تواجهها مجتمعاتنا حاليًا. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن أخلاقيات علم الأحياء عمرها أكثر من 50 عامًا في أمريكا الشمالية، إلا أن هذا المجال من الدراسة والممارسة المهنية لا يزال غير معروف للجمهور العام.
خبراء في البيوتيقا التطبيقية
علماء البيوطيقا هم خبراء في البيوتيقا التطبيقية والذين يمكن أن ينحدروا من عدة تخصصات (الفلسفة، العلوم الاجتماعية، القانون، الطب، علوم التمريض). تعد تعددية التخصصات إحدى ركائز هذا المجال، على الرغم من أنه غالبًا ما يُنظر إليهم على أنهم مفكرون يتغذون على نظريات كبيرة، إلا أنه يمكنهم أيضًا أن يتوجهوا إلى انتقاد الممارسات أو القرارات التي تتعارض مع الأخلاق بشدة.

ومع ذلك، ففي معظم الأحيان، لديهم أدوار في دعم اتخاذ القرارات الصعبة في الشبكة الصحية لمقدمي الرعاية الصحية، في قضايا مثل المساعدة الطبية على الموت، أو حتى للمرضى فيما يتعلق بالكشف عن بياناتهم الطبية. كما أنهم يساهمون في أخلاقيات البحث في المواقف التي قد يكون فيها المشاركون أكثر عرضة للخطر.
إنهم يعملون في العديد من المنظمات، ويتولون أدوارًا متعددة. وبعضهم أساتذة جامعيون -باحثون: ومن بين أمور أخرى، فإنهم أيضا يعلمون آداب وأخلاقيات مهنة الطب وأخلاقيات البحث للمهنيين الصحيين ولمسيري الصحة في المستقبل، وكذلك لطلاب البيوطيقا. يمكن للأستاذ في البيوتيقا أن يعلق على الأحداث الجارية في وسائل الإعلام، ويشارك في اللجان الاستشارية ويكون جزءًا من مجموعات الخبراء لتوضيح القضايا المعقدة أو المساعدة في تطوير المبادئ التوجيهية.
محترفو البيوطيقا الآخرون يعملون في مؤسسات مختلفة مثل الشبكة الصحية (الإتيقا السريرية (الإكلينيكية) والإتيقا التنظيمية)، والجامعات (أخلاقيات البحث، السلوك المسؤول)، أو في الحكومة (مثل INESSS، INSPQ، CCNPPS). وغالبًا ما يعملون في الظل، ويدعمون مختلف الأطراف ذات العلاقة أي المتخصصين في الرعاية الصحية والمديرين التنفيذيين، أثناء اتخاذ القرارات السياسية التنظيمية أو القرارات السريرية أو البحث.
يتولى عالم البيوتيقا في بعض الأحيان، أدوارًا متعددة، وسيطًا، وأحيانًا ناقدًا، يتمثل هدفها المشترك في ضمان الحفاظ على القيم والمبادئ الأخلاقية لمجتمعاتنا مثل المسؤولية والعدالة والإحسان والتضامن والشفافية، احترام الاستقلالية والكرامة الإنسانية …
تخفيف العبء على صناع القرار
يقوم علماء البيوطيقا بدور لا غنى عنه في الأزمة الحالية: إذ يجب عليهم تخفيف العبء على الأطباء وصناع القرار عند اتخاذ قرارات صعبة وغير مسبوقة في كثير من الأحيان، كما يجب عليهم أن يكونوا حاضرين لدعم صناع القرار، دون أن يحلوا محلهم، وهذا للتأكد من أنهم يتخذون أفضل القرارات الممكنة في المواقف التي يواجهونها.
يتعامل علماء البيوتيقا حاليًا مع قضايا تخصيص الموارد (الأقنعة، وأجهزة التنفس، وأسرة العناية المركزة). لكنهم يتدخلون أيضًا في دعم المديرين ومقدمي الرعاية في سياق الأزمة، والذين، على سبيل المثال، يجب عليهم تحديد أكثر الوسائل احترامًا للتعامل مع العدد الهائل من وفيات المسنين: مكان تخزين الجثث وتعامل جدير بالمتوفين وعائلاتهم؟
التوازن بين الاستعجالي والأخلاق
كما يسهر علماء البيوتيقا كمستشارين في لجان أخلاقيات البحث على حماية المشاركين وإجراء البحوث بشكل جيد. ومع ذلك، فمع جائحة كوفيد-19، تتواجه حالة الطوارئ مع قواعد البحث المعتادة، العالم في حاجة ماسة للعلاج ولقاح، لكن البحث السريري في هذا السياق يثير العديد من القضايا الأخلاقية.
إن حالة الأستاذ الفرنسي ديدييه راؤولت وأبحاثه المتعلقة باستخدام الكلوروكين هي مثال جيد على ذلك، والجدل الأخلاقي تناولته وسائل الاعلام، وأثارت تجاربه العلاجية جدلاً حادًا ونقاشًا عامًا، وقد أعرب العديد من العلماء عن تحفظات حول فعالية هذا العلاج وأصبحت القضية قضية سياسية.
فمن المهم والمؤكد أن يتقدم البحث بسرعة، لكن هذا يتطلب مراقبة صارمة ومتزايدة، لأن أي فشل لن يضيع الوقت فحسب، بل سينجم عنه أيضًا عواقب وخيمة على المشاركين. لذلك يجب على علماء البيوتيقا ضمان الامتثال للمعايير الأخلاقية والسلوكية، مع الأخذ في الاعتبار أيضًا خطر التحرك ببطء شديد في سياق أزمة صحية.
من ناحية أخرى، يمكن لعالم البيوتيقا الأكاديمي أن يعمل كمفكر ومدرب ودليل لرفع مستوى الوعي، من خلال تحليل وانتقاد التحديات المتعلقة بالقضايا الاجتماعية الرئيسية، يحتفظ بحريته الأكاديمية، مما يسمح له بإلقاء نظرة ناقدة على القرارات الاجتماعية والسياسية، على سبيل المثال عدم شفافية الحكومة في السيناريوهات المختلفة لرفع الحجر الصحي، أو استخدام تطبيقات الهواتف الذكية وتحديد الموقع الجغرافي من أجل تحديد وتعقب الأفراد وعزل الحاملين.
في المنظمات الحكومية أو في الشبكة الصحية، لا يتمتع علماء البيوطيقا -كموظفين حكوميين -بنفس حرية التعبير. ومع ذلك، يجب عليهم الإجابة عن أسئلة محددة والعمل كدليل وضامن في مؤسساتهم.
في الأزمة الحالية، يجب أن يتفاعلوا بسرعة وأن يوفروا أطر صنع القرار ذات الصلة (على سبيل المثال، لإدارة الضائقة الأخلاقية أو الفرز) لتوجيه وتسهيل تنفيذ خطط التدخل التي ستكون فعالة وأخلاقية.
كشفت جائحة كوفيد – 19 عن أهمية أخلاقيات علم الأحياء وتنوعه وأهميته. هذه المهنة فسيفساء معقدة ومتعددة التخصصات، ما قد يبدو بأنه حواجز هو في الواقع جسور تربط المهنة بأكملها. في الواقع، يلعب علماء البيوتيقا دورًا داعمًا وحفازًا في توجيه جميع الأطراف التي يتفاعلون معها، مع الاحتفاظ بروحهم النقدية في خدمة المجتمع.

مرسلي لعرج، قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق