ثقافة المقال

الرسالة الكاملية في السيرة النبوية

من نوادر التراث الإسلامي: أو رسالة ( فاضل بن ناطق ) لعلاء الدين ابن النفيس ت 687 هـ

 د.محمد عبدالحليم غنيم

طبع كتاب ” الرسالة الكاملية في السيرة النبوية ” لأول مرة محققا عام 1986 , بعناية شيخ الأزهر في ذلك الوقت الإمام جاد الحق على جاد الحق ، ثم طبع بعد ذلك طبعتان أخريان ، كان آخرها عام 2000 م , ونحن إذ نعرض لهذا الكتاب اليوم ونقدمه للقراء نريد أن ننوه بأهميته وقيمته العلمية ، حيث صاحبه من أكبر علماء عصره ، ومن أعلام الحضارة الإسلامية الذين أسهموا في بنائها ، ألا وهو علاء الدين بن أبي حزم القرشي المشهور بابن النفيس ، المولود سنة 607 هـ بحلب ، والمتوفى بالقاهرة سنة 687 هـ .
وابن النفيس معروف لدي معظم الناس بأنه طبيب, وأنه مكتشف الدورة الدموية الصغرى, والواقع أن ابن النفيس إضافة إلى طبه وعلمه بالطب ، منطقي وفقيه وعالم حديث فله شرح كتاب القانون “لابن سينا ” وقام بتدريس الفقه ، وألف فى الحديث النبوى، ولكن غلب عليه الطب ، واشتهر به ، قال عنه صديقه أبو حيان الأندلسي الذي زار مصر وشاهده عيانا :”كان إماما فى الطب أوحد ، لا يضاهى فى ذلك ولا يبارى ولا يدانى استحضارا واستنباطا ” ووصفه تاج الدين السبكى صاحب طبقات الشافعية ، فقال “علاء الدين بن النفيس الطبيب المصري صاحب التصانيف الفائقة ،كان فقيها على مذهب الإمام الشافعي، صنف فى أصول الفقه والمنطق، وبالجملة كان مشاركا فى فنون ”

وتجمع المصادر على أن ابن النفيس نشأ فى دمشق وتعلم فى صباه أكثر علوم عصره وأنه قد تعلم الطب على كبر، ثم انتقل إلى القاهرة، حيث طابت له الإقامة فيها ، فعاش دون زواج منقطعا للعلم والتعليم حيث كانت داره مزارا للعلماء والأطباء والأعيان والتلاميذ ، وكان ذا مروءة، فقد أوقفـ بعد وفاته داره وأمواله الطائلة ومكتبته على البيمارستان المنصوري .
وبالجملة تعد حياة ابن النفيس وسيرته نموذجا للعالم المسلم الذي انقطع للعلم وخدمة المسلمين ، أما كتابه ” الرسالة الكاملية في السيرة النبوية ” فكتاب فريد من نوعه في كتابة السيرة النبوية ، لا يتبع فيه مؤلفه ابن النفيس نهج الإخباريين من كتاب السيرة النبوية كابن إسحاق وابن سعد وغيرهما ، ولكنه ينهج نهج المتكلمين والفلاسفة كالشيخ الرئيس ابن سينا وابن طفيل ، وهو في هذه الرسالة يحاكي في المقام الأول رسالة ابن سينا ” حي بن يقظان ” فالرسالة الكاملية تصور قصة يحكيها ( فاضل بن ناطق ) عن الرجل المسمى (كامل ) و فيما يتعلق بالسيرة النبوية والسنن الشرعية على طريق الإجمال , ولنترك المؤلف بنفسه يوضح لنا مقصده من الرسالة ونهجه فيها :
” فإن قصدي في هذه الرسالة اقتصاص ما ذكره فاضل بن ناطق عن الرجل المسمي بكامل فيما يتعلق بالسيرة النبوية والسنن الشرعية على طريق الإجمال ، ملتزما ترك الإسهاب ومعرضا عن الإغماض وموضحا المطالب بقدر الإمكان وعلى الوجه اللائق بحجم هذا الكتاب ومرتبا فيه كلامي على أربعة فنون :
الفن الأول : في بيان تكون هذا الإنسان المسمي بكامل وكيفية وصوله إلى تعرف العلوم والنبوات .
الفن الثاني : في كيفية وصوله إلى تعرف السيرة النبوية .
الفن الثالث : في كيفية وصوله إلى تعرف السنن الشرعية.
الفن الرابع : في كيفية وصوله إلى معرفة الحوادث التي تكون بعد وفاة خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ” ( الرسالة الكاملية , ص 149 . )
وابن النفيس في هذه الرسالة يعارض الشيخ الرئيس ابن سينا في رسالته (حي بن يقظان) الذي يرى أن العقل الإنساني يستطيع وحده أن يصل إلى ما دعا إليه الأنبياء المرسلون , وخلاصة نظرية ابن سينا في كتابه أو رسالته أن النبوة والولاية كلاهما مرتبتان يمكن أن يصل إليها ويكتسبها من يستطيع أن يطور نفسه عن طريق المجاهدة و الرياضة الروحية حتى يرقى بها إلى أفق الملائكة ، وكان ابن سينا يرمز بذلك إلى أن أية مرتبة من هاتين المرتبتين ليست اختيارا ولا اصطفاءَ من الله كما تقرر الآيات السماوية ، وهذا ما عارضه بشدة ابن النفيس إيماناَ منه بالله وبرسله وبمحمد المصطفى خاتم النبيين والمرسلين ، ومن ثم كان قيامه بهذا العمل الجليل ” الرسالة الكاملية ” أجل رفض نظرية ابن سينا , وأن النبوة ضرورة حتمية واصطفاء واختيارا من الله لبعض عباده ، وأن محمد (صلى الله عليه وسلم) هو آخر الأنبياء والمرسلين ، فالإنسان العاقل يمكن أن يدرك ضرورة النبوة كما نرى في قصة ” كامل ” الذي يرويها لنا (ناطق بن فاهم ) وإذا كان ابن النفيس في هذه الرسالة يعارض ابن سينا فإنه يتفق مع ابن طفيل في توصل الإنسان إلى معرفة الحقيقة ، والحقيقة المقصودة هنا حقيقة نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) فإذا كان حي عند ابن طفيل توصل إلى حقيقة وجود الله ، فإن كامل عند ابن النفيس توصل بالتفكير المنطقي إلى معرفة أمر النبوات .


و مع ذلك فإن أهمية هذه الرسالة تبدو لي أكثر فائدة و أهمية فيما ذكره ابن النفيس فى الفن الرابع ، و هو القسم الخاص بمعرفة الحوادث و التواريخ بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ” في كيفية وصوله إلى معرفة الحوادث التي تكون بعد وفاة خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ” حيث يزيد ذلك من قيمة هذه الرسالة زيادة كبيرة من الناحيتين التاريخية و الاجتماعية حيث درس هذا العالم التاريخ الإسلامي دراسة واعية ، كما درس تطور الحياة الاجتماعية فى المجتمع الإسلامي وذكر رأيه في الأسباب التي أدت إلى ما آلت إليه حال الشعوب الإسلامية في عصره من الضعف و التفكك حتى طمع فيهم الصليبيون و انتصر عليهم المغول و اجتاحوا ودمروا الكتب من البلاد الإسلامية و قد جعل ابن النفيس هذا الفن فى عشرة فصول تبدأ بمعرفة كامل لسبق الوصول إل معرفة الحوادث التي تكون بعد وفاة خاتم النبيين ( الفصل الأول ) إلى كيفية تعرفه أى ” كامل ” لما يحدث فى العالم السفلي بعد وفاة خاتم النبيين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ( الفصل العاشر) . يقول الدكتور حامد طاهر من مقال له عن ابن النفيس : ” والواقع أن الفصول العشرة التى تضمنها هذا الفن قد أتاحت له فرصة أكبر لتأمل أحداث تاريخية وقعت بالفعل ، بل وتقديم “تنبؤات ، ورؤى” مستقبلية لما يمكن أن يحدث فيما بعد ، ولا شك أن ابن النفيس قد تجاوز فى هذا الجزء كل من سبقه من الفلاسفة المسلمين الذين عكفوا – غالبا – على تفسير الماضى ، أو – فى حدود ضيقة جدا – على تحليل الواقع ” .
لقد حاول ابن النفيس فى هذا الفصل النزول بالفلسفة إلى الأرض ولعل هذا – كما سبق أن قلت – ما يميز رسالة ابن النفيس عن رسالتى ان سينا وابن طفيل .
ومن طريف ما قاله ابن النفيس فى هذا الفصل الأخير : ” لأجل شدة اختلاف الأمزجة تختلف صور الناس أيضاً ، ويسمج خلقهم فلذلك ربما وجد إنسان يخاطب الناس و يكلمهم كما فى غيره من الناس و مع ذلك يكون في صورة مخالفة لصورة الإنسان حتى يكون على صورة تشبه صور الدواب( الرسالة الكاملية ، ص 241 )
وعما يترتب عن كثرة الحروب فى العصور التاية بعد وفاة النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يقول ابن النفيس : ” كثرة الحروب ستؤدي إلى كثير من القتل بين الرجال و من ثم تكثر النساء و تنتشر بينهم الفاقة ، ولأجل كثرة الحروب حينئذ يكثر القتل ، وذلك إنما يكون في الرجال ، فلذلك يكثر النساء جداً بالنسبة إلى من يبقي من الرجال ويلزم ذلك كثرة شهوتهن و إفراط شبقهن إذ لا يجدن من يقوم بما يحتجن إليه من الرجال ويلزم ذلك كثرة المساحقة ” (الرسالة الكاملية ، ص242،242 )
دكتور / محمد عبد الحليم غنيم

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق